الاقتصاد الأردوغاني تحت المجهر مع انحدار الليرة

يؤكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن أسعار الفائدة المرتفعة تضخمية، وهي وجهة نظر تتعارض مع المنطق الاقتصادي. وقد يكون إصرار أردوغان على هذا، وهو مفهوم نسب إليه منتقدوه مصطلح "أردوغانوميكس"، على وشك بلوغ نهايته مع انحدار الليرة إلى مستوى قياسي أمام الدولار.

خفض البنك المركزي في البلاد تكاليف الاقتراض إلى ما دون معدل التضخم خلال سنة لتتناسب مع نظرية أردوغان الاقتصادية غير التقليدية ولدعم النمو. وانخفض سعر الفائدة القياسي إلى 8.25 بالمئة من 24 بالمئة في يوليو العام الماضي. وبلغ معدل التضخم 11.8 بالمئة.

يقول المستثمرون أن خضوع البنك المركزي لمنطق أردوغان المشكوك في سلامته هو الذي لطّخ سمعته، ويهدد بدفع البلاد إلى أزمة عملة مثل تلك التي شهدتها في 2018 حين أوصلت الاقتصاد إلى حالة من الفوضى. وتتعارض سياسات أردوغان مع النظرية الاقتصادية التقليدية التي تنص على أنه يمكن استخدام الفائدة كأداة للسيطرة على التضخم بشكل عكسي.

وسجلت الليرة أدنى مستوى قياسي بلغ 7.3677 مقابل الدولار بعد ظهر الجمعة في إسطنبول، لتصل خسائر السنة إلى حوالي 20 في المائة.

دفع البنك المركزي التركي ثمن الخضوع لأوامر أردوغان. وأنفق محافظه، مراد أويسال، الذي عُيّن بعد أن أقال أردوغان سلفه لفشله في خفض أسعار الفائدة، عشرات المليارات من الدولارات من احتياطيات النقد الأجنبي في البنك لانقاذ الليرة، تاركا صافي الاحتياطيات في المنطقة السلبية. وهو اليوم في موقف لا يُحسد عليه. فإما أن يسير على الطريق الذي رسمه الرئيس التركي أو أن يحاول اصلاح ما تبقى من الاقتصاد، ويمكن أن يكلفه هذا وظيفته.

شرع مراد جتين كايا، الذي كان يتولى المنصب، في خطّة رفع أسعار الفائدة بين مايو وسبتمبر، مما رفع سعرها القياسي من 8 إلى 24 في المائة. ثم أدت إجراءات التحفيز الحكومية إلى دفع التضخم إلى أعلى مستوياته في 14 عاما في يونيو 2019، قبل إغراق البلاد في أزمة عملة بعد شهرين.

قال إريك مييرسون ، كبير الاقتصاديين في البنك السويدي هاندلزبانكن، إن زيادة أسعار الفائدة لن تؤدي إلى تغيير نهج أردوغان تجاه الاقتصاد.

ونشر على تويتر: "في هذه المرحلة، لن أفاجأ إذا شهدنا ارتفاعا آخر، ولا نتوقع تغييرا في إطار العمل. لكن أي ارتفاع سيتطلب أن يسقط شخص ما عن سلّمه الوظيفي".

تمسك أويسال حتى الآن بنهج أردوغان. وفي الشهر الماضي، بدأ استغلال الدولارات واليوروهات التي يحتفظ بها الأتراك في حسابات ودائعهم لتعزيز الوضع الاقتصادي، ودعا على أن يودع المقرضون بعضا منها في البنك المركزي كاحتياطيات. في غضون ذلك، عمل على ايقاف تراجع الليرة عن 6.85 مقابل الدولار، وهو مستوى ظلت العملة عليه لأسابيع قبل أن تعود إلى الانخفاض في الأسبوع الماضي.

ساعدت سياسة سعر الفائدة المنخفض أردوغان على الوصول إلى طفرة في الاقتراض وتعزيز دعمه السياسي في الوقت الذي بدأ فيه الاقتصاد يتحرّك بعد أن خنقته الأزمة الصحيّة العالمية.

