جلدم أتاباي شانلي
يونيو 28 2019

الاقتصاد يهز السياسة في تركيا وقريباً تقود السياسة اقتصادها

هز انتصار السياسي المعارض أكرم إمام أوغلو الساحق في الانتخابات البلدية في إسطنبول يوم الأحد المشهد السياسي التركي. تركز التحليلات في الغالب على الخيارات التي يواجهها الرئيس رجب طيب أردوغان للحفاظ على مكانة حزبه في الأشهر المقبلة والسبل الممكنة التي قد يسلكها المنشقون في الحزب وبالطبع الاحتمال المتزايد لتقديم موعد إجراء الانتخابات العامة قبل عام 2023.

لذلك، سيكون من المفيد إلقاء نظرة على نتائج استطلاعات الرأي التي أُجريت منذ إعادة الانتخابات في الثالث والعشرين من يونيو لإعادة تقييم الوضع الراهن.

يفضل 58 في المئة من المواطنين الأتراك الآن نظام الحكم البرلماني السابق في تركيا على نظام أردوغان الرئاسي إذا تمت إعادة استفتاء عام 2017، وفقاً لما ذكرته شركة متروبول لاستطلاعات الرأي ومقرها أنقرة.

قامت متروبول أيضاً بعمل ميداني لافت في منطقتي الفاتح وأيوب سلطان في إسطنبول. هذه هي مناطق المدينة التي سيطر عليها حزب العدالة والتنمية الحاكم سياسياً على مدار العقدين الماضيين ولكنها تحولت الآن إلى إمام أوغلو بفارق كبير.

وبطرح سؤال بطريقة عشوائية عن أسباب هذا التحول الحاد، أشار الأشخاص الذين اعتادوا أن يكونوا من ناخبي حزب العدالة والتنمية إلى فقدان الحزب اتصاله بالواقع فيما يتعلق بالأزمة الاقتصادية المستمرة في تركيا.

ومن بين الإجابات الأخرى المدهشة من المشاركين في الاستطلاع، خطاب حزب العدالة والتنمية المثير للاستقطاب والذي وصف فيه كل حزب من أحزاب المعارضة تقريباً بأنهم من "الإرهابيين" وتحالفه مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف. عندما نتحدث عن سياسات حزب العدالة والتنمية، فإننا نتحدث الآن عن خيارات سياسة أردوغان بالطبع، في ظل نظام الرجل الواحد الرئاسي القائم في تركيا منذ الصيف الماضي.

يحظى إمام أوغلو بدعم قوي أيضاً خارج إسطنبول. ففي حين حصل على 54 في المئة من الأصوات في المدينة، زاد تأييده في منطقة الأناضول الكبرى إلى حوالي 60 في المئة، وفقاً لشركة آدمور لاستطلاعات الرأي. ويبقى أن نرى ما إذا كان إمام أوغلو سيتمكن من الحفاظ على هذه الشعبية. ومع ذلك، كانت النتيجة مذهلة إذ تم انتخاب أردوغان رئيساً بنسبة 52.6 في المئة من الأصوات العام الماضي.

سلطت شركة كوندا، المشهورة في تركيا باستطلاعاتها الدقيقة، الضوء على استياء الناخبين من إلغاء الانتخابات الأولى لرئيس بلدية إسطنبول التي جرت في الحادي والثلاثين من مارس، والتي فاز بها إمام أوغلو أيضاً ولكن بفارق ضئيل للغاية.

جمع كل ما سبق يكشف عدداً من الحقائق البسيطة.

الحقيقة الأولى تتمثل في النظام الرئاسي المعيب في تركيا. يهدف هذا النظام إلى تعزيز قوة أردوغان فحسب. يتم الحكم على تركيا من خلال الرؤية المحدودة بطبيعة الحال لشخص واحد وتفشل العقلانية الجماعية في جذب انتباه أردوغان. وقد تم التعهد للمواطنين الأتراك بأن مثل هذا التوحيد للسلطة سيؤدي إلى حلول سريعة للمشاكل الاقتصادية. لكن ما شاهده الناس على مدار عام واحد هو عكس ذلك تماماً. فقد اشتدت الصعوبات الاقتصادية.

الحقيقة البسيطة الثانية هي أن الوضع الاقتصادي في تركيا لعب دوراً رئيساً في إبعاد معظم الناخبين عن حزب العدالة والتنمية الحاكم. ففي ظل النظام الرئاسي في تركيا، يدرك المواطنون الآن أن حكم الرجل الواحد في عهد أردوغان يعني أن الرئيس وصهره، وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق، ما يزالان في حالة إنكار لوجود أزمة اقتصادية. وبالتالي، كانت حزم الدعم المعلنة للاقتصاد غير فعالة وأدت إلى تدهور سريع في الميزانية.

