يونيو 18 2019

الاقتصاد التركي يئنّ تحت وطأة التخبطات السياسية

إسطنبول – يلقي عدم الاستقرار السياسي بظلاله القاسية على الاقتصاد التركي الذي بات يئنّ تحت ضغوطات التخبط السياسي الذي تمر به البلاد، نتيجة سياسات الرئيس جرب طيب أردوغان التي توصف من قبل معارضيه بالمتهورة.

وهناك بعض القصص الفردية في تركيا تعكس جانباً من التحول الاقتصادي في البلاد، من ذلك مثلاً حكاية حزير البيرق الذي بدأ العمل في محل تجاري صغير لبيع ألعاب للأطفال في بازار إسطنبول قبل 25 عاماً، أي في السنة التي أصبح الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان فيها رئيساً لبلدية المدينة. اليوم، بات يدير مركزاً تجارياً من سبع طبقات، ما يعكس بوضوح التحول الاقتصادي الكبير في البلاد خلال ربع القرن الأخير.

يتجوّل حزير بين عربات الأطفال والألعاب والملابس في المركز التجاري الواقع في إمينونو، وهو حيّ تاريخي في إسطنبول فيما يروي باعتزاز: "بدأت من الصفر. الآن، نقدّم 295 علامة تجارية من تركيا والعالم كله".

ويقول أنصار أردوغان إن هذا الازدهار يعود بشكل كبير إلى أردوغان الذي شهدت تركيا خلال عهده فترة غير مسبوقة من الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي.

لكن هذا الاستقرار الذي اتّسمت به سنوات أردوغان في الحكم كرئيس للوزراء بدءاً من العام 2003 وكرئيس منذ 2014، تزعزع في السنوات الأخيرة مع تنفيذ سلسلة هجمات وانقلاب فاشل عام 2016 تلته حملة تطهير بلا رحمة وتدهور العلاقات مع الولايات المتحدة.

وفقدت العملة التركية نحو ثلث قيمتها مقابل الدولار العام الماضي، ما أغرق البلاد في ركود ورفع نسبة التضخم إلى حوالى 20%.

ويقول حزير بانفعال "انظروا إلى هذا!" مشيراً إلى سعر علبة حفاضات أطفال. ويضيف "منذ أسبوع، كنا نبيعها بـ30 أو 35 ليرة تركية (حوالى 5 يورو). اليوم، انظروا: 49 ليرة!". ويتابع "في السابق، كانت الأسعار تتغيّر كل بضعة أشهر. الآن، كل أسبوع تقريباً".

حزير، وهو من أنصار حزب العدالة والتنمية بزعامة إردوغان، يتطلع خصوصاً إلى الاستقرار.

إلا أن سكان إسطنبول يتوجهون الأحد إلى مراكز الاقتراع للمرة الثامنة خلال خمس سنوات، بسب إلغاء الانتخابات البلدية التي أجريت في 31 مارس بعد فوز المعارضة.

سكان إسطنبول يتوجهون الأحد إلى مراكز الاقتراع
سكان إسطنبول يتوجهون الأحد إلى مراكز الاقتراع

ويعتبر منتقدو الرئيس أن الوتيرة المتواصلة للانتخابات تجعل أردوغان في حملة انتخابية دائمة تقريباً، بحيث أنه يهاجم معارضيه ويغذّي الاستقطاب في البلاد.

ويقول حزير إن "ممارسة التجارة في تركيا، بات يشبه أداء حركات بهلوانية" مضيفاً "تحدث أزمة، فتتراجع العملة ويمكن أن تخسر كل شيء خلال عام واحد".

ويخشى بعض الاقتصاديين الأسوأ. إذ إن الكثير من الشركات تواجه صعوبات في سداد ديونها مع الركود وانهيار الليرة التركية وواقع أن قسماً كبيراً من النمو التركي تغذّيه قروض أجنبية.

ويرى الخبير في شؤون تركيا فادي هاكورا من مركز الأبحاث "شاتام هاوس" في لندن أن "تركيا مرّت بسلسلة أزمات صغيرة، كل واحدة أسوأ من سابقتها".

ويتوقع أن تبلغ البلاد نقطة لا يمكن الرجوع منها ما لم توقف الحكومة مشاريعها الضخمة وتركز على حل مشكلة ديون النظام المصرفي.

ويضيف "للأسف، الحكومة متمسكة بالنموذج الذي تتبعه في الاستهلاك والبناء الممولين عن طريق الاستدانة". لكن مناصري الحكومة يرفضون أي تحذير.

ويرى مولود ططليير من مجموعة "سيتا" للأبحاث الموالية للحكومة، أن الشركات التركية محمية جداً من الإفلاس وتملك احتياطات نقدية تفوق ديونها بـ6,5 مليارات دولار.

ويشير إلى أن مستوى ديون الحكومة نفسها يُعتبر منخفضاً مقارنة بدول أخرى.

ويقول "نعم، هناك ركود الآن لكنه لم يتحوّل إلى أزمة اقتصادية" مبررا ذلك بكون الاقتصاد "نشيط" وبواقع أن "الأتراك معتادون على انعدام الاستقرار".

وقد تكون نقطة التحوّل فرض عقوبات تلوّح بها واشنطن في حال لم تتخلَ أنقرة عن شراء صواريخ روسية.

وحتى لو تمكن أردوغان بطريقة أو بأخرى من تخفيف التوترات مع الولايات المتحدة، يرى المستثمرون من منظور سلبي استبعاد بعض الخبراء الاقتصاديين الذين يُعتبرون أكفاء وتعيين صهر الرئيس براءة البيرق، وزيراً للاقتصاد والمالية.

ويقول المحلل عطالله يشيل أدا من "غلوبل سورس" في إسطنبول إن "في الماضي، عندما أدرك أردوغان أنه كان على حافة الهاوية، عمد على الدوام إلى التراجع". ويضيف "لقد أقال الكثير من الأشخاص الكفوئين، لكنهم لا يزالون على قيد الحياة ويمكن استدعاؤهم".