الاقتصاد التركي يقترب من مفترق طرق

بدأ الاقتصاد التركي سنة 2021 تحت غطاء من التفاؤل. حيث شهدت البلاد تغييرا مشجعا لفريق الاقتصاد في نوفمبر، وزيادات في أسعار الفائدة، ووعودا بالإصلاح، وإعلانات عن عودة تركيا إلى المدار الغربي، مما حوّل أسواق رأس المال في البلاد إلى نقطة جذب للمستثمرين الأجانب. كما انتهى تراجع قيمة الليرة التركية وقادت العملة لائحة الأسواق الناشئة خلال الفترة الأخيرة، لتواصل صعودها من أدنى مستوى قياسي سجّلته في مطلع نوفمبر إلى 20 في المئة.

وبدأت العديد من المؤسسات المالية الأجنبية تتوقع المزيد من المكاسب حيث اقتربت العملة من 7 ليرات أمام الدولار. وتضاعف التفاؤل في التوقعات، مع تراجع التقديرات من أقل من 7 إلى 6.5 وحتى 6.2. وفي سيناريو متفائل، توقع بعض المحللين نموا اقتصاديا يتراوح بين 5 و6 في المئة لهذا العام، وتطبيع سوق القروض بعد الطفرة الائتمانية في 2020، وتضييق عجز الحساب الجاري من 10 إلى 15 مليار دولار، وزيادة في احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي، وتحركا نحو تضخم من رقم واحد، وتراجعا في البطالة، وعجزا أقل في الميزانية.

ومع السياسات النقدية المُتّخدة في عهد محافظ البنك المركزي الجديد ناجي إقبال، كان استنفاد صبر الرئيس رجب طيب أردوغان مع ارتفاع أسعار الفائدة العقبة الوحيدة التي يمكن أن تقف في طريق إعادة تأسيس مسار مستدام للاقتصاد التركي. وكان يُعتقد أن إقبال سيقنعه بالإبقاء على السياسات التي اعتمدها.

يقترب النمو الاقتصادي التركي في الربع الأخير من سنة 2020 من 8 في المئة مع زيادة سنوية في الناتج المحلي الإجمالي تقدّر بحوالي 2.3 في المئة. وتمثلت التكاليف الاقتصادية لتحقيق معدل النمو المرتفع في عام الوباء في التضخم المرتفع، واتساع عجز الحساب الجاري، وانهيار احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية. ورغم التوقعات الأولية، تبدو بقية 2021 غير إيجابية بالمقارنة ببعض البيانات الاقتصادية المشجعة للشهرين الأولين من العام.

من المرجح أن يرتفع تضخم أسعار المستهلكين إلى 16 في المئة (أو ربما أعلى قليلا) بين مارس ومايو. وعلى الرغم من هدوء المخاوف من التخفيضات المبكرة لأسعار الفائدة في الوقت الحالي، إلا أن السياسة النقدية الحالية تبقى أبعد ما تكون عن التشدد. ولا تعتبر كافية لخفض التضخم نحو هدف البنك المركزي البالغ 5 في المئة. لذلك، سيتباطأ النمو الاقتصادي تدريجيا فقط.

تشير البيانات الأولية حتى فبراير إلى توسع اقتصادي بنحو 4 في المئة إلى 5 في المئة في الربع الأول. وستعيد أسعار الفائدة الحالية البالغة 17 في المئة التوازن إلى الاقتصاد بدلا من خلق التباطؤ الكبير المطلوب لترويض التضخم. وقد بلغ متوسط ​​توقعات الاقتصاديين للنمو الاقتصادي لهذا العام 4.8 في المئة، ومتوسط ​​أسعار المستهلكين في نهاية العام بين 11 و12 في المئة.

يُذكر أن هناك ضغوطا مالية واقتصادية من الخارج. إذ ارتفعت توقعات نهاية العام لسعر خام برنت ويقف الآن عند حوالي 75 دولارا للبرميل. وسيؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى تضخم في تركيا وسيغذي عجز الحساب الجاري، حيث تستورد البلاد جل الطاقة التي تستهلكها. ومع تباطؤ الطلب المحلي تدريجيا، يبدو كبح نمو الواردات الذي يتوقعه بعض الاقتصاديين في 2021 صعبا.