علاوة على ذلك، فشل شعار "إنه الاقتصاد، يا غبي!" في ترديد صداه وسط فريق أردوغان من المستشارين والوزراء، الذين يبدو أنهم موجودون فقط لدعم تصور أردوغان للوضع. كثيراً ما يبدو أنهم فقدوا أيضاً القدرة على التواصل.

أخيراً، كما يتضح من استطلاعات الرأي، فإن غرائز بقاء أردوغان، التي شجعته على استقطاب المجتمع، جعلت الحياة أصعب عليه إذ يبدو أنها أثارت غضب قاعدة ناخبيه. ونظراً للحاجة إلى دعم حليفه القومي المتشدد، حزب الحركة القومية، كان الرئيس مُلزماً بمثل هذا الخطاب الذي خلقه بنفسه وأصبح أسيراً له. لا يحبذ الناخبون في تركيا، لا سيما الشباب منهم، النزاع بل يسعون إلى مستقبل أكثر إشراقاً يدعمه الأمل بدلاً من الكراهية.

كان الاقتصاد في قلب نجاحات حزب العدالة والتنمية في الانتخابات على مدار العقدين الماضيين. لكن إخفاقات حزب العدالة والتنمية الآن هي إخفاقات اقتصادية في أعين الناخبين الأتراك.

كانت مستويات المعيشة تتحسن بالنسبة للأتراك وباتت الحياة أكثر سهولة، ولكن الآن تحولت السنوات المضيئة لحزب العدالة والتنمية إلى دورة الموت في ظل انهيار الليرة وارتفاع التضخم وارتفاع أسعار الفائدة والانكماش الاقتصادي وغياب الاستثمارات الأجنبية وجبال الديون والبطالة والإفلاس بمعدلات متزايدة. يلقي بعض الناخبين الآن باللوم على النظام الرئاسي الذي تم تصميمه بشكل سيئ في معاناتهم، وما أعقبه من ترسيخ عملية صنع القرار، وأخيراً السياسات الخاطئة لأردوغان والبيرق.

يبدو أن عدداً كبيراً من ناخبي حزب العدالة والتنمية على استعداد الآن لإعطاء الفرصة لسياسي معارض على اتصال مع الواقع ويعترف بالصعوبات الاقتصادية ويسعى للحلول ويقدمها بناءً على نظرة إيجابية.

وبما أن المنافسة السياسية ستصبح أكثر احتداماً وأصعب، فسيكون من الصعب أكثر على الرئيس وأنصاره تنفيذ الإجراءات الصارمة اللازمة لتصحيح مسار الاقتصاد.

من المرجح أن تحظى المنافسة الجديدة من داخل حزب العدالة والتنمية نفسه بتأييد، لا سيما الثنائي السياسي المتمثل في الرئيس السابق عبد الله غول وعلي باباجان، المعروف بنجاحاته عندما كان مسؤولاً عن الاقتصاد. كما يبدو أنهم على استعداد للعمل جنباً إلى جنب مع إمام أوغلو وحزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي والحركة الكردية والحزب الصالح القومي العلماني. إذا نجح مثل هذا التحالف فسرعان ما سيشكل توقعات إيجابية للاقتصاد.

إن انعكاس مسار تركيا من حكم الرجل الواحد، أو على الأقل جزئياً، قد يكون له آثار إيجابية للغاية على الاقتصاد التركي.

لسوء الحظ، من غير المرجح أن يتراجع أردوغان وحلفاؤه اليمينيون المتطرفون أو يعالجوا أسباب تدهور الاقتصاد في تركيا وتدهور الديمقراطية وسيادة القانون. بدلاً من ذلك، يبدو أنهم سيحاولون استغلال هذه المشكلات لمصلحتهم بهدف الحصول على المزيد من الأصوات في الانتخابات القادمة.

باختصار، سيبقى الاقتصاد التركي في حالة من الجمود لبعض الوقت في المستقبل. ولأن حزب العدالة والتنمية الآن في وضع وجودي، يبدو من المستحيل تقريباً أن يدعم أردوغان العقلانية التي ستهمله أو تقلص سلطاته.

ومع ذلك، مثلما حدث أثناء الأزمة المالية في عام 2001، فرضت الأضرار الاقتصادية من جديد التغيير السياسي. عاجلاً وليس آجلاً، سيبدأ التغيير في السياسة في توجيه الاقتصاد. ثمة سبب للشعور بالتفاؤل والدافع والالتزام.

ولا يقول أحد إن التغيير سهل.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-economy/economy-has-shaken-politics-turkey-soon-politics-will-drive-its-economy
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.