الاستهانة بسياسات أردوغان تؤدي إلى سوء فهم ماكرون

مُنح الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مهلة نهائية لإعادة النظر في أنشطة البحث التي تجريها تركيا في منطقة البحر المتوسط التي تعتبرها اليونان تجاوزات على أراضيها البحرية ووقف العمليات العسكرية في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​حتى 23 سبتمبر، عندما يعقد الاتحاد الأوروبي قمته الدورية.

كما أن الاتحاد الأوروبي يعد مسودة للعقوبات في حالة استمرار تركيا في أنماطها الحالية التي تصعد التوترات مع اليونان.

ويبدو أن واشنطن توافق. حيث نقل وزير الخارجية الأميركي بومبيو رسالة مفادها أن الطريقة الوحيدة لبدء أي محادثات لخفض التصعيد بين الدولتين هي إذا انسحبت السفن التركية في المنطقة الفرعية وحذت اليونان حذوها. وتهدر كل من أساطيلهم البحرية التي تبحر في منطقة النزاع الطاقة والمال؛ حيث يكلف الأمر اليونان حوالي 3-4 ملايين يورو يوميًا، وفقًا لزميل يوناني.

لكن تركيا هي التي تشعر بالضيق، لا سيما بعد أن دخل أردوغان في عزلة عميقة. وحتى جامعة الدول العربية بأكملها تركت حكومته لوحدها، واتهمت إدارة أردوغان بأنها توسعية وانقسامية في الشرق الأوسط وطالبت قواته بالانسحاب من سوريا والعراق وليبيا.

ومع إسرائيل لم يتبق شيء من الحوار الحضاري.

إن هيكل السلطة الحالي في أنقرة - مزيج من الإسلاميين، والجهاديين المقنعين، والأورآسيويين المتشددين، والقوميين المتطرفين، ومجموعة كبيرة من المغامرين العسكريين والانتهازيين السياسيين – يعكس مشهداً غريبًا: وهو أنه كلما زاد تحديهم للقانون الدولي والنظام العالمي، كلما أصبحوا أكثر عزلة.

تنبع مشاكل تركيا من أسلوب أردوغان في إدارة السياسة، بعد أن أخذ جميع مؤسسات الدولة تحت سيطرته الشخصية، عن طريق إقالة الموظفين المؤهلين، واستبدالهم بموظفين حزبيين ومخلصين وغير مؤهلين.

وأصبح معقل وزارة الخارجية التركية هو الأكثر تضرراً، والذي كان يحظى باحترام تقليدي. لكنه الآن أصبح معقلاً تبخر منه المنطق المؤسسي وطريقة العمل الحضارية وما يقرب من 160 عامًا من النشاط الدبلوماسي الجيد.

وفي الوقت الحاضر، لا تعد بيانات الوزارة أكثر من مجرد نصوص خطيرة وشاجبة للحكومات التي لا تتفق مع تركيا.

لكن السؤال الذي يشغل بال الجميع الآن، لا سيما داخل الاتحاد الأوروبي: هو هل ستتراجع حكومة أردوغان عن نزاع شرق البحر المتوسط؟

حتى الآن، كانت اللعبة التكتيكية التي لعبها الرئيس التركي هي دق إسفين كبير قدر الإمكان داخل الاتحاد الأوروبي، وكذلك داخل الناتو. ثم اختبر اللعبة مع ليبيا - لكن دون نجاح ملموس. وتصرفت إيطاليا بشكل متذبذب، وبدت مالطا متذبذبة كذلك، ولكن عندما التقى اتحاد دول جنوب أوروبا مؤخرًا في كورسيكا، بدا كل شيء موحدًا مرة أخرى من خلال الفهم المشترك بأن الإجراءات الحازمة لتركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​غير مقبولة ويجب مواجهتها بحزم.

والآن، لا يسع أردوغان إلا أن يأمل في جهود الوساطة الألمانية لإنهاء النزاع مع اليونان. ومن أجل عدم إتاحة هذه السابقة الخطيرة لروسيا - التي تتجه أعينها إلى دول البلطيق - قررت المستشارة أنجيلا ميركل احترام معاهدة لشبونة التي تفرض دفاعًا مشتركًا عن حدود الاتحاد الأوروبي وأراضيه.

