الأتراك يدفعون ثمن غرور أردوغان ومُكابرته

 

باريس / عبدالناصر نهار - يتمثل أحد بواعث القلق الرئيسة اليوم في تركيا، وهي تقع تحت صدمة فيروس كورونا غير المُفاجئة، في تكرار أخطاء النموذج الإيطالي القاتل ومُكابرة وغرور الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان الذي منح مواطنيه اطمئناناً زائفاً سرعان ما تبيّن حقيقته المُرّة، مُحاولاً من جديد أن يستغلّ أزمة بلاده لإحكام قبضته أكثر على السلطة، على غرار ما حدث في أعقاب مُحاولة الانقلاب صيف 2016، حتى وإن خرج بعد الأزمة الحالية بشرعية أقل بكثير وشعبية هي الأدنى منذ وصوله للحُكم.
وكغيرهم من الشعوب في شتى أنحاء العالم، يُواجه الأتراك اليوم أحد أكبر التحدّيات في تاريخهم الحديث، وسط توقعات وكالات التصنيف الائتماني الدولية بأن يكون الاقتصاد التركي الأكثر تضرّراً بسبب جائحة فيروس كورونا بين اقتصادات مجموعة الدول العشرين الصناعية، وهو ما من شأنه أن يعكس سيناريو مظلماً للغاية لمستقبل تركيا في ظلّ أزمة اقتصادية مُتصاعدة.
وبعد إنكار مُتواصل على مدى أسابيع ورفض للتحذيرات الداخلية والأممية، اعترفت وزارة الصحة التركية في السابع عشر من مارس الجاري بأولى حالات الإصابة بفيروس كورونا، لتصل أعداد المُصابين خلال 10 أيام فقط إلى حوالي 6000 مُصاب، في إحدى أكبر نسب التسارع التي شهدها العالم، بينما يؤكد علماء وخبراء أتراك ودوليون أنّ كورونا بات يضرب بالفعل تركيا بشكل أقوى من إيطاليا.
وتجاوزت وتيرة العدوى في تركيا نظيرتها في كثير من الدول الأخرى خلال الأسبوعين الماضيين بتسجيل نحو 2100 حالة جديدة خلال 24 ساعة وفق ما ذكره وزير الصحة مساء الجمعة.
وفي أعقاب التسارع غير المسبوق بعدد الإصابات، أعلن وزير الداخلية التركي الجمعة فرض حجر على 12 منطقة في إجراء يهدف للحد من انتشار فيروس كورونا المُستجد.
وفي وعد زائف جديد لا يستند إلى الحقائق العلمية والطبية الحالية في العالم، كان الرئيس التركي قال، الخميس، إنّ تركيا سوف تتغلب على تفشي فيروس كورونا خلال أسبوعين أو ثلاثة أسابيع من خلال الإجراءات الجيدة مع الحدّ من الأضرار إلى أقل حد ممكن، فيما مددت أنقرة إغلاق المدارس، الذي جاء مُتأخراً جداً، حتى 30 أبريل القادم.
وحذّر خبراء في جامعة هارفارد من أنّ الأرقام الحالية تُشير إلى أنّ تركيا تسير على خُطى إيطاليا في سرعة انتشار فيروس كورونا، خاصة وأن الكثير من الأشخاص غير مُدركين بعد لخطر تسونامي الفيروس الذي ينتظرهم فيما لو لم يتم اتخاذ المزيد من الإجراءات المُشدّدة.
وهذا ما أكده أيضا البروفيسور مايكل تانشوم، زميل في المعهد النمساوي للسياسة الأوروبية والأمنية في فيينا، من أنّ مُعدّل زيادة عدد حالات الإصابة في تركيا مثير للقلق، وقال "ستحدد الأيام القليلة المقبلة ما إذا كانت تركيا تتبع النمط الأوروبي الغربي".
ومما فاقم من المأساة الحالية في تركيا، عدم تقديم أردوغان وسائر المسؤولين الأتراك للمعلومات الحقيقية الدقيقة عن تفشّي المرض، ومُحاولة الحكومة إخفاء نتائج التشخيص مُنذ فبراير الماضي واعتقال ما يزيد عن 300 شخص حاولوا إظهار الحقائق عبر وسائل التواصل الاجتماعي للتحذير من كارثة حقيقية كان من المُمكن تجنّبها.