وبدلا من رفع أسعار الفائدة، أوقف أويسال سلسلة خفض أسعار الفائدة في البنك المركزي في مايو بسبب الضغوط التضخمية.

وفي الشهر الماضي، قال إن وضع البنك المركزي النقدي ظل مناسبا لخفض تضخم أسعار المستهلكين إلى ما قد يصل إلى 8.9 في المائة بنهاية السنة الحالية. وقد مكّن هذا النهج البنوك التي تديرها الدولة، والتي يسيطر عليها أردوغان بصفته رئيس مجلس إدارة صندوق الثروة السيادي التركي، من تمديد فترة الإقراض.

لذلك، اتسع عجز الحساب الجاري لتركيا، مما أدى إلى اخلال التوازن الاقتصادي. كما تجاوزت الواردات الصادرات حيث استغل المستهلكون والشركات الأموال المقترضة من البنوك لشراء السلع والمواد الخام من الخارج.

تحاول السلطات التركية التعامل مع عجز الحساب الجاري بمساعدة الاستثمار الداخلي وعائدات السياحة التي كانت قد قفزت إلى مستوى قياسي بلغ 34.5 مليار دولار في عام 2019.

لكن الدخل من السياحة انخفض في 2020 بسبب فيروس كورونا المستجد الذي ضرب العالم ومع نزوح المستثمرين الأجانب. حيث باعوا نسبا قياسية من الأسهم التركية خلال شهر يوليو، وغادروا سوق السندات بسبب مخاوف بشأن السياسة النقدية والاقتصادية غير التقليدية. ويمتلكون الآن أقل من نصف الأسهم في السوق التركية لأول مرة منذ أكثر من عقد ونصف.

ارتفعت أسعار الفائدة في سوق المقايضات الخارجية التي يعتمدها الأجانب مع قرار البنوك التركية بسحب التمويل بناء على أوامر حكومية.

وفي محاولة لتهدئة الأسواق، قال البنك المركزي إنه سيتخلص من إجراءات السيولة الإضافية تدريجيا بعد اعتمادها أثناء الجائحة واستخدام جميع الأدوات المتاحة إلى الحد من التقلبات الاقتصادية.

وقد يسعى أويسال بدلا من رفع أسعار الفائدة إلى تجنب غضب أردوغان وتحقيق الاستقرار باتباع سلفه في تلاعبه بالسياسة النقدية. حيث استخدم ما يسمى بـ"نافذة السيولة المتأخرة" لتشديد السياسة النقدية بين ديسمبر 2018 ومايو 2019، ورفع المعدل بمقدار 425 نقطة أساس إلى 16.5 في المائة مع ترك سعر الفائدة دون تغيير عند 8 في المائة.

لكن اتباع إطار نقدي أكثر تعقيدا لن يجذب المستثمرين الذين يؤكدون أن السياسة النقدية البسيطة هي الأكثر فعالية.

وفي تحليل نُشر الأسبوع الماضي، قال ديزموند لاكمان، من معهد المشروع الأميركي لأبحاث السياسة العامة والمسؤول السابق في صندوق النقد الدولي، إن أردوغان ينتهك تعاليم الاقتصاديين الأكثر شهرة في العالم مثل ميلتون فريدمان الحائز على جائزة نوبل من خلال إصراره على أن أسعار الفائدة المرتفعة تضخمية وستساهم في إصلاح قيمة الليرة.

ولفت لاكمان الانتباه إلى ديون تركيا الخارجية البالغة 450 مليار دولار وقطاع الشركات المثقل بالديون التي تتجاوز 300 مليار دولار. وقال إن الشركات ستواجه صعوبة في مواصلة التزاماتها بالعملات الأجنبية في حالة انخفاض الليرة، مما يزيد من الضغوط على النظام المصرفي الهش.

وقال لاكمان: "من أجل الاقتصاد العالمي، ومن أجل الفقراء الأتراك الذين يضطرون لتحمل العبء الأكبر من سياسات أردوغان، يجب أن نأمل جميعا في أن يثبت الاقتصاد التركي خطأ فريدمان ومجموعة الاقتصاديين الآخرين. لكنني لا أراهن على ذلك".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-lira/erdoganomics-under-microscope-turkish-lira-plummets
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.