كما تُظهر بيانات السياحة في شهر يناير أن الإيرادات ستكون منخفضة في النصف الأول من سنة 2021. ومن المرجح أن يحد بطئ عملية التطعيم في أوروبا وتركيا من نمو عائدات السياحة في تركيا بنحو 40 في المئة مقارنة بسنة 2020. مع النمو الاقتصادي والزيادة في أسعار النفط، لن ينخفض ​​عجز الحساب الجاري إلى نسبة الناتج المحلي الإجمالي هذا العام بشكل ملموس من الـ5.3 في المئة المسجلة خلال سنة 2020. لذلك، ولتجنب المزيد من الخسائر في قيمة الليرة هذا العام، ستحتاج تركيا إلى جذب مستويات عالية من تدفقات رأس المال الأجنبي لتمويل عجز الإيرادات دون الضغط على العملة.

أعلن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أنه لن يتفاعل مع ارتفاع عائدات السندات الأمريكية والتضخم في الوقت الحالي وأنه لن يقلل من دعمه للأسواق. ومع ذلك، تشير التوقعات إلى أن أول إشارة للتشديد النقدي ستأتي بحلول منتصف سنة 2022 وأن أول رفع لأسعار الفائدة سيكون في 2023. ومهما قال مجلس الاحتياطي الفيدرالي، عندما يرتفع تضخم مؤشر أسعار المستهلكين الأميركي إلى 2.2 في المئة (ربما في مايو)، ستتأثر عملات الأسواق الناشئة، بما في ذلك الليرة التركية، وإن لم يكن التضخم دائما.

يتراجع التأثير الإيجابي لارتفاع أسعار الفائدة على تدفقات رأس المال. وبسبب سياسات حكومة حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، تبقى تركيا غير قادرة على جذب تدفقات رأس المال الأجنبي بخلاف الأموال الساخنة. وفي بيئة يستمر فيها السكان المحليون في جمع العملات الأجنبية، لا تبدو الزيادة الكبيرة في احتياطيات البنك المركزي واردة. كما تبدو التعهدات بالإصلاحات الاقتصادية منسية منذ زمن طويل. إذ تركّز الحكومة التركية على ممارسة مزيد من الضغط على خصومها السياسيين بدلا من الاقتصاد.

لن يستمر الهدوء النسبي في السياسة الخارجية الذي شهدناه خلال شهري يناير وفبراير طويلا. وعلى الرغم من بذل أردوغان محاولات لتحسين علاقات تركيا مع الولايات المتحدة، إلا أن جهوده ستفشل ما لم يتخل تماما عن سياسة دفاعية يهيمن عليها امتلاك صواريخ إس-400 الروسية. ومن المرجح أن تظهر القضايا الخلافية الأخرى مثل الإجراءات القانونية الأميركية ضد بنك خلق التركي، والدعم الأميركي للمسلحين الأكراد في سوريا، والتوترات مع قبرص واليونان بشأن الموارد الطبيعية في شرق البحر المتوسط، واحدة تلو الأخرى اعتبارا من الربع الثاني من سنة 2021.

أثناء كل هذا، تُضعف المشاكل الاقتصادية دعم تحالف حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية وقد أثارت تشديدا في خطابهما السياسي. في حين يزيد هذا من التوترات السياسية في تركيا، إلا أنه يمنع إنشاء أرضية مشتركة لإصلاح العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ومن غير الواقعي أن نتوقع زيادة قيمة الليرة بشكل دائم. إذ ينبغي توقع إنخفاض قيمتها تدريجيا خلال السنة الحالية بناء على التطورات الاقتصادية والسياسية. وسيعتمد ما إذا كانت الليرة ستضعف نحو ما يسمى "قيمتها العادلة" البالغة 7.5 لكل دولار أو إلى مستويات قياسية جديدة على ما سيقرر التحالف الحاكم فعله للحفاظ على قوته وكبح تراجع شعبيته.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-economy/turkeys-economy-approaching-crossroads
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.