إعلام موالٍ للحكومة يشيد بإمام أوغلو على مضض

هيمن الفوز الساحق الذي حققه أكرم إمام أوغلو، مرشح حزب المعارضة الرئيس، حزب الشعب الجمهوري، في الانتخابات على منصب عمدة مدينة إسطنبول على تغطية وسائل الإعلام الأجنبية لتركيا في الأسبوعين اللذين مرّا منذ إدلاء الناخبين بأصواتهم في إعادة الانتخابات في الثالث والعشرين من يونيو الماضي.

كان هذا على الأقل نتاجاً لعدة أمور، من بينها تركيز حزب العدالة والتنمية الحاكم بشكل مكثّف على المنافسة في انتخابات إسطنبول. انعكس ذلك في المقام الأول في وصف المنافسة على منصب العمدة قبل الانتخابات الأولى في 31 مارس بأنها "مسألة حياة للوطن". بعد ذلك جاء فرض إعادة الانتخابات استناداً إلى أسس زائفة في أعقاب خسارة المدينة الأكبر والأكثر جاذبية في تركيا.

وكان من الأمور التي زادت الدراما في المشهد، الإجراءات المتزايدة التي اتخذها الحزب الحاكم الفاقد للأمل للاحتفاظ بهذه المدينة. وبلغت تلك الإجراءات ذروتها عندما اتجه الحزب بشكل مكشوف لمحاولة الحصول على مساعدة عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني المحظور، والذي يُشير إليه السياسيون في حزب العدالة والتنمية، ووسائل الإعلام المؤيدة له بشكل عام، على أنه "زعيم إرهابي" و"قاتل للأطفال".

وبالنظر إلى سلسلة الأحداث البارزة التي مهدت الطريق لتحقيقه النصر عبر 800 ألف صوت في انتخابات الثالث والعشرين من يونيو، لم تكن مفاجأة أن تصف وسائل الإعلام الدولية فوز إمام أوغلو بأنه ضربة تصيب الرئيس رجب طيب أردوغان بالشلل.

وكانت سلسلة من العناوين وصفت انتكاسات سابقة بأنها "بداية النهاية" للرئيس التركي، الذي اقترب حزبه من حافة السقوط في الآونة الأخيرة بعد أن خسر أغلبيته في الانتخابات التي أُجريت في البلاد في يونيو 2015.

ولم تتوقف سلسلة جديدة من العناوين التي توقعت الأمر ذاته، على الرغم من قدرة الحزب على التحمّل منذ ذلك الحين. لكن هناك شعوراً هذه المرة بأن الحزب صار أكثر عرضة للسقوط بسبب وجود إمكانية كبيرة لوقوعه في المزيد من الأخطاء، بالإضافة إلى شدة الضغوط الاقتصادية وضغوط السياسة الخارجية.

ومن السابق لأوانه القول بما إذا كانت التقارير التي تشير إلى قرب سقوط الحزب الحاكم مُبالغ فيها أم لا. لكن هناك متسعاً من الوقت أمام بعض الآمال الكبرى التي خلقها فوز إمام أوغلو قبل أن تتبدد.

الكثير من تلك الآمال خُلق من رحم حملة مرشح حزب الشعب الجمهوري الشاملة، وحديثه الرقيق الليّن، وما تُسمى باستراتيجية "الحب الشديد" التي كانت تهدف للفوز بأصوات الناخبين من الأحزاب المحافظة المنافسة.

لكن كل شيء نسبي. ولم يستدعي الأمر إنجازاً تاريخياً ليظهر الرجل بصورة الشخص التصالحي، حينما كان خصومه يصفون المعارضين بأنهم إرهابيون ويستغلون مشهداً من هجوم كرايستشيرش لحشد الأصوات لصالحهم.

وتحدث الكثير من وسائل الإعلام الأجنبية عن إمام أوغلو كمنافس في المستقبل على كرسي الرئاسة الذي يجلس عليه أردوغان حالياً. بيد أن العُمدة الجديد أمامه طريق طويل قبل أن يُثبت أنه الشخص المثالي لحل المشاكل المعقدة التي تعاني منها البلاد.

وتمسك إمام أوغلو بنبرته التصالحية، حيث صدرت عنه تصريحات وإيماءات رمزية لخطب ود المجموعات التي أيدته، وفي الوقت ذاته إبقاء الباب مفتوحاً أمام الناخبين المتدينين والمحافظين.

من ثم، فإنه تحدث إلى القوميين الأتراك في خطاب الفوز، حيث ركز على "حرمة المساس بالسلامة الإقليمية" لتركيا، في الوقت الذي أومأ فيه للعلمانيين بأنه "مشروع لجمهورية مصطفى كمال أتاتورك".

وبدا إمام أوغلو مهتماً بعدم الإنتقاص من أوراق اعتماده لدى المحافظين، حيث وجه دعوة لأحد الأئمة لإقامة الصلاة في مكتبه، ورفض الدعوات للعودة لتقديم خدمات تقديم المشروبات الكحولية في أماكن الترفيه البلدية بعدما ألغاها أردوغان قبل عقود في أعقاب توليه منصب العمدة.

وهناك منطق سياسي سليم في هذا من مرشح وعد بتمثيل كل أطياف المدينة التي يصل تعداد سكانها إلى 16 مليون نسمة. لكن هذا يحمل في طياته مخاطر، كما ظهر في انتقادات ناخبي حزب الشعب الجمهوري، الذين كانوا يتوقعون من الرجل أن يُحدث تحولاً سريعاً.

