الانشقاقات تنهك حزب العدالة والتنمية الحاكم

مع تحول الصراعات داخل حزب العدالة والتنمية في تركيا إلى مرحلة كارثية هذا الخريف، يجدٌّ المعلقون في البحث عن مؤشرات على المدى الذي يمكن أن تصل إليه الخلافات في الحزب الحاكم.

وحتى الآن، تسببت الانشقاقات في حركتي خروج سياسي يقودهما وزير الخارجية السابق أحمد داود أوغلو ونائب رئيس الوزراء السابق علي باباجان. مشهد يهدد بخسارة الحزب الحاكم للدعم الذي يحصل عليه في دوائر الإسلاميين، والأكثر من ذلك العلمانيين.

السؤال الآن هو إلى أي مدى يمكن أن تصل الحركتان الجديدتان في إطلاق تمرد في صفوف نواب البرلمان المنتمين لحزب العدالة والتنمية بطريقة تهدد التحالف الحاكم الذي يملك أغلبية 41 مقعدا في البرلمان.

مراسل "أحوال تركية" في أنقرة، ذو الفقار دوغان، أفاد هذا الأسبوع بأن عشرة من النواب البرلمانيين المنتمين لحزب العدالة والتنمية قد تعهدوا بدعم حركة داود أوغلو، بينما استقال عدد من الحلفاء البارزين من الحزب في الثالث عشر من سبتمبر الجاري قبل أن يتم استبعادهم.

وقال دوغان إن النواب كانوا يخططون لتحركهم هذا من تلقاء أنفسهم قبل الاستقالة من الحزب.

وأورد دوغان معلومة أخرى تقول إن النواب المنشقين عن حزب العدالة والتنمية سيصوتون ضد أردوغان على تعديلات قانونية مهمة.

وسيتسبب هذا الانشقاق على الأرجح في غضب من النهج الحالي الذي تمضي فيه الحكومة، فالسبب فيه في النهاية هو صراعات قوى داخلية أسفرت عن إحلال موالين لأردوغان محل رموز الحزب.

ونقل رئيس تحرير "أحوال تركية"، ياوز بيدر هذا الأسبوع عن مصدر أوروبي القول إن الدولة التركية أصابها الجمود التام بسبب "التابعين والفاشلين" الذين اختيروا على أساس الولاء التام والمطلق لأردوغان.

وقال المصدر "ومن أجل القيام بعمل جيد، يقف الجميع في انتظار اليوم الذي يرحل فيه. لقد اختاروا البقاء في الخنادق. الثقة تبخرت. وإلى أن يأتي هذا اليوم، أخشى أننا سنرى سقوطا حرا."

يمثل خروج أكثر من مليون من أعضاء حزب العدالة والتنمية منذ العام الماضي مؤشرا واضحا على مستوى السخط في أروقة الحزب.

لكن هناك فارقا كبيرا بين من يهمسون في حديثهم عن الانشقاق ومن يخاطرون بالجهر بآرائهم.

ومن المستحيل معرفة ما إن كانت هذه الهمسات ستتحول إلى تحدٍ حقيقي لحزب العدالة والتنمية. ولن يتسنى هذا إلى أن يلقي نواب البرلمان بأوراقهم على الطاولة.

ولحين وصولنا إلى هذه النقطة، يبدو من المؤكد أن التكهنات سوف تذكيها تقارير جديدة عن أكثر التصدعات وضوحا في بنية الحزب الحاكم، وهي المتمثلة في الأنشطة التي يقوم بها ما يمكن أن نطلق عليها زمرة "البجع الطائر."

ولعل "عصابة البجع" ظاهرة يصعب الوقوف على معالمها، لكن من المقبول به بشكل عام أنها تتمتع بتأثير هائل في حزب العدالة والتنمية.

ومن مقرها في منزل يطل على مضيق البوسفور في إسطنبول، يعتقد أن هذه المجموعة تستخدم أعمدة في وسائل إعلام واسعة الانتشار ومقابلات في منصات تلفزيونية وكذا وسائط التواصل الاجتماعي لتمهيد الأرض للسياسة واستهداف الخصوم داخل صفوف حزب العدالة والتنمية وخارجه.

كانت هذه الأساليب التي استخدمتها المجموعة حين أصدرت "ملف البجع" هو السبب في إطلاق هذه التسمية عليها في عام 2016. وفي ذلك الملف، ذُكرت خلافات بين داود أوغلو الذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب وزير الخارجية، وأردوغان.