وهذا يضع أردوغان في موقف حرج للغاية، مما يدفعه إلى الإدراك بأنه قد لا يستطيع تمديد تكتيكاته الخلافية التوسعية مع الاتحاد الأوروبي بعد الآن، لا سيما بالنظر إلى حقيقة أن باريس يبدو أنها قررت استراتيجية جديدة لتركيا: وهي توحيد الأعضاء داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ضد تهديد استقرار المنطقة.

وهناك بعض الالتباس حول الموقف الفرنسي هنا، حيث هناك بعض المعارضين لسياسة ماكرون، والبعض الآخر ممن ينحرفون بشكل متعمد عما تدور حوله قلب القضية.

بعض المنتقدين الأجانب لديهم حساسية من موقف ماكرون الحازم تجاه أردوغان، ويبدو أنهم يتجاهلون قضية أنه في ظل غياب القيادة الأميركية في المنطقة، فإن المهم هو القوة الأخرى التي تملأ الفراغ - روسيا أو عضو آخر في الناتو (يعلم الجميع أن الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط ​​لا يملكان رفاهية ملئ أي فراغ).

ومن الناحية الموضوعية، هذا ما تفعله فرنسا الآن، مهما كانت عواقبه. ومن العجيب أن  منتقدي ماكرون الحاليين لا يرون الخطر في الخيارات المتقلبة تمامًا لرئيس أميركا، دونالد ترامب.

وفي حالة التحليل العقلاني للسبب والنتيجة فيما يحدث المنطقة، نجد أن الخطر الحقيقي تشكله تركيا، أو بعبارة أخرى، أردوغان نفسه، وهذا ما يعرفه معظم الأوروبيين الغربيين، لكنهم يتحدثون فقط "حول" الأمر.

ويسلط، باتريك وينتور، من صحيفة الغارديان الضوء على هذا في تحليل إخباري نُشر مؤخرًا، يقتبس في ما قاله جاك أتالي، مستشار الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران "علينا أن نستمع إلى ما تقوله تركيا، ونأخذ الأمر على محمل الجد وأن نكون مستعدين للعمل بكل الوسائل. إذا كان أسلافنا قد أخذوا خطابات هتلر على محمل الجد من عام 1933 إلى عام 1936، لكان بإمكانهم منع هذا الوحش من تجميع الوسائل لفعل ما فعله".

ويستشهد وينتور أيضًا بالمبعوث الفرنسي للأمم المتحدة، جيرار أرو، الذي وضع مؤخرًا أنماط القوة الإقليمية لتركيا في سياق تاريخي "روسيا والصين وتركيا قوى تعديلية لا تقبل الوضع الراهن على أساس نظام عالمي حدده الغرب إلى حد كبير في عام 1945 و 1991. هذه الدول تشجعت بناءاً على توازن القوى العالمي الجديد وسياسة الولايات المتحدة. ولكن أين ستتوقف طموحاتهم؟ وماذا يجب أن يفعل الأوروبيون؟".

ويدخل السؤال الأخير الذي يطرحه أرو في الواقع في قلب المعضلة. حيث إذا تمكن أردوغان من تحويل تركيا - مع الخراب المؤسسي في مرأى من الجميع وسلوكها البلطجي - إلى دولة شريرة تحت شعار "عظمة" الإسلاميين التركيين، فما الدروس المستفادة من الثلاثينيات التي يجب أن نطبقها على مثل هذا السيناريو؟

هل نحتاج إلى فرانكنشتاين آخر، كما يتساءل بعض الناس، لهدم الهياكل الديمقراطية والقانونية الهشة للاتحاد الأوروبي وخارجه من خلال تصدير الجهاد من داخل قطاعات المهاجرين الأتراك وحشد خط مدمر ضد أوروبا؟

يبدو أن فرنسا وجدت إجابة، أما الآخرون فإما يكافحون أو يختارون البقاء في حالة اللامبالاة الخطيرة هذه، أو، مثل إسبانيا وإيطاليا، تظل عالقة في التفكير القديم بأن مصالح الملفات المالية والدفاعية والطاقة يجب أن تأخذ الأولوية، بغض النظر عن مدى تهديد استبداد أردوغان.

لكن قد نتساءل، هل نحن حقًا قريبون من الدخول في حالة حرب؟

نعم و لا.

ما نراه في البحر الأبيض المتوسط ​​هو مواجهة بين مجموعة من الديمقراطيات وغير الديمقراطيات - مع تركيا في مقدمة التصعيد، تليها مصر واليونان وفرنسا كقوى رد الفعل. لا تقدم وجهة النظر هذه أملًا كبيرًا في التهدئة.

