الإمارات تهدف إلى إغراق تركيا في حرب الاستنزاف الليبية

حققت حكومة الوفاق الوطني، ومقرها طرابلس، انتصارات على أرض الواقع وفي المجال السياسي في الأسابيع الأخيرة، ويرجع الفضل في ذلك، إلى حد كبير، إلى زيادة الدعم العسكري التركي لها.

ومنذ ديسمبر الماضي، عندما وقعت أنقرة اتفاقية تحديد الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الوطني، أرسلت تركيا أسلحة وأنظمة دفاع جوي جديدة، ومستشارين عسكريين أتراكاً، وآلاف المرتزقة السوريين للقتال مع حكومة الوفاق الوطني.

وعلى الرغم من انتهاكها لقانون حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على ليبيا، إلا أن التعزيزات مكّنت حكومة الوفاق الوطني من صد قوات المشير خليفة حفتر، الذي حقق تقدمًا كبيرًا منذ شن هجوماً للاستيلاء على طرابلس في أبريل 2019، واستعاد مساحات كبيرة من الأراضي في غرب ليبيا.

وقال جليل الحرشاوي، زميل باحث في معهد كلينغندايل ومقره لاهاي، لـ "أحوال تركية"، مشيراً إلى التدخل التركي في ليبيا: "إنه غير قانوني تمامًا، لكنه واضح ويسير وفقًا للخطة. الأمر لم ينتهِ بعد، لم تنتهِ المعركة. ولكن يتم تنفيذها بشكل جيد".

وأكد الحرشاوي في تغريدة على أن حكومة الوفاق الوطني استعادت القاعدة الجوية الاستراتيجية الرئيسية في "الوطية"، وهي منطقة جنوب غرب العاصمة، والتي قال إن داعم حفتر الرئيسي، وهي الإمارات، كانت تحميها كمركز حيوي.

وفي الأسبوع الماضي أيضًا، تعهد الأمين العام للناتو، ينس ستولتنبرغ، بدعم الحلف لحكومة الوفاق الوطني، التي اعترفت بها الأمم المتحدة بالفعل، بينما دعا منسق السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، الجانبين إلى إلقاء أسلحتهما والبدء في التفاوض بشأن قرار سياسي.

ويوم الاثنين، كتب يحيى بستان، كاتب العمود في صحيفة "ديلي صباح" التركية، أن ثقة أنقرة قد زادت إلى درجة أن تركيا لم تعد تسعى فقط إلى جلب حفتر إلى طاولة المفاوضات، ولكن، كما قال بستان، تسعى كذلك إلى "إخراج مصدر عدم الاستقرار، وإخراج هذا القاتل لسكان طرابلس المدنيين من دائرة الأحداث".

ومع ذلك، من المحتمل أن يكون هذا الهدف بعيدًا عن متناول تركيا، على الأقل في الوقت الحالي. حيث العقبة الأولى التي تقف أمام أنقرة هي تحديد عدوها الرئيسي في ليبيا، وهو ليس حفتر.

قال الحرشاوي لأحوال في يناير الماضي إن الحرب الليبية كانت ستشتد إلى حد كبير لأن هدف الإمارات هو هزيمة تركيا. وفي الأسابيع الأخيرة، أظهرت الإمارات التزامها بهذا الهدف، ودعمت حفتر بقوة، وحثته على مواصلة الحرب على الرغم من الانتكاسات في ساحة المعركة.

وقال الحرشاوي إن عدد الضحايا من المدنيين في ارتفاع سريع، مضيفًا أن الهجمات المتزايدة على طرابلس تعني أن الصراع قد تطور لصالح الإمارات. "هذا يعني أنك متورط الآن في حملة أيديولوجية مقابل معركة عسكرية".

العقبة الثانية التي تواجه تركيا هي انعدام القانون في الصراع بسبب عدم رغبة القوى الغربية في لعب أي دور حقيقي أو حتى تطبيق قرارات دولية.

قال الحرشاوي "هناك فوضى حقيقية. الأمر أشبه بالقرن التاسع عشر، حيث لا توجد أمم متحدة، ولا يوجد قانون دولي. تمسك تركيا بقطعة أرض على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط ولا يستطيع الأوروبيون فعل الكثير حيال ذلك".

وقال حرشاوي، إنه بقيادة فرنسا، استعانت أوروبا بمصادر خارجية لأمن شمال إفريقيا وأرسلتها إلى الإمارات، مما أعطاها تفويضاً مطلقاً عبر منطقة غير مستقرة. وهكذا، قال إن الإمارات تنفق مبالغ كبيرة من المال على الحرب بينما وفرت فرنسا غطاء دبلوماسياً لهذا الأمر.

هذا الاستعداد لاختبار القوانين الدولية والمشاركة في النزاعات الإقليمية حوّل دولة الإمارات إلى لاعب عسكري كبير، على الرغم من أن عدد سكانها أقل من 10 ملايين نسمة.

