الأرقام الاستعراضية لن تنقذ الاقتصاد التركي

أنقرة – تحاول الحكومة التركية استعراض إنجازات بلادها على مدار نصف قرن تقريبا في محاولة للتغطية على أزمتها الاقتصادية الحالية التي تسببت بها إدارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وفي إطار الحمالات العامة والإعلامية التي تديرها الأناضول، وكالة الأنباء الحكومية، أكدت وزيرة التجارة التركية روهصار بكجان، أنّ شركات المقاولات التركية نفذت حتى اليوم 10 آلاف و525 مشروعا بقيمة 418.7 مليار دولار في 128 دولة حول العالم، منذ عام 1972.

ويستغرب المراقبون عرض مثل هكذا إحصائية استعراضية تعود لحوالي نصف قرن من الزمن، بدلا من التركيز على إحصاءات تغطي فترة زمنية معقولة، كما تفعل باقي الدول، كأن تقدم أرقام لفترة زمنية سنوية وربعية، وفق المعتاد.

ويؤكد المراقبون أن هذا التوجه باستعراض أرقام وإنجازات لفترات طويلة هي محاولة "لذر الرمال في العيون" والتغطية على الفشل الاقتصادي في السنوات الماضية.

وعادة ما تلجأ الأناضول إلى تقديم تغطية مختلفة حسب اللغة المستخدمة لمخاطبة الجمهور، ففي اللغة الإنكليزية لم تركز الوكالة على الأرقام الاستعراضية واكتفت بتناول الموضوع ضمن اطاره المعتاد.

فقد نقلت الوكالة، باللغة الإنكليزية، عن وزيرة التجارة التركية، أن تركيا تتوقع هذا العام أن يصل إجمالي حجم مشروع المقاولات إلى 15 مليار دولار، بالنظر إلى الوباء.

وقالت روهصار بكجان في اجتماع نظمته جمعية المقاولين التركية لتقييم عام 2020 في العاصمة أنقرة، إن "قيمة مشروع الأعمال التي قامت بها شركات المقاولات التركية في عام 2020 بلغت 14.4 مليار دولار".

وأضافت: "أصبحت دول الكومنولث المستقلة والشرق الأوسط وشمال إفريقيا أسواقنا التقليدية. وفي المجموع، شكلت المشاريع التي نفذتها الشركات التركية في هذه المناطق 84.4٪ من إجمالي مشاريعنا".

وفي تناقض يدفع للتشكيك في مصداقية الأرقام المقدمة، يرى المراقبون أن العام الماضي كان من أسوأ الأعوام اقتصاديا نتيجة وباء كورونا مما يجعل الأرقام التي تم استعراضها في خانة الشك، حيث كان الاقتصاد التركي والعالمي في حالة جمود، مما يعني صعوبة أو استحالة تحقيق الأرقام التي قدمتها الوزيرة.

ولاسيما أن بكجان لمحت لحجم الصعوبة التي واجهها هذا القطاع خلال العام الماضي. فقالت: "إن المستوى الذي تم الوصول إليه في بيئة الوباء كان ناجحًا للقطاع، مذكرةً أن عام 2020 أصبح العام الذي يشهد أكبر انكماش تجاري تم تسجيله منذ الحرب العالمية الثانية."

ويشكك الأتراك سواء من المواطنين أو السياسيين بدقة ومصداقية الأرقام الحكومية التركية، ويقول سزائي تمَلّلي سياسي تركي في حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للكرد إن الأرقام غير الرسمية أكثر دقة وموثوقية من الرسمية. حيث تحاول المؤسسات الحكومية المبالغة بالأرقام طلبا لودّ القصر واسترضاءً له.

وتشكيك الأتراك لا يتوقف على ما أصدرته الوزيرة، بل يشمل كل الأرقام الاقتصادية الحكومية. فعلى صعيد البطالة والتضخم، يقول تمَلّلي "المستويات التي وصلت لها معدلات البطالة، رسمية كانت أو غير رسمية، توضح أننا نعيش أزمة عميقة بحق."

وفي هذا السياق "يمكننا القول إن تعمد الأرقام الرسمية إخفاء هذه الحقائق أو محاولة إظهار أن التضخم منخفض، أمران لن يستطيعا إخفاء ارتفاع الأسعار الحاصل، وذوبان القوة الشرائية بشكل سريع، لا سيما بالنسبة لأصحاب الدخول المنخفضة"، وفق تمَلّلي.

وأظهر مسح أجرته مؤسسة متروبول، المتخصصة في استطلاعات الرأي، في الآونة الأخيرة أن نسبة من لا يثقون في بيانات التضخم التي يُصدرها معهد الإحصاء التركي (الحكومي) زادت إلى 40 في المئة.

وتقول الكاتبة التركية هايلي أكاي "عندما أعلن معهد الإحصاء التركي بيانات التضخم في عام 2020، نشر موقع (تسايتونغ) الإلكتروني الساخر – والذي يحظى بشعبية كبيرة – صورة معدّلة، تُظهر عشرات الأشخاص ينتظرون خارج مكاتب معهد الإحصاء التركي مكتوب في تعليق تحتها "الزوار يتوافدون على مبنى معهد الإحصاء التركي، المكان الوحيد في تركيا، الذي يبلغ معدّل التضخم فيه ثمانية في المئة".

ويتشكك مواطنون عاديون وسياسيون على حد سواء في بيانات الحكومة. من بين هؤلاء محمد بركار أوغلو، وهو نائب عن حزب المعارضة الرئيس، حزب الشعب الجمهوري، الذي قال "إن أعضاءً في الحزب الحاكم أيضاً يسخرون من الأرقام المُعلنة."

إن انعدام الثقة بالأرقام التركية لا يقتصر على داخل البلاد، حيث تواجه السلطات التركية طريقًا طويلًا لإعادة بناء الثقة في الاقتصاد بعد أن أدت أخطاء السياسة إلى تراجع احتياطيات العملات الأجنبية والدولرة العام الماضي، وفقًا لوكالة التصنيف الائتماني الدولية فيتش.

وما تتجنب الوزيرة عرضه، هو ما يطرحه الخبراء في الاقتصاد، حيث تقول الباحثة الاقتصادية جلدم أتاباي: "أدت أخطاء السياسة الاقتصادية التركية، التي تضمنت إغراق الاقتصاد بقروض رخيصة والضغط على البنك المركزي لإبقاء أسعار الفائدة عند أقل من معدل التضخم، إلى ارتفاع الأسعار في تركيا إلى حوالي 20 في المئة. كما أدى قرار تحفيز النمو بالقروض منخفضة التكلفة إلى زيادة مديونية المواطنين الأتراك."

وقال البنك المركزي إن الحساب الجاري سجل عجزا قدره 4.1 مليار دولار الشهر الماضي، مما رفع العجز المستمر لمدة 12 شهرا إلى 38 مليار دولار.

ويعاني الحساب الجاري من العجز بعد أن تضررت عائدات السياحة في البلاد بسبب الوباء وتحولت الحكومة إلى الاستهلاك المحلي لتحقيق النمو الاقتصادي.