الانتحار بات وسيلة الأتراك لدفع ديونهم

لقد انتشرت أخبار الانتحار بكثرة في الأيام الأخيرة. أولاً وصلَنَا خبر انتحار أربعة أشقاء يعيشون بالمنزل نفسه في حي "الفاتح" بمدينة إسطنبول. ثم انتحر في اليوم نفسه شخص عن طريق القفز من الطابق السابع لقصر عدل "جاغلايان" في إسطنبول. بعد ذلك جاءت أخبارُ انتحار أسرة مكونة من أربعة أشخاص في أنطاليا، تبع ذلك نبأ محاولة شخص الانتحار أيضًا من خلال القفز من الجسر.

ولا بد أن نعلم أن هذه وقائع الانتحار التي كشفت عنها وسائل الإعلام، لكن هناك كثير من حالات الانتحار التي لم يرِدْ ذكرها في وسائل الإعلام. 

وإن كانت مادة السيانيد السامة هي المسؤولة الظاهرية عن القتل في حالات الانتحار الجماعي في إسطنبول وأنطاليا، إلا أن الملاحظات التي تركها المنتحرون وراءهم تكشف أن الأسباب الاقتصادية هي التي دفعتهم إلى الانتحار. فقد كانت الرسالة التي تركوها وراءهم تدل على أن محاولات العيش عن طريق المديونيات وجهود البحث البائسة عن العمل انتهت بالانتحار. 

الأمر المثير للغرابة هو أن ردود الفعل على هذه الأحداث المريرة انقسمت إلى قسمين بصفة عامة كما في المناقشات الاجتماعية والسياسية السابقة.

الحقيقة التي ظهرت بعد أحداث الانتحار هي أن العائلات أقدمت على هذه الخطوة لأسباب اقتصادية. على الرغم من هذه الحقيقة، إلا أن وسائل الإعلام القريبة من نظام أردوغان تبحث عن نظريات مؤامرة مختلفة وراء تلك الأحداث، وتسعى إلى سرد أدلة لتثبت أن أسباب الانتحارات ليست اقتصادية، مستندة في ذلك إما إلى كتاب عثر عليه في المنزل أو ماركة ي شيرت يرتديه الوالد. بل هناك من يذهب إلى أبعد من ذلك فيلمّح إلى أن هدف هذه الانتحارات هو خلق ردود فعل اجتماعية ضد الحكومة.

من ناحية أخرى، يسعى قسم من وسائل الإعلام الموالية للسلطة أيضًا إلى إضفاء صفة "الأمر الطبيعي" أو "الأمر المتوقع" على الحادثة من خلال إبراز ضعف الشبكات الاجتماعية، وقلة التضامن الاجتماعي، وهشاشة  الهياكل الأسرية، وشيوع المشاكل النفسية وما إلى ذلك من أمراض العصر والحداثة، ومن ثم تدعي أن حالات الانتحار هي نتيجة "طبيعية" لهذه الأمور.

باختصار، نرى مرة أخرى أن همّ وسائل الإعلام القريبة من السلطة السياسية ليس محاولة "فهم ما وقع"، بل منصبّ على شرح و"توضيح ما وقع"، لإخفاء السبب الحقيقي. الحقيقة التي يتم نسيانها دائمًا أن "الشرح" أو التوضيح" لا يشكّل لوحده العنصر الكامل لعملية "الفهم". بل ليست عملية الشرح والتوضيح إلا طريق سهل يلجأ إليه الهاربون الراغبون عن فهم الواقع ومواجهة الحقيقة، وذلك رغم أن محاولة الفهم هي الخطوة الأولى نحو مواجهة الحقيقة وحلّ المشكلة.

إن الأسباب الاقتصادية هي التي وراء معظم حالات الانتحار في بلدنا، بما في ذلك حالات الانتحار الأخيرة في إسطنبول وأنطاليا. صحيح أن الصدمات الاجتماعية والنفسية، مثل العنف الأسري والغيرة والجنون، تؤدي إلى الانتحار أيضًا، إلا أن أسباب الانتحار في الغالب اقتصادية، كما هو الحال في الأحداث الأخيرة. 

