الإنتاج العسكري نقطة انطلاق لطموحات أردوغان الإقليمية رغم التحديات

أنقرة – يعتبر الترويج لإنتاج الأسلحة محلية الصنع إحدى سمات حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان وذلك بناء على فكرة أن تركيا بحاجة إلى قوة ردع عسكري أقوى لتكون قوة إقليمية، حيث يرى البعض أن أنقرة لم يعد بإمكانها الوثوق بالحلفاء الغربيين التقليديين في ما يتعلق بإمدادات الأسلحة التقليدية.

وحرصا على إظهار نفسها كقوة عسكرية، سعت تركيا إلى تعزيز قدراتها في مجال تطوير الأسلحة لتحقيق الاكتفاء الذاتي والاستفادة من فرص التصدير لضمان الاستدامة. وتبدو العمليات الترويجية بين الفينة والأخرى دليلا على ذلك، وفي آخر حلقة في هذا السياق هو تقديمها للمدرعة القتالية “تولبار” بعد الانتهاء من تطويرها ضمن مشروعات الصناعات الدفاعية المحلية.

ومع ذلك، يرى فرحات غوريني الباحث في الشؤون التركية لدى مؤسسة كارنيغي، أن اهتمام تركيا بالصناعات الدفاعية رغم الظروف غير المواتية نابع من عاملين رئيسيين؛ الأول تشتيت الأنظار عن الأزمة الاقتصادية الداخلية، وأما العامل الثاني فيتعلق بالسياسة الخارجية التركية المضطربة على أكثر من صعيد.

ولكن في خضم ذلك، إلى أي مدى يمكن أن تستمر تركيا في الإنفاق على الصناعات العسكرية، في ظل التحذيرات المتواترة من المؤسسات المالية الدولية من وضعية الاقتصاد الكلي قد تزيد من الضغط على الحكومة بشكل أكبر مع سعيها إلى تمويل برامجها الدفاعية؟ وإلى أي مدى يمكن أن تستغني عن شراكاتها مع أعضاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) حتى تعتمد على نفسها، وخاصة في ما يتعلق بالتكنولوجيا باهظة التكلفة؟

قد يبدو أن الصناعة الدفاعية الناشئة في تركيا تقطع أشواطا نحو الأمام، ولكنها تواجه مجموعة من المشكلات التي قد تؤدّي إلى إبطاء تطورها على المدى الطويل رغم أنها شهدت خلال العقد الماضي نوعا من الازدهار حيث كانت لديها في عام 2010 شركة واحدة على قائمة مئة شركة للإنتاج العسكري واليوم تمتلك 7 شركات، وفق ما ذكره موقع “ديفنس نيوز” في تقرير قبل أسابيع.

وعند تحليل الأرقام يمكن ملاحظة مدى تراجع حصة تركيا من واردات الأسلحة بنسبة 48 في المئة من عام 2015 إلى غاية نهاية العام الماضي، فبعدما كانت البلاد تستورد 70 في المئة من معدّاتها العسكرية، انخفضت هذه النسبة إلى 30 في المئة. وهذا يعطي لمحة ظاهرية فقط عن جدوى السياسة التركية المتبعة في هذا المجال.

وما يزيد من ترسيخ تلك النظرة لدى المتابعين، هو ارتفاع حجم الصناعة العسكرية بنحو تسعة مليارات دولار منذ تولي حزب العدالة والتنمية السلطة في عام 2002، حيث بلغت في النصف الأول من العام الحالي 11 مليار دولار.

وخلال السنوات الماضية، استثمرت تركيا قرابة ستين مليار دولار في المشاريع الدفاعية، ونظرا إلى التشنجات اليونانية-التركية على خلفية الحقوق في مجال الطاقة في شرق المتوسط، أسست أنقرة فرقة بحرية لمضاهاة سلاح البحرية اليونانية.

وبالإضافة إلى ذلك، تعتبر تركيا اليوم ضمن 12 دولة في العالم تقوم بتصنيع المسيرات، والتي ظهرت في نزاع إقليم ناغورني قره باغ، ما يُضيف، وفق غوريني، بعدا آخر إلى قدرتها العسكرية في المنطقة.

ويتفق المحللون على أن تقنيات الطائرات دون طيار وبناء السفن والإلكترونيات العسكرية والمركبات المدرعة تتقدم بشكل كبير في تركيا، حيث وجدت عملاء أجانب لهذه الأنظمة بسبب المعايير التكنولوجية العالية والأسعار التنافسية.

وتجد التقنيات التي أثبتت كفاءتها مكانتها في أسواق التصدير بسهولة، وخاصة في البلدان التي تتمتع بعلاقات سياسية ودية مع تركيا وتعد قطر حليف تركيا الإقليمي من الأسواق المربحة والأكثر أهمية، بالإضافة إلى بعض دول شمال أفريقيا وأذربيجان وباكستان وجمهوريات آسيا الوسطى والدول الإسلامية في جنوب شرق آسيا مثل إندونيسيا وماليزيا.

