هيرقل ميلس
مايو 22 2019

الانتخابات التركية والتراث التاريخي

تمر تركيا بفترة انتقالية مشوبة بالتوتر الشديد، والوضع فيها غير طبيعي على الإطلاق، وبالتالي من المستبعد أن يدوم طويلا. غير أنه من الصعب توقع التطورات القادمة، وذلك المستقبل الذي لا يمكن التنبؤ به هو أحد أسباب التوترات.

إن المجتمعات التي يمكنها أن تتنبأ بالمستقبل بفضل مؤسساتها المستقرة المنظمة التي تعمل بصورة طبيعية تكون أكثر سعادة وارتياحا بصفة عامة. ذلك أن الناس في تلك المجتمعات يمكنها تصور الغد واتخاذ قراراتهم وفقا لذلك.

أما مستقبل تركيا فتكتنفه الضبابية الشديدة. البعض ينتظر استمرار حكم الرجل الواحد إلى الأبد، والبعض يتوقع قدوم المنقذ ولكن لا يدرون من أن سيأتي، في حين لا يزال آخرون يأملون بحدوث معجزة. وأولئك هم المتفائلون. أما المتشائمون فهم على يقين بأن تركيا لا تستطيع الصمود أمام هذه الأزمة، أو أن قوى الشر ستقسم البلاد، أو أن حربا أهلية ستندلع.

يتحدث المتشائمون في تركيا عن التراث التاريخي السلبي للبلاد، مشيرين إلى مجتمع لم يترسخ فيه تقليد الديمقراطية بقوة، ولا يمكن فيه للمؤسسات العامة أن تؤدي وظيفتها المعتادة في ظل تلاعب من يتولون السلطة فيها، ويقدم فيه الناس فروض الولاء لقادتهم من نابع الخوف أو الاحترام أو بعض النزعات التقليدية الأخرى مثل النزعة القومية.

مثل هذه البيئة يمكن أن تؤدي إلى التأليه. وقد يكون الشخص المؤله زعيما دينيا أو عرقيا أو علمانيا. وهذا الشخص - رجلا كان أو امرأة - لا يحتاج في الواقع لأن يكون حتى على قيد الحياة. فالولاء لهذا النوع من الشخصيات المؤلهة مثل أتاتورك يمكن أيضا أن يقوض الديمقراطية، حيث أن آراء ورغبات هذا الفرد الحقيقية أو المتصورة يمكن فرضها على الآخرين باعتبارها خارطة طريق أو رؤية. كما يتلاشى التفكير الناقد ويُنظر إلى الآراء المعارضة على أنها ضرب من الخيانة أو الجهل أو كليهما.

غير أن التشاؤم لا يظهر بسبب توجهات خاطئة أو نوازع نفسية. تركيا في منطقة نادرا ما تؤتي فيها الديمقراطية ثمارها، كما أنها لم تمر بأي تجربة حقيقية من تجارب النهضة أو التنوير أو الثورة الصناعية، ولكن بدلا من ذلك طبقت نسخا معيبة منها.

ومع ذلك، يملك المتفائلون حجة مضادة تستند أيضا إلى حقائق. صحيح أن التراث التاريخي للبلاد له أهميته، لكن التراث ليس مصيرا والتاريخ ليس بالطبيعة، بل أشبه بالعيب الخلقي الذي يمكن بمرور الوقت تعديله أو معالجته.

عادة ما يكون هناك توازن بين التراث والاحتياجات اليومية. فحين تقل التوترات الاجتماعية، يتصدر التراث المشهد. أما في أوقات الأزمة، يبحث الناس عن سبل جديدة، ويدخل التاريخ في دائرة التساؤلات. وهذا المقال، على سبيل المثال، هو جهد من الجهود الرامية للتساؤل بخصوص التراث التركي وإيجاد الحل.

إن الأزمات السياسية والاقتصادية والقانونية التي تشهدها تركيا جعلت الكثيرين يتشككون في قيمهم. ففجأة، بدا تراثنا غير كاف. وفي ظل عدم تلبية الاحتياجات اليومية، فمن الطبيعي أن يقع التراث في أزمة ويفقد مصداقيته. ومع بدء تشكك الناس في التراث، الذي كان يبدو كافيا وافيا حتى الأمس، يمكن تدشين مبادرات جديدة لتشكيل تراث جديد.

في الواقع، عادة ما تخلق مجريات الحياة تراثا جديدا. وعلى الرغم من أن نتائج أي انتخابات ربما لا تغير مسار الأحداث، إلا أن التغيرات التي تطرأ على التصورات ستؤثر حتما على نتائج الانتخابات في المستقبل. إن القيمة السامية لانتخابات اليوم لا تقتصر على نتائجها فحسب، بل كذلك الحوارات والنقاشات التي تثيرها، والتي لا تقدر بثمن على صعيد التنمية المجتمعية. 

إن الانتخابات في الحقيقة ليست مجرد نتائج. وحتى حقيقة أن الانتخابات التركية ليست حرة ونزيهة بالكامل ربما تكون لها مزاياها أيضا، حيث أن الانتخابات تظهر هذه العيوب وتجعلها واضحة أمام أعين للجميع. ومن هذا المنظور، كلما زادت الانتخابات في البلاد زادت استفادة الشعوب بغض النظر عن نتائجها.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-politics/turkeys-elections-and-historical-baggage
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.