Ergun Babahan
أغسطس 23 2019

الأتراك على محك الديمقراطية والقانون لإنصاف الأكراد

فعل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، رئيس حزب العدالة والتنمية، الحاكم، وفريقه، ما كان متوقعًا منهم، حيث قاموا بعزل رؤساء ثلاث بلديات كردية كانوا قد فازوا في الانتخابات المحلية الأخيرة بفارق كبير عن منافسيهم، وتم تعيين ثلاث أوصياء على تلك البلديات خلفًا لهم. وهذه الخطوة كما أكد الجميع، تعتبر بمثابة إعلان إفلاس نظام يصف نفسه بالديمقراطي. والأكثر خطورة من ذلك، هو ميل ذلك النظام إلى حل القضية الكردية التي تعتبر القضية الرئيسية لتركيا، عن طريق اللجوء للعنف، وليس من خلال القانون والديمقراطية.

ولا شك أن القضية الكردية تعتبر اليوم أكثر قضية تؤرق مضجع تركيا التي تشهد حاليًا انتهاكًا للديمقراطية، والقانون، والأخلاق، وتُمتهن فيها كافة القيم الإنسانية باسم "بقاء الدولة". المجتمع التركي سلم نفسه لقذائف وسائل إعلام النظام ذات التوجه الواحد، التي بدأت تقنعهم بأن كل من يعارض نظام أردوغان، إرهابيون، بل المجتمع بات متلهفًا لذلك، ولديه رغبة في سماع مثل هذه االاتهامات.

ومن الجدير بالذكر أن المجتمع التركي الذي كثيرًا ما دأب على أن تكون له ردود فعل غاضبة ضد النظام الحاكم، لكنها ردود فعل اختياريه تظهر حينما يتعلق الأمر بمسألة تخصه كالبيئة والاقتصاد وكذلك الانتخابات، لكن من الملفت والمثير للانتباه أن هذا المجتمع يفضل تجاهل الأكراد، وما يتعرضون له من ظلم بيّن. ففي الوقت الذي قامت فيه القيامة ولم تقعد؛ رفضًا لقيام نظام الرئيس، رجب طيب أردوغان، بقطع 195 ألف شجرة من أجل مشروع منجم الذهب الذي يتم إنشاؤه على المصدر الوحيد للمياه بولاية "جناق قلعة"، نجد على الجانب الآخر الجميع يلوذون بالصمت عندما يتعلق الأمر بمدينة "حسن كيف" الواقعة في ولاية باطمان جنوب شرقي تركيا على ضفاف نهر دجلة، إذ من المحتمل أن تختفي المدينة خلال الأشهر المقبلة تحت مياه بحيرة اصطناعية بسبب بناء سد "إليسو" لتوليد الكهرباء على النهر، ويلوذون كذلك بالصمت حيال قتل الطبيعة في منطقة "درسيم" الكردية بولاية تونجلي.

وكما نتذكر جميعًا، كان لقرار إلغاء الاقتراع على منصب رئيس بلدية إسطنبول الكبرى، وإعادته مرة ثانية ردود فعل غاضبة في صفوف الأتراك، لكن القرار الأخير غير القانوني الذي تم اتخاذه يوم الاثنين الماضي، وعزل بموجبه 3 رؤساء بلديات كردية كانوا قد حصلو على نسبة 60% وأكثر من الأصوات، لم يحصل على نفس ردة الفعل اللازمة.

وبالطبع هذه الازدواجية أمر طبيعي في ظل وجود عقلية تكرر نفس عار "إبادة الأرمن 1915"، وتجر البلاد إلى كارثة جديدة. فها هي الدولة نراها قد دخلت حرب احتمالات الفوز بها مستحيلة، وذلك يتضح لنا من خلال احتلالها أجزاء من أراضيها (في إشارة للمناطق الكردية)، وقصفها بين الحين والآخر، وإعلان سكانها عناصر إرهابية.

وبمثل هذه التصرفات (في إشارة لعزل رؤساء البلديات) يريد النظام الحاكم أن يوجه رسالة لشباب المنطقة الكردية مفادها "الصندوق الانتخابي، والديمقراطية ليسا الحل، الأفضل هو الصعود للجبل (من أجل الانضمام للتنظيمات المسلحة)". كما لا يخفى على الجميع أن الإصرار على الحرب يكلف الدولة خسائر كبيرة ويجرها للانهيار.