وقال ريان بول، محلل شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة ستراتفور للاستشارات، لأحوال "سجلهم القتالي أكسبهم لقب ’ليتل سبارتا’ لأنه يمكنهم القيام بأشياء لم تستطع القوى الغربية القيام بها".

أما العقبة الرابعة التي تقف أمام تركيا هو أحدث حلفاء الإمارات، الرئيس السوري بشار الأسد، خصم أنقرة. حيث قام وفد من الجيش الوطني الليبي التابع لحفتر بزيارة دمشق في أواخر أبريل وأعلن عن افتتاح سفارة في إطار الجهود المشتركة لمكافحة العدوان التركي.

وقال الحرشاوي "ذهب الإماراتيون إلى الأسد ووعدوه بإعادة تأهيل دولته وإعادة إدماجها في العالم العربي، على سبيل المثال في جامعة الدول العربية وجميع أنواع الأمور الجيدة الأخرى. وفي المقابل طلب الإماراتيون الكثير من الجنود والمقاتلين".

أرسل الأسد أقل من ألف جندي حتى الآن، وليس أفضل مقاتليه، الذين ما زالوا بحاجة إلى إنهاء حربه في الداخل، حسب الحرشاوي. لكن الجنود السوريين يواصلون التدخل، مما يزيد من قوة حفتر القتالية.

لكن الأسد لم يكن الوحيد في استعداده للوقوف ضد تركيا. حيث أصدرت مصر وقبرص واليونان وفرنسا والإمارات إعلانًا مشتركًا نددت فيه بجهود الحفر غير القانونية التي تقوم بها تركيا حول قبرص وتدخلها العسكري في ليبيا واتفاقية حدودها البحرية مع حكومة الوفاق الوطني. وردًا على ذلك، وصف المسؤولون الأتراك المجموعة بأنها تحالف شر جديد وألقوا باللوم على الإمارات في حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي نشرتها في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

وقال بول "إن الممارسات التركية تخلق تحالف قوة ناعم يبحث عن طرق لاحتواء النفوذ التركي والتوسع التركي في المجالات ذات الاهتمام المشترك. الائتلاف ليس لديه الكثير من القواسم المشتركة باستثناء عداوة تركيا".

هذه العداوة تنضم إلى الصدام الذي حدث بين تركيا وقطر من جهة والسعودية والإمارات ومصر من جهة أخرى، حيث يدعم كل من تركيا وقطر الإسلام السياسي والإخوان المسلمين على وجه الخصوص، ولكن ترى الكتلة الأخيرة الإسلاميين والإخوان كإرهابيين وكتهديد للأمن الإقليمي.

وبالإضافة إلى المقاطعة الخليجية على قطر الذي استمر ما يقرب من ثلاث سنوات، فقد أدى النزاع إلى فرض الرقابة الإعلامية، وتضليل المعلومات السياحية، وتبادل الاتهامات في قضية الصحافي السعودي جمال خاشقجي، ونتج عنه الانخراط في حروب ليبيا، وسوريا واليمن حيث يتزايد نفوذ تركيا.

ومع بقاء القوى الغربية بعيدة عن المعركة، قد تكون مثل هذه الصراعات المنخفضة المستوى وطويلة الأمد هي الوضع الطبيعي الجديد في الشرق الأوسط. ومن المحتمل أن تُترك القوى الإقليمية مثل تركيا وإيران ومصر وغيرها لتدافع عن نفسها.

وقال بول "لا يمكنهم الاستعانة بالمساعدة العسكرية لحلفائهم من خارج المنطقة مثلما اعتادوا. سيكون عليهم الاعتماد على أنفسهم وعليهم استيعاب التكاليف من تلقاء أنفسهم".

هذا الجزء الأخير يصعب تحمله بشكل خاص بالنسبة تركيا، التي تغرق في ديون دولية ضخمة وتغرق في أزمة اقتصادية تفاقمت بسبب الوباء. وقال بول إن فيروس كورونا جعل تركيا أكثر عزوفًا عن المخاطرة في أماكن مثل سوريا وليبيا. وأشار الحرشاوي إلى أن الإمارات تملك صندوق ثروة سيادي يتجاوز 800 مليار دولار.

وقال كذلك "إن التأثير الاقتصادي لفيروس كورونا أعنف على تركيا منه على الإمارات"، مضيفًا أن هذا يعني أن الإمارات مستعدة على الأرجح لمواصلة خوض حرب خسرتها.

وأضاف الحرشاوي "تعتقد الآن أن تركيا مشرقة نوعًا ما في الوقت الحالي، ولكن كل ما علينا فعله هو المثابرة، والهجوم وسنستيقظ يوماً ما وسنسمع بعض الأخبار الجيدة بأن تركيا تنهار لأسباب اقتصادية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-libya/uae-aims-mire-turkey-libyan-war-attrition