Burak Tuygan
مايو 18 2019

الإطاحة بالبشير تطرد أردوغان من السودان، الحديقة الخلفية لمصر

 

في السودان حكم عمر حسن البشير البلاد لمدة 30 عامًا وأُطيح به نتيجة انقلاب عسكري في 11 أبريل الماضي، وعلى إثر ذلك تحولت الأنظار إلى العلاقات التركية السودانية، والكيفية التي ستتطور من خلالها لاحقًا؟
ولا سيما أن السودان كانت تشكل، إلى جانب كل من ليبيا وحماس (غزة)، واحدة من أهم ركائز استراتيجية حصار تركيا لمصر أكبر منافس لها في العالم العربي.
إلا أنه في ظل الانقلاب الذي حدث في وقت غير متوقع استولى على إثره المجلس العسكري على السلطة في البلاد، أصبح الأمر أكثر غموضًا سيَّما إثر إصدار المجلس العسكري إنذارًا لتركيا بإخلاء جزيرة سواكن بحلول 26 مايو الجاري.
لكن عجز المجلس العسكري في السودان عن التوصل إلى اتفاق مع المتظاهرين الذين أطاحوا بالبشير حول عملية الانتقال إلى حكم مدني، قد يزيد من الآمال في تركيا بأن تستمر الاتفاقيات التي أبرمتها مع البشير.
أما في حال استطاع المجلس العسكري في السودان تحقيق حالة من الوحدة في الحكم كما حدث في مصر، فإنه من المتوقع ألًا ينظر إلى تركيا باهتمام كبير من قبل رئيس المجلس العسكري السوداني عبد الفتاح البرهان المعروف بعلاقاته الوطيدة مع مصر.
ولكي يتسنى فهم ما إذا كانت تركيا سوف تستطيع البقاء في السودان أم لا، يجب بالدرجة الأولى دراسة العلاقات المصرية السودانية قليلًا.
ليس من الممكن فهم السودان دون معرفة مصر. وخاصة في ظل وجود نهر النيل الذي يمثل مسألة حياة أو موت بالنسبة لمصر. ولذلك فإن تحليل التطورات الجارية في السودان تحليلًا جيدًا يزداد صعوبةً، لا سيما إذا ما أضيف إلى ما تقدم العملية التي أطلقها مؤخرًا اللواء خليفة حفتر المدعوم من مصر في ليبيا ضد حكومة طرابلس المدعومة من تركيا، والحرب في اليمن، والحصار الذي تفرضه دول الخليج العربي ومصر على قطر، ومحاولة تنفيذ انقلاب في قطر، والتقارب الأثيوبي-السوادني.
السودان الدولة العربية الأفقر إلى جانب اليمن ضمن 22 دولة عربية (باستثناء 3 دول غير عربية ولكنها عضو بالجامعة العربية هي: الصومال وجزر القمر وجيبوتي) فقدت ما يقرب من ثلثي دخلها تزامنًا مع انفصال جنوب السودان عنها، والذي يمتلك موارد نفطية غنية. كما أن معدل الفقر المتزايد بسرعة في البلاد نتيجة لتأثير الثورات المستمرة في دارفور قد دفع البشير إلى البحث عن طرق مختلفة من أجل البقاء في الحكم.
فالبشير الذي حقق مساعدات اقتصادية تبلغ نحو 3 مليار دولار عبر التقارب مع قطر المنافس للثلاثي: مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، بدأ بسرعة في إقامة علاقات مع تركيا كنتيجة طبيعية لهذا التقارب. ومن خلال الزيارة التي أجراها أردوغان إلى الخرطوم نهاية عام 2017 بلغت العلاقات بين البلدين ذروتها تقريبًا، وقد أثار إعلان البشير خلال هذه الزيارة أنه سيمنح جزيرة سواكن التاريخية إلى تركيا لاستخدامها في أغراض اقتصادية وعسكرية قلقًا عميقًا في العديد من الدول العربية وعلى رأسها مصر.