والعقلية التي أوصلت تركيا لهذه النقطة نعرفها جميعًا، فهي العقلية التي وصلت في علاقاتها مع روسيا والولايات المتحدة الأميركية إلى مشارف الحرب. وخير مثال على ذلك قيام روسيا مؤخرًا بقصف الجهاديين الذين تسعى تركيا لجرهم إلى الجبهة في مدينة إدلب السورية. وردًا على القصف اضطرت أنقرة لتبني رد فعل تافه لا يذكر.

في نفس السياق نرى في شرق الفرات أن الموقف الأميركي جعل من إمكانية التدخل العسكري هناك أمرًا مستحيلًا. ولعل بدء تنظيم "داعش" الإرهابي في الظهور من جديد في المنطقة الممتدة من أفغانستان إلى نيجيريا، لأمر يؤكد لنا مجددًا أهمية استقرار سوريا.

أما في العراق فلا زال الغموض يلف مسار وعواقب "عملية المخلب" التي أطلقتها القوات التركية بوقت سابق محدثة جلبة كبيرة. ولقد دب الذعر في العاصمة أنقرة جرّاء الجهود التي تقوم بها الحكومة المركزية في بغداد لتأمين الحدود بالتعاون مع قوات "البيشمركة". ومن ثم من غير المعلوم كيف سيكون مصير نقاط المراقبة التركية الموجودة هناك، لا سيما أننا بتنا على مشارف موسم الشتاء.

تركيا تبدو حاليًا وكأنها قررت دخول الحرب واثقة فيما تراه تفوقًا تكنولوجيًا لديها؛ لكن في المنطقة الجغرافية الممتدة من اليمن وحتى ليبيا لا يرى أحد هناك ذلك التطور الكبير الذي أظهرته أنقرة في تكنولوجيا الطائرات المسيرة. وإنه لمن السذاجة الاعتقاد بأن هذا التفوق سيستمر للأبد وبشكل أحادي.

هذه الحرب، تزامنت مع دعوة الزعيم الكردي عبد الله أوجلان للسلام، ومع التحركات التي انطلقت مؤخرًا بقيادة نائب رئيس الوزراء التركي الأسبق، على باباجان؛ لتأسيس حزب سياسي جديد. والدراسات الميدانية المختلفة تؤكد أن نسبة الأصوات المحتملة التي سيحصل عليها هذا الحزب الجديد حال خوضه أي انتخابات ستكون 20 في المئة على الأقل. والأهم من ذلك هو أن الكوادر التي تسعى لتأسيس ذلك الحزب من الشخصيات التي تولي أهمية كبيرة لحل القضية الكردية عبر الحوار والمفاوضات.

في الصدد ذاته يمكننا تقييم معارضة الرئيس السابق للبلاد، عبد الله غول، لقرار عزل رؤساء البلديات، على أنه موقف بالغ الأهمية والقيمة. وهذا الموقف إن دل على شيء فإنما يدل على شخصية كانت في يوم من الأيام على رأس الدولة، وتمثل وحدتها واتحادها. ويبين كذلك هذا الموقف أن العقلية الأمنية لم تكن هي المسيطرة على تركيا باستمرار.

وفي ظل هذه الأجواء الفوضوية فإن المعارضة ملزمة بتوجيه المجتمع واخذ يده للوجهة الصحيحة، وأول شيء يجب فعله في هذا الصدد، هو دعم الديمقراطية والقانون والذود عنهما. وكذلك على المعارضة أن تقوم بتوعية الشعب وجعلهم يرفعون صوتهم رفضًا لعمليات اختطاف الناس وتعذيبهم، ورفضًا لمعاملة الأكراد كإرهابيين. يجب أن نخبر المجتمع دون خوف أو كلل، أن الدفاع عن الحقوق والقانون، والكرامة الإنسانية، والالتقاء على قيم مشتركة ليس إرهابًا.

وكما يعلم الجميع فإن الشعب الكردي في الانتخابات المحلية الأخيرة، لعب دورًا كبيرًا في مواجهة النظام الشمولي من خلال دعمه لمرشحي المعارضة في كافة الولايات الكبرى. والآن جاء الدور على الأتراك. والأهم أن يفعل الأتراك هذا من قبيل احترامهم لإرادة الأكراد، والديمقراطية، وليس خوفًا من أنهم (أي الأكراد) في الغد القريب سيسيطرون على أنقرة أو إسطنبول كما يتم الترويج له.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/kurtler/turklerin-demokrasi-ve-hukukla-sinavi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.