وعلى عكس ما يُزعم في العدد الأخير من مجلة "إيكونوميست"، لم يعد أردوغان يحظى باحترام كبير، ولا حتى داخل العالم الإسلامي لأن العظمة ببساطة لا يمكن أن تتحقق أبدًا مع اقتصاد فاشل. ويبقى أردوغان الآن في أشد حالات الوحدة، ومن حيث الدعم الخارجي، تظل يداه مقيدتين.

وهذا خطير للغاية في حد ذاته. حيث بعد محاصرته، ينتقل أردوغان الآن إلى مرحلة مختلفة من خلال تعليقه الآمال على تحرك اليونان العسكري – من خلال حادثة مع السفن التركية، على سبيل المثال - من شأنها أن تخلق ذريعة له لإطلاق العنان للرد العسكري.

ويعتقد أردوغان أن هذا سيكون مفيدًا لصورته المحلية الباهتة، وسيجدد صورته كقائد أعلى للقوات المسلحة، مما سيساعد في زيادة دعم المعارضة الرئيسية (التي أعلنت بالفعل أنها "تقف وراء الحكومة")، ومن ثم يعيد فرض سيطرة أعمق على الجيش. لذلك، من المنطقي ألا يخفف التوترات في منطقة البحار المفتوحة.

ومع ذلك، فإن "السيطرة على الجيش" يعد بُعداً مخادعاً. حيث من المعروف أن أضعف نقطة لدى أردوغان هي تصوره المشوه للشؤون العالمية والعلاقات الدولية المعقدة وكيف ستحقق سياسة تركيا الخارجية مفهوم "العظمة". يرى أردوغان كل هذه القضايا كلعبة مصارعة بسيطة من أجل "بقاء الأصلح".

وبالنظر إلى التسلسل الزمني لكيفية اندلاع النزاع بين اليونان وتركيا فجأة، نجد أنه هناك ما يكفي من البيانات وسبب قوي للاعتقاد بأن أردوغان قد تم اقناعه من قبل بعض الأدميرالات المعادين لحلف شمال الأطلسي والغرب بشأن عقيدتهم البحرية الجريئة، "الوطن الأزرق".

وبعد إضعافه محليًا بسبب تحركاته غير المنتظمة في سوريا، وفي ليبيا كذلك، قرر أردوغان أن يراهن على هذه العقيدة، متجاهلاً بُعد المفاوضات المستمرة مع أثينا.

وعندما تم جر أردوغان إلى المياه العاصفة لعقيدة "الوطن الأزرق"، ربما وجد نفسه عالقًا في تيار لا يمكنه السيطرة عليه. وقد يكون السبب ببساطة هو أن الرئيس قد يكون قد خُدع من قبل شريحة من الجيش التركي تستاء بشدة من سياساته الإسلامية، وتوصل إلى نقطة لا يمكنه التراجع منها.

وإذا فعل ذلك الآن، فسوف يخسر أكثر في الداخل. لذلك يتوجب عليه الآن، مثل راكب الدراجة، أن يستمر في الضغط على البدّال حتى لا يتعثر، لكن المسار محفوف بالمخاطر وخطير للغاية بالنسبة لتركيا. وفي حالة حدوث فشل كبير، قد لا يظل حول أردوغان أحداً يمكنه إلقاء اللوم عليه. لذلك يمكننا القول بأن المأزق الحالي يخبرنا أن أردوغان يقترب من حافة الهاوية ويجر البلد بأسرها معه.

وفي غضون ذلك، يتخذ جميع الحلفاء السابقين لتركيا في الغرب، بما في ذلك فرنسا، الاحتياطات ويختارون الانتظار لما بعد الموعد النهائي في 23-24 سبتمبر. فهم يعلمون جميعًا أن التغيير الحقيقي للعبة قد يأتي إذا فاز جو بايدن في الانتخابات الأميركية المقبلة.

لكن ماذا لو لم يفز؟

نظرًا لخوف الغرب من روسيا، أكثر من تركيا، نجد أن "الاحتياطات" الحالية في شرق البحر المتوسط منطقية تماماً.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/eastern-mediterranean/how-underestimating-erdogans-policies-lead-misreading-macrons-response?language_content_entity=en
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.