وكان ترسيخ دور تركيا في السودان سيعني بالنسبة للدول العربية قَطَرًا ثانية تعاني منها؛ فقد طلب أمير قطر المساعدات العسكرية والاقتصادية من تركيا في مواجهة مصر والسعودية والإمارات التي هدفت إلى الإطاحة بالحكم في قطر عام 2017. وعبر استجابة تركيا لهذا المطلب تمت الحيلولة دون حدوث انقلاب محتمل.
وفي مقابل هذه المساعدات أقامت تركيا قاعدة عسكرية لها في قطر، واستقرت بالمنطقة.
وكان حدوث موقف مماثل لذلك في السودان يعني ضربة كبيرة للهيمنة التي تريد تلك الدول العربية الثلاثة إقامتها في المنطقة.
أما الأهمية الثانية التي تشكلها السودان بالنسبة لمصر فتكمن في الخلاف المستمر حول مثلث حلايب وشلاتين. فهذه الأرض التي تبلغ مساحتها 20 ألف كيلو متر مربع تقع على حافة البحر الأحمر، وتزعم كلا الدولتين أحقيتها بها، تخضع للسيطرة المصرية بصورة فعلية. أما السودان فإنها تصف ذلك بالاحتلال.
إن السيطرة على السودان التي تعتبر امتدادًَا لمصر التاريخية يساوي بالنسبة للقاهرة ضمان استخدام مياه النيل. وبموجب الاتفاقيات التي عقدت بشأن النيل إبان فترة حكم الاحتلال الإنجليزي مُنحت مصر حق استخدام ما يقربُ من 70 بالمائة من مياه النيل.
لكن حصول السودان على استقلالها وتزايد قوة إثيوبيا دولة المنبع بالنسبة للنيل مع مرور الزمن عمّق من حجم الخلافات حول مياه النيل؛ فمصر ترى أقلَّ تخفيض لحصتها في مياه النيل، والذي يُقدم كمثال على حروب المياه المحتملة في المستقبل، خطرًا كبيرًا على أمنها، ولا تريد للسودان أن تتحرك سويًا مع إثيوبيا.
ومن ثمَّ فإن إقامة تركيا علاقات دافئة مع السودان وإثيوبيا كليهما جعل مصر تتخوف من أن تستخدم تركيا مياه النيل كسلاح ضدها.
بالإضافة إلى ذلك فإنه بينما تدعم السودان مع تركيا وقطر سويًا حكومة طرابلس خلال الحرب الأهلية في ليبيا أدت مشاركة مجموعات متمردة من دارفور، والتي تحارب ضد حكومة الخرطوم، ضمن قوات خليفة حفتر المدعوم من مصر إلى حدوث أزمة في العلاقات الثنائية بين البلدين أيضًا.
كما أن تكوين أردوغان صورة ذهنية توحي بأنه يسير على خطى الدولة العثمانية (على غرار استخدام جزيرة سواكن كقاعدة مهمة من قبل الدولة العثمانية) بينما يُطوّر علاقاته بالمنطقة العربية كما هو الحال في النموذج السوادني قد خلق قلقًا واستياءً بالغًا بين العرب؛ حيث تصف العديد من الدول العربية الدولة العثمانية بأنها كانت مُحتَلَّةً لها.
ومهما كان هناك من كابوس اقتصادي في منطقة الشرق الأوسط حيث تتغير التوازنات يوميًا ويُعاد خلط الأوراق من جديد إلا أن السودان يظل فاعلًا مهمًا جدًا.
إن السودان يتمتع بأهمية مصيرية بالنسبة لمصر والمملكة العربية السعودية الفاعل القوي في المنطقة، بدءًا من البحر الأحمر إلى النيل، ومن الصراع في ليبيا إلى الأزمة اليمنية.
لذلك فإن تحكم هذين البلدين في السودان وبدعم مادي من الإمارات أيضًا يرعى استراتيجية طرد تركيا وقطر الجهتين الإقليميتين الفاعلتين الأخريين.
وعندما نقرأ الانقلاب الذي حدث في السودان في ضوء كل هذه التطورات يصبح المشهد أوضح قليلًا.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/turkiye-sudan/turkiye-misirin-arka-bahcesi-sudandan-kovuluyor-mu