الاقتصاد التركي يئن.. وحكومة أردوغان تكمم أفواه المنتقدين

في غضون أسبوع واحد، أقدمت عائلتان تركيتان تضم كل منهما أربعة أفراد على الانتحار، مما أثار حالة من الصدمة في البلاد. وكان من الواضح أن الدافع وراء الانتحار في كلتا الحالتين هو الفقر.

ولكن بدلا من معالجة المشاكل الخطيرة التي تثير قلق الملايين في تركيا، تواردت تقارير عن أن الحكومة تدرس قوانين من شأنها أن تجرّم كتابة أي تقارير عن المشاكل الاقتصادية التي دفعت العائلتين إلى الانتحار.

في الحادثة الأولى، أقدم أربعة أخوة بالغين على الانتحار في إسطنبول عبر تناول مادة السيانيد السامة. فمن بين الأخوة الأربعة، كان هناك شقيقان وأخت لهما ظلوا عاطلين عن العمل لفترة طويلة، وغرقوا في الديون. وحجزت السلطات راتب الأخت الوحيدة العاملة بينهم بسبب الديون، فقد كانت تواجه 21 دعوى حجز.

وفي محافظة أنطاليا بجنوب تركيا، انتحر رب أسرة عاطل عن العمل بعد عجزه عن دفع الإيجار لمدة 9 أشهر مستخدما مادة السيانيد، ولم يكتف بقتل نفسه، بل قتل معه زوجته وابنتيه الصغيرتين.

ترك الأب رسالة بالانتحار تحدث فيها عن يأسه من الوضع الاقتصادي القاتم الذي عاشته عائلته، بما في ذلك قائمة بالديون التي أثقلت كاهله.

الكثيرون يحتقرون هذا الأب ويصفونه بالقاتل، لكن ما من شك في المأساة التي عاشتها عائلته، ولا في الأوضاع المالية البائسة التي لا بد وأن تكون – على الأقل – قد ساهمت في كلتا الحادثتين. فالعائلتان في الحقيقة وصلتا إلى نقطة لم يعد بإمكانهما فيها تدبير احتياجات حياتهما اليومية.

وقد ربطت المعارضة مباشرة بين حالتي الانتحار والأزمة الاقتصادية التي عصفت بتركيا منذ أزمة العملة التي اندلعت في صيف العام 2018، لتهبط قيمة الليرة بما يقرب من 30 في المئة مقابل الدولار بحلول نهاية العام.

ولكن في مواجهة الانتقادات الشديدة، آثر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والمتحدثون باسم حكومته التزام الصمت حيال مسألة يحبذون إبعادها عن جدول الأعمال.

في الوقت نفسه، نفى كتاب مقالات الرأي المؤيدون للحكومة وجود أي دوافع اقتصادية وراء حادث الانتحار في إسطنبول، وقالوا بدلا من ذلك إن وجود كتاب عن الإلحاد من تأليف الأكاديمي البريطاني ريتشارد دوكينز ربما يكون دافعا لهذا الانتحار.

في ضوء المناخ القمعي الزاخر بالمحظورات الذي عززته الحكومة في تركيا واستخدامها للقمع الشرطي والقضائي من أجل إغلاق كل أبواب المعارضة السياسية أو المدنية، يمكن اعتبار حالتي الانتحار نوعا من الاحتجاج الذي عبر عنه أشخاص لا يملكون أي وسيلة أخرى لإسماع أصواتهم.

فمن ناحية، تستطيع الشركات التي تربطها علاقات بحزب العدالة والتنمية الحاكم إعادة هيكلة ديونها بل ونيل الإعفاء منها. ولكن على الجانب الآخر، يواجه ملايين المواطنين العاديين إجراءات قانونية حين يتعذر عليهم سداد ديونهم.

وباستخدام نظام إلكتروني جديد لاسترداد الديون، قامت وزارة المالية والخزانة بحجز رواتب وحسابات مصرفية لما يقرب من أربعة ملايين شخص منذ شهر أكتوبر بسبب ديون لم يتم سدادها.

غير أن الحكومة تنزعج حين ترى تقارير عن الحقائق والوقائع المتعلقة بالاقتصاد. وقد نشرت وسائل الإعلام الموالية للحكومة تقارير تفيد بأنها تستعد لإجراء تعديلات قانونية من شأنها تجريم ما تسميه "بث التشاؤم الاقتصادي".