استثمرت تركيا قرابة ستين مليار دولار في المشاريع الدفاعية
استثمرت تركيا قرابة ستين مليار دولار في المشاريع الدفاعية

ويقول غوريني إن التغطية الإعلامية الموالية للحكومة تبين أن رغبة أردوغان في توسيع صناعة السلاح المحلية وتطويرها تحوّلت إلى مشروع شخصي، فقد أصدر مرسوما في يوليو 2018 وضع بموجبه الأمانة الفرعية لصناعات الدفاع تحت السيطرة المباشرة للرئاسة وغيّر اسمها ليصبح “رئاسة الصناعات الدفاعية” وهذا الطموح السياسي على الأرجح هو المحرّك الأكبر خلف الصناعة الدفاعية المتنامية في تركيا.

وقد يبدو من كل مما سبق وكأن الصناعة الدفاعية التركية تحوّلت إلى قطاع نافذ في مجال التصدير، حيث بلغت قيمة صادراتها 2.2 مليار دولار بنهاية 2018، وهو ما يجعل تركيا في المرتبة الرابعة عشرة بين البلدان المصدِّرة للسلاح في العالم.

ولكن، مثلما هو الحال في المشاريع الضخمة الأخرى، التي أعلنت عنها الحكومة، على غرار قناة إسطنبول وجسر السلطان سليم ومطار إسطنبول الجديد ومسجد تشامليجا، تقوم الصناعة الدفاعية المحلية على نشر صورة من النفوذ لدى المواطنين الأتراك والدليل على ذلك التحديات التي تواجهها الطفرة المستمرة في القطاع.

ولقد عمدت الإدارة الأميركية، على سبيل المثال، إلى تجميد الترخيص، الذي يجيز تصدير محرك عمود الدوران التربيني سي.تي.أس-800 أي المصنَّع جزئيا في الولايات المتحدة إلى تركيا في خضم التشنجات الدبلوماسية بين العضوين في حلف الناتو.

وبالمثل، تعتمد طائرة “أقنجي” المسيّرة التركية، التي ستؤدي دورا أساسيا في الحفاظ على القدرة التشغيلية لسلاح الجو، على محرّكات مروحية توربينية أوكرانية من نوع أي.آي-450 ولكن كييف تبدي ترددا في تبادل التكنولوجيا العسكرية مع تركيا، بسبب المخاوف العامة بشأن حقوق الملكية التكنولوجية والفكرية.

تُظهر البيانات الصادرة حديثا أن قطاع الصناعة العسكرية يكافح لتقليل اعتماده الكبير على المدخلات الأجنبية وتوسيع العملاء الأجانب، على الرغم من الاستثمارات المتزايدة في تطوير التكنولوجيا الفائقة.

ومع أن تركيا تريد استخدام صناعة الأسلحة الداخلية المتنامية للتحرر من حلفائها التقليديين، لا تزال هذه الصناعة تعتمد إلى حد كبير على هذه الشراكات وهذا الاعتماد لا يقتصر فقط على قطاع إنتاج المحرّكات.

ويشير المحلل غوريني المقيم في لندن إلى أن إطلاق عملية نبع السلام، حين اجتاحت تركيا مناطق خاضعة لسيطرة الأكراد في شمال سوريا، دفع بمجموعة من البلدان الأوروبية إلى فرض حظر على قطاعات أولية ومتكاملة عموديا متعلقة بصناعة الدفاع التركية.

وقد تكبّدت هذه الصناعة خسائر في الإنتاج بلغت قرابة المليار دولار بسبب الحظر، الذي استمر لنحو شهرين، وهذه كلفة مرتفعة بالنسبة إلى صناعة لا تتعدّى إيراداتها 11 مليار دولار سنويا.

وتُعول الصناعة الدفاعية التركية في جزء كبير منها على التكنولوجيا العسكرية الغربية دون أن يقتصر ذلك الأمر على المحرّكات فقط، غير أن أنقرة تتردد في الإقرار بهذا الواقع وعلى سبيل المثال، ترتكز مكونات السفينة الحربية البرمائية تي.سي.جي أناضول، على السفينة الإسبانية خوان كارلوس الأول.

وليس ذلك فحسب، فثمة عدد من السفن البحرية الحديثة التركية، بما في ذلك فرقاطة بربروس وفرقاطة يافوز والسفينة الهجومية السريعة كيليتش، تم تصميمها في ألمانيا.

وتعتمد تركيا، في محاولتها صنع طائرة نفاثة مقاتلة محلية الإنتاج، على شركة بريطانية خفضت من مستوى التعاون مع الأتراك، كما تحصل تركيا على المساعدة من شركة كورية جنوبية في الجوانب التقنية المتعلقة بتصنيع الدبابة الحربية “ألتاي”. ومن الواضح أن قطاع الأبحاث والتنمية في تركيا ليس على قدر كاف من التطور لتنفيذ المشاريع الأساسية.

وبغض النظر عن ذلك توحي بعض المؤشرات التي بدأت تظهر منذ نحو عامين في أن نطاق ظاهرة هجرة كبار المتعاقدين الدفاعيين قد تتسع، فهناك الكثير ممن يعملون في هذا المجال يلمحون إلى أن أجواء الخوف السائدة على المستوى السياسي هي من الأسباب التي تدفعهم إلى الخروج من البلاد.

وكان أكثر من 270 متعاقدا من كبار العاملين في المجال الدفاعي بتركيا قد غادروا البلاد في 2018 بعد حصولهم على عروض في الخارج أو سعيا نحو فرص أفضل، ومن الوجهات الأساسية كانت ألمانيا والولايات المتحدة.