إعلام أردوغان يمارس دور الضحية بعد تقرير فاضح

أدانت منظمات تركية ودولية تقريرا صدر الأسبوع الماضي عن المؤسسة التركية للأبحاث الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وهي هيئة بحثية ذات صلات بالحكومة تتولى بشكل دوري مراقبة حسابات صحفيين أتراك يعملون لدى مؤسسات أجنبية بغرض الوقوف على رؤاهم السياسية.

المنتقدون يقولون إن هذه المؤسسة البحثية قد هاجمت عددا من الصحفيين بشكل خاص في بلد يواجه بالفعل قيودا حادة.

غير أن شخصيات بارزة من هذه المؤسسة، بينهم المنسق العام برهان الدين دوران، قالوا إن هذا البحث إنما يستخدم بيانات مفتوحة المصدر لرسم صورة للمشهد الإعلامي في البلاد.

بل إن برهان يقول إن المؤسسة التركية للأبحاث الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، التي يمتد نطاق بحثها ليشمل فخر الدين ألتون، الذراع اليمنى للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومدير الاتصالات بالقصر، هي نفسها ضحية "محاولة متعمدة" تنفذها دوائر صحفية غير محايدة.

لكن التقرير واجه انتقادات من مصادر مقربة من الحكومة، حيث قال إرسين جيليك، الصحفي بصحيفة يني شفق اليومية ذات الصبغة الإسلامية في تغريدة إن التقرير "مقزز" و"غير ملائم بالمرة".

وفي التغريدة التي سرعان ما تم حذفها، دعا جيليك المركز البحثي إلى سحب التقرير وتقديم اعتذار.

وقال جيليك "إعداد قوائم بمن يتابعهم الصحفيون ويعيدون نشر تغريداتهم لا يمثل معلومات سرية، لكن ومن خلال دراسة وكتابة تقارير عنهم، يتحول الأمر إلى تجهيز سيرة لكل منهم."

ولا يخفى على أحد الوضع المؤسف لوسائل الإعلام المحلية في تركيا، إذ تضع منظمة صحفيون بلا حدود تركيا في المركز 157 من بين 181 بلدا على مؤسر حرية الصحافة في العالم.

وفي تقرير أعدته نفس المنظمة بالتعاون هيئة بيانيت التركية المستقلة خلال العام الحالي، تم تسليط الضوء على هياكل ملكية وسائل الإعلام التي تضمن أن تظل الأغلبية الساحقة من المؤسسات الإعلامية في البلاد تحت سيطرة الحكومة.

ويواجه الصحفيون الذين ينشرون تقارير تنطوي على انتقادات للحكومة أو الذين يعملون لصالح مطبوعات تم إغلاقها وتجريمها خلال السنوات الماضية اتهامات جنائية، حيث يقضي بعضهم في بعض الحالات شهورا أو سنوات رهن الاحتجاز في انتظار المحاكمة. أما من يقيم منهم بالخارج فيصبح عرضة للقبض عليهم من قبل الشرطة الدولية (الإنتربول).

وتعد تركيا أكثر بلد في العالم يحتجز صحفيين، وفقا لما ذكرته حملة "فلتحموا الصحفيين" للعام الثالث على التوالي.

 ولا يفوتنا هنا أيضا ذكر ما يواجهه الكتاب من مخاطر إضافية تتعلق بالاعتداءات البدنية، مثلما حدث مع خمسة صحفيين خلال شهر مايو من العام الحالي.

ويبدو أن حسن بصري يالجين، كاتب العمود في صحيفة صباح الموالية للحكومة، يعيش في نفس العالم الموازي الذي يعيش فيه مسؤولو حزب العدالة والتنمية الحاكم الذين يزعمون بعدم وجود أي صحفي مسجون في تركيا.

وقال يالجين في عمود يوم الخميس الماضي "إنه تقرير بسيط. تم إعداد قائمة بالخدمات الأجنبية، وتم بذل جهود لتسليط الضوء على مواقفهم السياسية.. هذه المؤسسات الصحفية الأجنبية تكاد تتشكل بالكامل من صحفيين يتبنون مواقف معارضة. في هذا الإطار، يقدم التقرير صورة للمشهد العام."

ومثلما فعل دوران، يرى يالجين هذه الضجة بأكملها باعتبارها دليلا على وجود القوى السوداء - التي تعمل وتخطط لتصوير الكتاب الذين يتخذون مواقف موالية للحكومة - في صورة المذنب.

وقال يالجين "لم يسبق أن رأيت مثل هذا التركيز الكبير (من مؤسسات إعلامية أجنبية) على بلد آخر.. إن المؤسسة التركية للأبحاث الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، باعتبارها مؤسسة تحاول خدمة هذا البلد، لديها فضول لمعرفة أسباب هذا الاهتمام ولقد أعدت تقريرها عن هذا."