على سبيل المثال، كتبت ديليك غونغور - إحدى كتاب مقالات الرأي في جريدة صباح اليومية الموالية للحكومة - مقالة تدعو فيها إلى اتخاذ إجراءات عقابية ضد التعليقات الانتقادية التي ينشرها الصحفيون ومستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي بشأن الاقتصاد، وقالت إنها تلقت معلومات تفيد بأن هناك قانونا يجري إعداده من شأنه أن يمنع الناس من التعليق على الاقتصاد وفق أهوائهم.

وقالت غونغور إن الإصلاحات ستشمل إنزال عقوبة السجن لمدة تتراوح بين ستة أشهر وخمس سنوات، بالإضافة إلى فرض غرامات، على كل من تثبت إدانته بنشر "معلومات كاذبة ومضللة" يمكن أن تؤثر بشكل كبير على العملة والاقتصاد.

ولهذا الغرض، يجري إعداد تعديلات لقوانين أسواق المال والتجارة والقوانين النقدية في تركيا بالإضافة إلى قانون العقوبات يمكن أن تجعل المعارضين من الاقتصاديين والمحللين والأكاديميين وغيرهم عرضة للسجن أو التغريم.

هذا النوع من التقارير الإخبارية كذلك الذي كتبته غونغور أرهب المعلقين المنتقدين بالفعل حتى من قبل الإعلان رسميا عن التعديلات القانونية. وقد أخذ وزير المالية والخزانة التركي بيرات البيرق، صهر أردوغان، الأمور إلى أبعد من ذلك الأسبوع الماضي باتهامه المحللين الذين ينتقدون سياسات الحكومة بالإرهاب.

وقال البيرق: "يريد البعض أن يدلوا بدلوهم ويسمون أنفسهم اقتصاديين وأساتذة جامعيين، لكنهم في الواقع يعملون على إضرار البلاد... ونحن لا نرى أي اختلاف بين أولئك الذين يحاولون خلق تصورات سلبية عن تركيا وبين الإرهابيين".

وقد عززت تصريحات الوزير تقرير غونغور عن إعداد تشريعات تحظر التعليقات الانتقادية المرتبطة بالاقتصاد. وعلى أي حال، هناك شخصيات في عالم الأعمال التركي تلتزم الصمت منذ فترة طويلة.

لم تصدر أي تعليقات من اتحادات الأعمال الكبرى في البلاد على الرغم من مرور القطاع بفترة حالكة شهدت إفلاس عدد كبير من الشركات أو اضطرارها لطلب الحماية من الإفلاس أو تسريح موظفين، إلى جانب ارتفاعات حادة في معدل التضخم والديون المتعثرة.

في الوقت نفسه، يتعرض العمال وموظفو القطاع العام الذين يحتجون على أوضاعهم للهجوم من رجال الشرطة والاعتقال. وفي معظم المحافظات، عادة ما يحظر المحافظون المعينون من الحكومة التظاهرات العامة، بما في ذلك المؤتمرات الصحفية.

ووصل الأمر بالحكومة إلى اتخاذ تدابير قانونية ضد منتجي البصل والبطاطس خلال العام الماضي في مواجهة تضخم أسعار السلع الأساسية. وحين أثارت الأسعار المرتفعة حالة من الغضب الشعبي، اتهمت الحكومة أصحاب متاجر البقالة بتخزين البضائع من أجل التلاعب بالأسعار، وهو ما أطلقت عليه اسم "إرهاب الطعام". والآن حان دور الاقتصاديين كي يواجهوا معاملة مماثلة.

يقول أردوغان توبراك النائب في البرلمان عن حزب الشعب الجمهوري العلماني، حزب المعارضة الرئيسي في تركيا: "لكن إذا كن لأحد أن يُتهم بالتلاعب والأكاذيب والتضليل على صعيد الاقتصاد، فلا بد وأن يكون الرئيس وصهره وزير المالية والخزانة بيرات البيرق".

وأضاف توبراك: "هما اللذان طالبا ملايين المواطنين بتحويل مدخراتهم من الذهب والعملة الأجنبية إلى الليرة"، في إشارة إلى الدعوات التي أطلقتها الحكومة إبان أزمة العملة في العام الماضي في مسعى للحد من هبوط الليرة.

وتابع: "لقد خسر ملايين الأشخاص أموالهم، ولم تسترد الليرة قيمتها... ثم أعلنوا بعد ذلك عن مجموعة من البرامج الاقتصادية الجديدة ووضعوا أهدافا لكنهم لم يحققوا أيا منها.

"أليس ذلك بتضليل وخداع للمجتمع التركي وعالم الأعمال؟ البيانات متاحة لكل من يود الاطلاع عليها".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-censorship/turkish-economy-struggles-government-weighs-censoring-critical-reports
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.