في الوقت ذاته، فإن بعض الرموز الإعلامية المنتمية للتيار المحافظ لاحظت هذا الاتجاه نحو خطب ود هذا التيار. كان من بين هؤلاء ياسين أقطاي، نائب حزب العدالة والتنمية السابق، الذي أشاد بإمام أوغلو على مضض في مقال لصحيفة (يني شفق) الموالية للحكومة، لأنه تبنى "النموذج والمسارات التي ظل حزب العدالة والتنمية يتبعها لسنوات".

لكن أقطاي وغيره سارعوا بالإشارة إلى التناقض الذي يتصادم مع العلمانيين المتشددين في حزب المعارضة الرئيس، من أمثال نائب إسطنبول السابق باريش ياركاداش، الذي انتقد فكرة ارتداء قضاة أغطية رأس في مقابلة تلفزيونية بعد أيام من النصر الذي تحقق في مدينة إسطنبول.

وكان لدى الجناح الإعلامي للحزب الحاكم المزيد لشن هجوم على المعارضة بعد أسبوع فخر "مجتمع الميم"، حيث استهدف هذا الإعلام بلديات حزب الشعب الجمهوري "لتشجيعها المثلية الجنسية" في "سباق للاحتفال بأسبوع فخر المثليين".

وكانت حكومة حزب العدالة والتنمية هي أول من أعطى موافقة رسمية على مسيرة فخر المثليين في عام 2003. واستمرت تلك الفعالية كل عام حتى سنة 2015، عندما فُرض حظر فعلي على تلك الفعالية خلال فترة قمع كانت أوسع نطاقاً.

ويبدو أن التصريحات التي صدرت في الآونة الأخيرة حول هذا الموضوع تشكل تحركاً لفصل المحافظين عن كل من حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد، واللذين أيدت البلديات التابعة لهما مسيرة فخر المثليين.

وكانت دعوات إمام أوغلو لعقد اجتماع مع صلاح الدين دميرطاش، الرئيس المشترك لحزب الشعوب الديمقراطي، والمسجون حالياً، كافية لإبقاء الآمال في إمكانية استمرار التحالف المؤقت الذي تشكّل مع الحركة الكردية في الانتخابات المحلية.

وتُظهر الأخبار التي تتحدث عن استئناف عملية السلام الكردية أن الحزب الحاكم يتطلع لتعزيز أوراق اعتماده لدى الناخبين الأكراد. وكانت عملية السلام قد توقفت في عام 2015، مما قاد إلى قمع أكبر أقلية في البلاد لسنوات.

لكن كيف يأمل حزب العدالة والتنمية في فعل هذا، على الرغم من تحالفه مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف، والسنوات التي أمضاها في العمل على بناء شبكة من نقاط التفتيش العسكرية الدائمة في جنوب شرقي البلاد ذي الأغلبية الكردية، والمواجهات المستمرة مع المسلحين الأكراد في سوريا، ومخاطر استمرار أردوغان بشكل واضح في إطلاق التصريحات التي تفتقر إلى القدرة على التمييز.

ويجب ملاحظة أن الحزب الحاكم ما زال يستحوذ على قطاع كبير من الناخبين. كما أن دعوة زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان للناخبين الأكراد باتّباع "طريق ثالث" تثير احتمالات حدوث تحول تكتيكي من جانب بعض السياسيين بعيداً عن المعارضة. وقدم حزب الشعوب الديمقراطي دعمه لتحالف المعارضة في الانتخابات المحلية كإجراء تكتيكي ضد التكتل الحاكم. وما زال يُذكر لحزب الشعب الجمهوري تصويته لصالح تشريع يسمح برفع الحصانة البرلمانية، في خطوة قادت إلى سجن دميرطاش والعديد من ساسة حزب الشعوب الديمقراطي.

وفي ظل القائمة الطويلة من الخلافات العميقة التي تُفرّق الطوائف الاجتماعية في تركيا، تمكن إمام أوغلو من وضع يده على قضية واحدة تحقق شبه توافق في تركيا في أسابيعه الأولى كعمدة معترف به رسمياً، وهي قضية ملايين السوريين الذين تستضفيهم تركيا في إطار وضع "حماية مؤقت".

وأشار بحث أجرته جامعة قادر هاس إلى أن 60 في المئة من الأتراك غير سعداء بوضع 3.5 مليون سوري يعيشون في بلدهم. وأشارت استطلاعات رأي أخرى إلى أن نحو 80 في المئة يريدون إعادة اللاجئين إلى وطنهم. وتعامل عُمد حزب الشعب الجمهوري مع الموقف من خلال استهداف السوريين في تركيا بشكل مباشر عبر حظر دخول السوريين إلى الشواطئ العامة.

وبينما نأى إمام أوغلو بنفسه في مقابلة تلفزيونية يوم الاثنين عن مثل هذه العنصرية العلنية، فإن طرحه للقضية على أنها قضية تتعلق "بحماية شعب تركيا،" وتركيزه على الإشارات باللغة العربية – التي قال إنها تشوه ثقافة المدينة، أمور أثارت خيبة أمل البعض، والذين فسروا خطاب "الحب الشديد" على أنه تنصلٌ من جميع أشكال التمييز.

وقد تجلت الحاجة لزعيم يستطيع نزع فتيل التوترات بشأن 3.6 مليون سوري في تركيا بشكل واضح بعد أيام من المقابلة التي جرت مع العمدة المنتمي لحزب الشعب الجمهوري، عندما هاجت الدهماء على الجالية السورية بسبب شائعة كاذبة انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي. 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب، ولا تعبر بالضرورة عن آراء موقع أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/turkey-politics/grudging-praise-turkish-pro-govt-media-new-chp-mayor
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.