 

نموذج الإمارات وسنغافورة
وبينما شهدت العديد من دول العالم التي تأخرت في إجراءات المواجهة والوقاية، اتّساع بؤرة خطر انتشار فيروس كورونا مما أثّر سلباً على حياة مواطنيها وعلى اقتصادها ومُجتمعها، نجحت عدّة دول في السيطرة بدرجة كبيرة على رقعة انتشار المرض على أراضيها.
وفي ظل هذه الأزمة غير المسبوقة حيث لكل ساعة ودقيقة ثمنها وأهميتها، تبدو الإجراءات التي تتخذها السلطات التركية اليوم، مُتأخرة بفارق زمني يُعادل 3 أسابيع على الأقل عمّا تمّ اتخاذه من خطوات استباقية في دول أخرى كالإمارات وسنغافورة، حيث نجحت الدولتان في تضييق مساحة انتشار فيروس كورونا إلى أقصى حدّ ممكن، ولم تُسجّل في أيّ منهما لغاية اليوم سوى حالتي وفاة بالفيروس في كلّ دولة، وذلك بفضل الشفافية الحكومية والاستعدادات المُبكّرة في القطاع الصحي على وجه الخصوص.
واتخذت دولة الإمارات إجراءات احترازية ووقائية استباقية فاعلة للحدّ من انتشار فيروس كورونا المُستجد، وفقاً لأعلى المعايير الصحية العالمية، وتبنّت استراتيجية متكاملة أثبتت نجاحها في المحافظة على أداء جميع القطاعات بمنأى عن التأثيرات السلبية، وشكّل تضافر جهود جميع الجهات في الدولة والوعي المُجتمعي خط الدفاع الأول في تحصين وسلامة المجتمع.
وعزّزت حملة تعقيم واسعة النطاق أطلقتها السلطات الإماراتية مساء الخميس تحت عنوان "برنامج التعقيم الوطني" لتطال المرافق العامة والخاصة والشوارع ووسائل النقل العام في مختلف أنحاء الدولة، حالة الشعور بالأمان في البلد الذي نجح في اتخاذ خطوات استباقية ووظف إمكانات لوجستية واقتصادية ضخمة في مواجهة فيروس كورونا.
وعلى غرار الإمارات، اتخذت سنغافورة التي استعدت مُبكراً وبكفاءة عالية، إجراءات صارمة حيث باتت السلطات تُهدّد بالسجن ستة أشهر لمن لا يحترم مسافة الأمان المفروضة بين الأشخاص.
وخصصت سنغافورة 38 مليار دولار أميركي لمواجهة موجة الركود المحتملة، التي سوف تنتج عن تفشي فيروس كورونا. واقترح وزير المالية أن تنفق سنغافورة، صاحبة المرتبة الرابعة من حيث أعلى إجمالي ناتج محلي للفرد وفقا لتصنيف صندوق النقد الدولي، نحو 11% من الناتج المحلي الإجمالي لمواجهة الأزمة.
بالمقابل أعلنت تركيا اليوم السبت فقط عن إيقاف جميع القطارات بين المدن وقللت عدد رحلات الطيران الداخلية ضمن تدابير لاحتواء تفشي فيروس كورونا سريع الانتشار، وذلك بعدما قفز عدد الإصابات في البلاد بواقع الثلث في يوم واحد إلى 5698 وزاد عدد الوفيات إلى 92.
وكان الرئيس رجب طيب أردوغان دعا أمس الجمعة إلى "حجر صحي طوعي" يبقى بموجبه الأتراك في منازلهم باستثناء التسوق أو للاحتياجات الأساسية. وأعلن أردوغان إجراءات جديدة لاحتواء الفيروس، قائلا إنه تقرر وقف جميع رحلات الطيران الدولية وأن يكون السفر بين المدن خاضعا لموافقة حكام الأقاليم.
وقالت هيئة السكك الحديدية الحكومية التركية إن جميع القطارات بين المدن توقفت اعتبارا من اليوم السبت وحتى إشعار آخر.
وكان الكاتب في "أحوال تركية" دايفيد ليبسكا، نقل في تقرير له، عن ستيفن أيه. كوك، كبير الباحثين في شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجلس العلاقات الخارجية بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، قوله إنّ تفشي المرض في تركيا بدأ قبل أن يتم الإفصاح عنه علناً.
واتفق معه أيكان إردمير، مدير برنامج تركيا في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، على أن المسؤولين الأتراك ربما يكونون قد تحايلوا على الأرقام عند ظهور فيروس كورونا لأول مرة.
وقال لموقع "أحوال تركية": "ربما بدأ التستر مبكراً وقد تكون الصورة قاتمة أكثر مما تبدو عليه.. لو استجابت تركيا في وقت سابق، وأكدت حالتها الأولى حينها، واستخدمت ذلك لتطبيق قواعد ولوائح مختلفة أكثر صرامة، أعتقد أن مكافحة فيروس كورونا كان يمكن أن تكون أكثر فعالية".
وبرأي إردمير فإنّ أردوغان يرى الوباء على أنه فرصة لترسيخ حكمه من خلال اتخاذ إجراءات أكثر قسوة لوقف انتشار الفيروس.