مع أن السلطة السياسية بقيادة أردوغان ووسائل الإعلام المقربة منها تزعم دائمًا أن الاقتصاد التركي يسطر ملاحم، وأن التضخم آخذ في الانخفاض، إلا أن الواقع الاقتصادي الذي يعيشه المواطنون مختلف للغاية. زد على ذلك فإن هذه الحقيقة تؤيدها المعطيات الرسمية الخاصة بنسب الزيادات المفروضة على الضرائب.

المواطنون يعرفون أن التضخم ليس 8.55 في المئة، كما تزعم الحكومة، ذلك لأنهم يواجهون بالفعل ويتجرعون تداعيات التضخم في حياتهم اليومية. من جانب آخر تستمر أرقام البطالة في الزيادة كل شهر، لا سيما البطالة بلغت بين الشباب أكثر من 30 في المئة. وواحد من بين كل ثلاثة أشخاص في تركيا متعثر في دفع ديونه. فقد تجاوز عدد ملفات الحجز والإفلاس 20 مليون في نهاية عام 2018 بعدما كانت 8 ملايين في عام 2002. 

وباختصار، تشير جميع المؤشرات الاقتصادية إلى أن وضع الاقتصاد ليس جيدًا في تركيا. وهذا يؤثر بشكل مباشر على حياة الناس اليومية، كما لاحظنا ذلك في الرسائل التي تركها المنتحرون. 

من ناحية أخرى، لنفترض أن البنية الاجتماعية المتغيرة في تركيا هي السبب الذي يقف وراء وقائع الانتحار، لكن هناك مسؤوليات تقع على عاتق الدولة والإدارات المحلية تجاه مواطنيها، علمًا أن الدستور ما زال ينصّ على أن تركيا "دولة اجتماعية". 

هروب الدولة والإدارات المحلية من مسؤولياتها في هذا المضمار أو وضع السلطة السياسية الحاكمة مسافة بينها وبين المواطنين غير المؤيدين لها يمثل مشكلة أخرى. يجب على الدولة توفير المساعدات الاجتماعية، مثل معونة الحد الأدنى للعيش الكريم، لجميع المحتاجين من دون تفريق بين المؤيدين والمعارضين، كما يطبّق في كثير من دول العالم. ولا شكّ أن تطبيق هذه المساعدات يعتمد في النهاية على وجود موارد مخصصة لهذا الأمر، لكن الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد لا تسمح بتنفيذ هذه المساعدات في الوقت الراهن.

الحقيقة التي ظهرت أمامنا مرة أخرى بعد وقائع الانتحار الأخيرة هي أن وسائل الإعلام المحسوبة على الحكومة ترى كل حادثة سلبية تقع في البلاد جزءًا من مؤامرة تستهدف نظام أردوغان. ولا ريب أن هذه النظرة تتضمن إشكالية كبيرة تفصم أصحابها من الواقعية وتحرمها من رؤية الحقائق. فضلاً عن أن هذا يمنعنا أيضًا من مناقشة ومعالجة أي قضية بنظرة موضوعية. 

حتى لو افترضنا صحة الأطروحة القائلة بأن السبب الذي دفع هؤلاء المواطنين إلى الانتحار هو المشاكل النفسية فقط فإن الطريق المناسب لمناقشة هذا الموضوع وكشف الغطاء عن حقيقة الأمر منوط بـ"فهم ما وقع" بشكل صحيح أيضًا. 

كل موقفٍ يمنح السلطة السياسية - أو أحزاب المعارضة - "الحصانة" وإجراءاتها "الشرعية" مهما كانت ينطوي على إشكالية، حيث إن هذه المقاربة كما أنها تحول دون فهم الواقع، كذلك تعوق رؤية أحداث أفظع قد تحدث في المستقبل. 

الحقيقة هي أنهم انتحروا.. دفعوا ديونهم بالانتحار.. ماتوا قبل أن يحصلوا على عمل.. وهذا عار علينا أيما عار.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/guncel/olerek-borc-odemek-ya-da-bulmak
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.