الإنسانية أصبحت رهينة في يد أردوغان

لقد أصبح العالم منذ بزوغ فجر الإنسانية مسرحًا للعديد من الحروب، والمذابح الجماعية الممنهجة، وتدمير المدن والبلدات، وتشريد ملايين الناس من أوطانهم ومنازلهم، لكن نشهد لأول مرة في التاريخ إقبال "دكتاتور" على ترحيل الملايين بشكل ممنهج بعدما منحهم صفة اللاجئين على أراضيه.

لما خسرت تركيا العشرات من أبناءها على الأراضي السورية، لجأ أردوغان إلى آخر بطاقته الرابحة وشرع تحت رقابة الشرطة، بل تهديدِها، في الدفع بالمهاجرين واللاجئين إلى الحدود اليونانية بالحافلات المنطلقة من المخيمات ومراكز المدن.  

لقد عاد أردوغان إلى "سياسة الرهائن" مجددًا، وهذه المرة من خلال اللاجئين، بعدما دأب على احتجاز المواطنين والمسؤولين والصحفيين والدبلوماسيين الأجانب في سجونه لشهور وسنوات بأساليب غير قانونية، في مسعىً لتحقيق مآرب أو التخلص من ضغوط العالم.

كان أردوغان عقد اتفاقية خاصة باللاجئين مع الاتحاد الأوروبي، مع تهديده بفتح "الحدود" في حال عدم الالتزام بتعهداته، ومن ثم توجه لخرق الحدود اليونانية، عن طريق استخدام أناس لا سند لهم ولا ملجأ كـ"كبش فداء"، من أجل حمل الاتحاد على الوقوف إلى جانبه في قضية احتلاله غير الشرعي لمدينة إدلب السورية.

ما نوع هذه السياسة الخسيسة والحالة النفسية والمروق من المبادئ الإنسانية والإسلامية بحيث يدفع هذا الدكتاتور إلى توظيف أناس اضطروا إلى الفرار من بلادهم في تنفيذ سياسات الحرب القذرة يا ترى؟

تدمير القيم الإنسانية العالمية الأساسية بكل هذه البساطة لا يعني سوى وقوع الإنسانية جمعاء أسيرة ورهينة في يد هذا الدكتاتور. بمعنى آخر أن عداوته لشعبه توسع نطاقها حتى يشمل كل الإنسانية.

أما رد فعل الاتحاد الأوروبي على هذا الوضع الجديد فهو يشكل البعد الآخر لعملية تدمير القيم الإنسانية بالطريقة ذاتها. حيث إنه لا يمنح حق اللجوء للاجئين الذين وصلوا إلى حدوده على الرغم من أن "التقدم بطلب اللجوء" حق مضمون وفق اتفاقية جنيف لعام 1951.

ولا شك أن قيام قوات الأمن اليونانية وشرطة أمن الحدود التابعة للاتحاد الأوروبي فرونتكس بإعادة اللاجئين الذين تجاوزوا الحدود مؤشر يكشف مدى التزام دول الاتحاد الأوروبي بمبادئ "دولة القانون" و"سيادة القانون".

وإذا نظرنا إلى النقاش الذي اندلع داخل الاتحاد الأوروبي وموقفه من أزمة اللاجئين حتى اللحظة، فإنه من الواضح أن أردوغان سيعود خاوي الوفاض من الأزمة التي خلقها بنفسه مجددا، كما هو الحال في جميع القضايا الأخرى.

ستتخمض الأوضاع الأخيرة عن عدة نتائج؛

أولاً، لن يدعم الاتحاد الأوروبي أردوغان في الأزمة السورية ولن يساعده في إنشاء منطقة آمنة.

ثانيا، قد يتوصل الاتحاد الأوروبي وتركيا إلى اتفاقية جديدة بشأن اللاجئين. ذلك لأن الاتحاد طالب تركيا بالالتزام بالاتفاقية الحالية خلال اجتماع عقد هذا الأسبوع في بروكسل، إلا أن أردوغان رفض ذلك طالبًا المزيد من المال، مما يدل على أن  أيًّا من الطرفين لم يحصل على ما توقعه.

سوف يجتمع أردوغان قريباً مع نظيرته الألمانية أنجيلا ميركل والفرنسي إيمانويل ماكرون في إسطنبول، من أجل التفاوض والمساومة على شروط اتفاقية جديدة أو الإبقاء على اتفاقية "إعادة قبول المهاجرين" الحالية، مقابل دفع مزيد من المال إلى تركيا. وفي هذه الحالة، سيتعين على أردوغان نقل اللاجئين الذين أحضرهم إلى الحدود إلى مخيماتهم أو مواقعهم في مختلف المدن.

ثالثًا، بسبب رد فعل الجمهور الداخلي الأوروبي واعتراض الأحزاب والحركات اليمينية العنصرية الصاعدة، لن تستطيع أوروبا، خاصة ألمانيا، قبول اللاجئين السوريين كما رحبت بهم في عام 2015. لكن إذا اضطرت ألمانيا إلى ذلك رغم كل شيء، فإنها ستبحث الحل في توجيه اللاجئين إلى ولاياتها التي أعلنت استعدادها لاستقبالهم، لتحافظ بهذه الطريقة على صورتها المتمثلة في أنها لا تزال دولة محتضنة للاجئين، وملتزمة بالقيم والمبادئ الأوروبية من جانب؛ وتتمكن من إسكات المنزعجين من المهاجرين واللاجئين قائلة: "هذا قرار الولايات نفسها" من جانب آخر.

أوروبا لن تتخذ خطوات من شأنها إنهاء الحرب الأهلية السورية بصورة سلمية، ولن تقدم حلولا مستديمة للمشاكل العميقة القائمة، بل ستستمر في النظر إلى تركيا كمخفر حدودي يمنع توجه اللاجئين إلى أراضيها.   

على الرغم من أن انتهاكات الحقوق الناجمة من الموقف والأوروبي تجاه ملفّ اللاجئين ستهزّ المبادئ الأوروبية المتعلقة بـ"دولة القانون" و"القيم الإنسانية" لدى الجمهور الأوروبي، إلا أن ذلك لن يغير شيئًا من السياسة الأوروبية العامة حول اللاجئين.

هذه المبادرات لن تسمن أردوغان ولن تغني من جوعه، ولن تكلّف دول الاتحاد الأوروبي كثيرًا، لكنها ستؤدي إلى تآكل القيم الإنسانية المشتركة وحصد حياة عشرات الآلاف من الأبرياء.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/erdogan/insanlik-erdoganin-elinde-esir
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.