وأضاف يالجين قائلا "لا أفهم لماذا يتخفى كثير من المسلحين في هيئة صحفيين لا يترددون في نشر صورنا وقوائم بأسمائنا وتصنيفنا كصحفيين حزبيين منحازين لصالح حكومة حزب العدالة والتنمية ويشعرون بضيق شديد (مما ورد في التقرير)."

وتابع "لكن انحيازاتي واضحة تماما. أنا أقف في خندق واحد مع هذا البلد."

بهذه التعليقات، لمس يالجين صلب الموضوع: فالصحفيون أصحاب وجهات النظر المنتقدة للحكومة يصنفون باعتبارهم من المسلحين، بينهم يعتبر أولئك الذين توافق الحكومة على آرائهم وطنيين.

إن العدد الكبير من الصحفيين "المعارضين" الذين يتعجب يالجين وأمثاله من آرائهم لهم صنيعة نبوءة تحققت من تلقاء نفسها حين يصنف صحفي تحمل تقاريره انتقادات باعتباره من الخارجين على النظام، وربما توجه إليه اتهامات جنائية.

وحتى في هذا الإطار، امتلك دوران جرأة كافية لانتقاد وسائل إعلام أجنبية تعمل في تركيا بسبب عدم عرضها لوجهات النظر شديدة التباين، وحذرها من أن مثل هذا السلوك "لا يساهم في بناء ديمقراطية تركيا."

لقد كان في استحواذ رجل أعمال ذي صلات بالحكومة على آخر مؤسسة إعلامية مستقلة في البلاد، وهي مجموعة دوجان الإعلامية، قبل الانتخابات العامة التي جرت العام الماضي ميلا صارخا لكفة الصحافة التركية إلى جانب الحكومة.

وقدّر البعض أن هذه النسبة تصل إلى 90 بالمئة استنادا إلى إحصاءات المشاهدة والقراءة.

غير أن الأسبوع الماضي شهد بعض المقدمات على أن محاولات الحزب الحاكم وزمرة الإعلاميين الموالين له فرض رواياته الخاصة لم تؤت ثمارها، بل ارتدت في نحورهم.

وفي عمود نشر يوم الأربعاء، وصف عبد القادر سيلفي، وهو كاتب يُعرف بأنه بوق لحركات داخل حزب العدالة والتنمية، الأرض بأنها تتزلزل من تحت أقدام أردوغان بعد الهزيمة التي مني بها الحزب في جولة الإعادة لانتخابات رئاسة بلدية إسطنبول في الثالث والعشرين من يونيو الماضي، وقارن النتائج بانتخابات سابقة غيرت المسار السياسي في تركيا.

وقال سيلفي إن ظهور أحزاب جديدة يقودها أعضاء بارزون سابقون في حزب العدالة والتنمية قد يؤدي إلى إجراء انتخابات مبكرة قد تتم في عام 2023.

وسواء في مقال الأربعاء أو عمود آخر نشر في اليوم التالي، ألمح سيلفي  إلى الإحباط الذي يشعر به أعضاء الحزب الحاكم بسبب رفضه القاطع لتغيير المسار.

جزء كبير من هذا الإحباط مردُّه ميل حزب العدالة والتنمية إلى تكتيكات قتالية ضد المنتقدين، وأساليب التضييق والمضايقة التي أفرزت في البيئة الخطرة التي يعيش فيها الصحفيون الآن.

لقد راهن أردوغان في حملته لإجراء انتخابات محلية هذا العام على تلك التكتيكات السلبية، التي تصنف المناوئين كأعداء للوطن بل وتضعهم في نفس التصنيف مع الإرهابيين.

وفي الوقت نفسه، فإن المحاكمات التي يخضع لها النشطاء المتهمين من قبل الرئيس بمحاولة إسقاط حكومة حزب العدالة والتنمية في إطار مؤامرة يدبرها الملياردير المجري الأرمني جورج سوروس.

وتعرض أردوغان لانتكاسة كبرى في صناديق الاقتراع، حيث في خمس انتخابات من أصل ستة على مناصب رؤساء بلديات أكبر ست مدن تركية.

والآن تلقى الاتهامات بوجود صلات مع سوروس في وجه ابنة أردوغان شخصيا، سمية أردوغان بايركتار، مثلما عرضت إيلف جاكير، وهي كاتبة عمود في صحيفة كرار الإسلامية، في عمودها يوم الأربعاء.

وقالت جاكير "خلال السنوات الخمس الماضية، كان أي شخص يفكر ولو بشكل طفيف عن حكومة حزب العدالة والتنمية أو ينتقدها يصنف بأنه تابع لسوروس أو خائن أو متواطيء مع قوى أجنبية."

وأضافت "كان لابد وأن نرى أنه سيأتي يوم يصنفون فيها سمية أردوغان بايركتار."

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/media-roundup/turkish-pro-govt-media-pundits-claim-victimhood-after-seta-report-backlash
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.