الإعلام التركي يتحول إلى ليبيا قبل أن ينقشع الغبار في سوريا

لم ينقشع الغبار بعد عن شمال سوريا في أعقاب العملية العسكرية التي شنتها تركيا هناك في أكتوبر وانتزعت السيطرة على قطاع من الأراضي من الجماعات المسلحة الكردية التي تعتبرها إرهابية.

وعلاوة على استمرار حالة عدم اليقين بشأن كيفية إدارة تركيا لما يسمى بالمنطقة الآمنة التي سيطرت عليها بين مدينتي تل أبيض ورأس العين في الشمال الشرقي، كثفت القوات الحكومية السورية محاولاتها إلى الغرب لانتزاع السيطرة على محافظة إدلب من المعارضة، مما قد يؤدي إلى فرار عشرات الآلاف من السوريين صوب الحدود التركية.

تبقى أسئلة دون إجابات حول كيفية اعتزام تركيا تمويل وتنفيذ خطتها لبناء مساكن لطالبي اللجوء السوريين العائدين في منطقتها الآمنة. تهب عاصفة في إدلب، وهي آخر محافظة خاضعة لسيطرة المعارضة وقد باتت موطناً لأكثر من مليون سوري نزحوا من مناطق أخرى من البلاد.

لكن على الرغم من استمرار المشاكل على مقربة في سوريا، ظل تركيز وسائل الإعلام التركية الأسبوع الماضي ثابتاً على ليبيا، حيث أشار الرئيس رجب طيب أردوغان إلى أن مغامرة عسكرية جديدة قد تكون وشيكة بعد شهرين فقط من المغامرة السابقة.

وجرى تضخيم هذا الإعلان على مدار الأسبوع في منافذ مثل صحيفة يني شفق، التي أعلنت أن تركيا مستعدة لإرسال قوات، وصحيفة تركيا التي أخذت تقرع طبول الحرب على صفحتها الأولى.

وعلى عكس ما حدث في سوريا، كان هناك هذه المرة بعض رد الفعل السلبي من حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي، لا سيما لأن التدخل قد يضع تركيا في صف أطراف معارضة لروسيا، التي ذكرت تقارير إنها أرسلت مرتزقة لمساعدة الجيش الوطني الليبي الذي يهاجم حلفاء تركيا.

وقد اتهم أردوغان موسكو بالفعل بالتدخل في البلاد، قائلاً إن وجود شركة فاغنر الروسية قد يؤدي إلى إرسال قوات تركية. هذا موقف نادر في فترة أثار فيها تعاون تركيا وموسكو المتكرر في صفقات الدفاع والطاقة والصراع السوري نقاشاً كبيراً حول انجراف تركيا نحو الشرق.

فقد كان هناك الكثير من الحديث عن الروابط المتنامية بين موسكو وأنقرة في السنوات الأخيرة، على الرغم من أن العديد من المحللين نأوا بأنفسهم عن الرأي القائل إن السياسة الخارجية التركية تمثل في الآونة الأخيرة محوراً لروسيا بشكل خاص، بدلاً من محاولة مواصلة سياسة مستقلة تخدم تصور الحكومة لمصلحة البلاد.

يرجع المنطق وراء الخطوة الأخيرة في ليبيا إلى أن دول المنطقة الأخرى تجاهلت مطالبات تركيا بينما قسمت أجزاء من شرق البحر المتوسط، حيث توجد موارد هيدروكربونية ضخمة محتملة. ويشمل ذلك أجزاء من البحر جنوب تركيا حيث تخطط اليونان وقبرص وإسرائيل لبناء خط أنابيب لنقل الغاز إلى أوروبا.

تنطوي تحركات تركيا الحازمة على مطالبة بحصة من الموارد البحرية من خلال وضع حدود بحرية واسعة مع حكومة طرابلس في ليبيا، والتي عرضت عليها أنقرة أيضاً زيادة دعمها العسكري.

ويصف البعض التحركات أيضاً بأنها جزء من استراتيجية "الوطن الأزرق" الأوسع نطاقاً التي تصورها أميرال متشدد مناهض للغرب يهدف إلى زيادة نفوذ تركيا في بحر إيجة والبحر المتوسط، حيث تخوض تركيا نزاعات مع اليونان منذ عشرات السنين.

لذلك، في حين أن أحزاب المعارضة في البرلمان قد اتخذت موقفاً ضد اتفاق لإرسال قوات إلى ليبيا، يبدو أن موقفهم لم يكتسب الكثير من الزخم.

ففي حين انتقدت الصفحة الأولى لصحيفة يني شفق حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي لدعمه الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، وضعت صحيفة تركيا عنواناً بسيطاً: نحن ذاهبون إلى ليبيا.

وفي صحيفة أيدنليك، التي يضم كتاب أعمدتها أيضاً الأميرال المتقاعد الذي تُنسب إليه استراتيجية "الوطن الأزرق"، عرف إحسان صفا النضال في ليبيا على أنه حيوي بالنسبة للاستراتيجية وبالتالي الدفاع عن مصالح تركيا. وأضاف شرطاً يتمثل في ضرورة ألا تشارك القوات التركية في القتال على الخطوط الأمامية.

وظهر موضوع في التغطية الإخبارية لمنافذ معروفة بانتمائها إلى الحكومة والتي وصفت الخطوة في ليبيا بأنها معركة ضد "سيفر جديدة"، في إشارة إلى معاهدة 1920 التي قسمت الأراضي العثمانية المتبقية بعد أن عانت الإمبراطورية من الهزيمة في الحرب العالمية الأولى.

وذهب بعض الكتاب إلى أبعد من ذلك لتذكير القراء بأن الدولة الواقعة في شمال أفريقيا كانت جزءاً من المقاطعات العثمانية حتى عام 1911، عندما غزتها إيطاليا. وكان للصراع تداعيات أكبر على تركيا من خسارة ليبيا، حيث احتلت إيطاليا جزر دوديكانيسيا.

ولم تتم إعادة الجزر مطلقاً إلى الإمبراطورية العثمانية على الرغم من اتفاق يعدها بالقيام بذلك في عام 1912، وتم ضمها في نهاية المطاف إلى اليونان في عام 1947. وتلعب جزر دوديكانيسيا دوراً بالغ الأهمية في النزاع المتصاعد في شرق المتوسط، حيث يتداخل اتفاق الحدود البحرية الذي أبرمته تركيا وليبيا مع المطالبات اليونانية بالمناطق البحرية قبالة جزر رودس وكارباثوس.

ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى احتمال وجود مغامرة عسكرية في ليبيا والترويج لها على سبيل الدفاع عن مطالب تركيا المشروعة قبالة ساحلها الجنوبي، في حين يمكن وضعها أيضاً في إطار العودة إلى الموقع الإقليمي الذي كان يشغله العثمانيون. وفي صحيفة ديلي صباح، ذهب كاتب العمود إحسان أكتاش إلى حد إدانة حزب الشعب الجمهوري لمعارضته هذه الخطوة في ليبيا في حين شارك مصطفى كمال، مؤسس كل من الجمهورية التركية وحزب الشعب الجمهوري، في حملة الدفاع ضد إيطاليا.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/media-roundup/turkish-media-shifts-libya-dust-settles-syria
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.