وأجبر داود أوغلو على الاستقالة من المنصب على وقع خلافات.

وفي ذلك الوقت، مثلما هو الحال الآن، بدأت الخلافات تظهر داخل الحزب الحاكم.

لكن حينها، سُحق كل تحدٍ تعرض له أردوغان داخل صفوف الحزب حين وقعت محاولة الانقلاب الفاشلة على حكمه في يوليو عام 2016، وهي المحاولة التي تسببت في عامين من فرض حالة الطوارئ وانتهت بنظام حكم جديد يضع سلطات هائلة في يد الرئيس.

والآن، زاد نفوذ زمرة البجع أكثر من ذي قبل. ويعتبر البعض المجموعة مسؤولة عن الحملة الانتخابية المثيرة للخلافات لحزب العدالة والتنمية هذا العام، بينما يتهم الحزب الحاكم قادة المعارضة بالاصطفاف مع إرهابيين، وبالضغط من أجل إعادة الانتخابات على منصب رئيس بلدية إسطنبول.

وبسبب الهزيمة المذلة التي تعرض لها حزب العدالة والتنمية في جولة الإعادة من انتخابات بلدية إسطنبول في يونيو الماضي، ذهب البعض للاعتقاد بأن أردوغان سينأى بنفسه عن هذه المجموعة، إلى أن زار الرئيس شخصيا مقر هذه المجموعة خلال انعقاد منتدى مركز جلوبال بوسفور في أغسطس الماضي.

ومنذ ذلك الوقت، تستمر المجموعة في أنشطتها دون تغيير. فهذا الأسبوع، استهدف ديليك جونجور الصحفي بصحيفة صباح وزير العدل عبد الحميد غول المعين من قبل أردوغان، في عمود أشار فيه إلى احتمال أن يكون أعضاء حركة غولن، وهي جماعة دينية تتهمها الدولة بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، لا تزال نشطة في الدوائر القضائية التي يشرف عليها الوزير غول.

وفي بلد تسببت فيه أي صلات مهما صغرت بهذه الجماعة في عزل موظفين من أعمالهم، فإن التلميح إلى أن وزيرا يسمح لأنصار غولن بمواصلة العمل في الدوائر القضائية يشير إلى استنتاج بالغ الخطورة.

ورد غول بالقول إن من يتهمونه بذلك هو من يستخدمون أساليب حركة غولن، وسارعت حسابات تابعة لحزب العدالة والتنمية على منصات التواصل الاجتماعي لشن حملة دعم للوزير.

وحين هدد وزير العدل هذا الأسبوع باتخاذ إجراء قانوني ضد رجل أعمال قال إنه قريب من زمرة البجع، أفادت صحف تركية بأن هذا ليس سوى محاولة انتقامية من الوزير.

وقال الصحفي الاستقصائي والبرلماني المعارض أحمد شيك إن هذا الخلاف لهو دليل على تصاعد الاقتتال الداخلي في صفوف الحزب الحاكم بصورة قد تتسبب في تشتته.

وستأمل المعارضة في أن يُترجم هذا إلى تراجع مهم في الدعم الذي يتمتع به الحزب الحاكم من أجل إسقاطه بعد نحو عشرين عاما من البقاء في السلطة. لكن استطلاعات الرأي في هذا الخصوص لا تزال غير حاسمة.

فلقد عزز استطلاع رأي أجرته مؤسسة أفراسيا في سبتمبر الجاري آمال المعارضة بعد أن كشف أن حزب الشعب الجمهوري، وهو حزب المعارضة الرئيسي في البلاد، يقف في صدارة المرشحين للوصول للحكم.

لكن هذا قد لا يكون سوى نتيجة تقوم على أهواء.

فلدينا استطلاع آخر أجرته شركة (إيه.دي.إيه) يظهر كتلة حزب العدالة والتنمية الحاكم باعتبارها أهم المرشحين لتشكيل حكومة إذا أجريت انتخابات هذا الشهر.

وكان هذا أول استطلاع رأي يشمل احتمال دعم أي حزب جديد يشكله باباجان أو داود أوغلو بتشكيله.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/justice-and-development-party/dissent-turkeys-ruling-akp-grows-clique-targets-justice-minister
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.