الأتراك يفضلون أعمال الخير البعيدة عن السياسة تجنباً للمخاطر

سلّطت المناقشات التي أعقبت زلزالاً مدمراً بقوة 6.8 درجة، وقع في معمورة العزيز في الرابع والعشرين من أكتوبر، الضوء على الكثير من الجوانب المرتبطة بالسياسة والشعب في تركيا.

فقد أطلقت وسائل إعلام وجمعيات خيرية عدداً كبيراً من حملات الإغاثة، في أعقاب الزلزال الذي قتل 41 شخصاً. ويثبت هذا من جديد أن الأتراك يتمتعون بحساسية شديدة تجاه الحالات الإنسانية الطارئة، نظراً لأن تلك القضايا لا تشكّل أي خطر سياسي.

والمفارقة أن الدستور التركي به تصور كامل لهذا السلوك، حيث أن هذا الدستور هو إرث انقلاب عام 1980 والعصبة العسكرية الحاكمة التي أفرزها ذلك الانقلاب.

وينص الدستور التركي في تمهيده على أن "يكون جميع المواطنين الأتراك متحدين على الشرف والفخر الوطني، وفي الفرح والحزن القومي، وفي حقوقهم وواجباتهم تجاه وجودهم كأمة، في المسرات والمضرّات، وفي كل مظهر من مظاهر الحياة الوطنية".

وقد تبدو العلاقة بين ذلك التمهيد وسلوك المجتمع التركي تجاه القضايا الإنسانية شاذة وبعيدة، لكنها تساعدنا على فهم عقلية الدولة التركية في تنظيم جهود تقديم المساعدات في أوقات الحزن الوطني، مثل تلك التي تعقب الزلازل المُميتة.

هذه العقلية تنظر إلى نفسها على أنها القوة التي تقرر من يمكنه المشاركة في جهود تضميد الجراح. نتيجة لذلك، كانت السلطات التركية تنظر لنفسها الأسبوع الماضي على أن لها الحق في رفض المساعدات الإنسانية التي أرسلها حزب الشعوب الديمقراطي ذي الأغلبية الكردية إلى مدينة معمورة العزيز.

لهذا السبب أيضاً وصفت من انتقدوا الحكومة بعد الزلزال بأنهم "خونة" نظراً لأن هذا السلوك لا يتماشى مع مفهوم الوحدة الوطنية الذي يتحدث الدستور عن ضرورة وجوده في أوقات الحزن الوطني.

يطلب الدستور من الناس الـتآلف في الحزن الوطني فقط. ومن ثم، فإن مثل هذه الأُلفة والاتحاد غير ضروريين عندما يموت سجين كان قد اعتُقل بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016، أو عندما تتعلق القضية بمئات الرُضّع الذين ينشأون في السجون.

هذه العقلية تُشرعن عدم الانخراط في أي مشكلة عندما تكون الدولة هي المسؤولة عنها. وبالنسبة للمواطن التركي العادي، فإنه يسعى دائماً إلى أشكال من الإيثار والتضامن اللذين ليس فيهما أي خطر سياسي.

ولدى المواطن التركي شغفٌ بالتبرع لبناء مسجد أو تنظيم دروس في القرآن، أو شراء طوابع الهلال الأحمر، أو الإسهام في نفقات إنشاء مسبح أوليمبي جديد، أو المشاركة في يانصيب الهلال الأخضر. هذه أمثلة ممتازة على العمل الخيري الخالي من المخاطر السياسية، والذي يحبه المجتمع التركي.

يسمح مثل هذا النوع من الإيثار للناس بالانخراط في أعمال مفيدة للمجتمع، من دون إثارة غضب الدولة منهم.

كما أنه يستبعد أشكالاً أخرى من الاستجابة الإنسانية. المواطن التركي العادي يطفئ أضواء منزله عندما تُداهم الشرطة منزل جاره، ويمتنع عن إلقاء التحية على جارته عندما تُفصَل من القطاع العام بقرار حكومي بعد محاولة الانقلاب الفاشلة.

ووصفت الكاتبة اليسارية سيفجي سويسال هذا السلوك وصفاً دقيقاً عندما قصّت ما حدث عندما داهمت الشرطة التركية منزلها في أوائل السبعينيات (المقتبسات من مقال للأكاديمية سيبال يوكلار):

"في اللحظة التالية، التفتُّ بناظري من اليسار إلى اليمين، أبحث عن جار. وقت أن دوهِمت شقّتي، بدت البناية كأنما لا أحد يعيش فيها... جميع الستائر أُغلقت على الفور. جميع أبواب الدخول ظلّت مغلقة حتى انتهت المداهمة. لم ينظر أي شخص حتى من بيت الدرج. الأشخاص الذين كان عليهم أن يخرجوا أجّلوا أشغالهم. كل هذا فقط لأنهم كانوا خائفين من أن أطلب من أحدهم المساعدة، أو أن أطلب منهم ملاذاً".

وبعد مرور 50 عاماً، لم يتغير شيء.

عندما تجد نفسك تحت حطام مبنى سكني منهار، بناه مقاولٌ فاسد، سيكون هناك دائماً أناس يهرعون لمساعدتك ونجدتك. لكن أحداً لن يهتم عندما تجد نفسك في مواجهة نظام ظالم من الشرطة الباطشة والقضاة المنحازين الذين ينتهكون كل ما تنص عليه مدونة السلوك المهني.

هناك إطار أدبي واسع لأشكال العمل الخيري المحايد والبريء. هذا الإطار الأدبي يقول لنا إن جميع أشكال العمل الخيري هي في واقع الأمر سياسية، وإن النظام السياسي وثقافة البلاد يرسمان ملامح هذه الأشكال.

ومن ثم فإن الأتراك يفضلون الشكل الاستبدادي من الإيثار، والذي يستبعد الضحايا الذين قد يتسببون في مخاطر سياسية عليهم إذا ساعدوهم.

أو هم يلجأون إلى وسائل براغماتية من الإيثار، مثل الشركات التي قدمت تبرعات لمؤسسات تابعة للجيش بعد الانقلاب على صعود التيار الإسلامي في عام 1997. هذه الشركات توجّه تبرعاتها اليوم إلى المؤسسات والجمعيات المرتبطة بحكومة حزب العدالة والتنمية.

في الإيثار الاستبدادي، يكون لدى الدولة سلطة أن تقرر ما إذا كان عمل ما يدخل في إطار العمل الخيري أم لا. ومن ثم، فإن العمل الخيري ليس فعلاً مدنياً في الإيثار الاستبدادي. على سبيل المثال، في تركيا اليوم، سيجد أعضاء أي جماعة أو منظمة أنفسهم في السجن إذا حاولوا أن يفعلوا شيئاً غير مضر، مثل جمع ألعاب الأطفال المستعملة لإرسالها إلى الأطفال والرُضَّع القابعين في السجون.

وقبل سنوات عديدة، أعلنت الدولة أن التبرع بجلود الحيوانات للجمعيّات الإسلامية خلال عيد الأضحى جريمة.

وورثت تركيا الحديثة النهج ذاته في الإيثار من الماضي. فضلاً عن ذلك، فإن مواطنيها تبنوا هذا النهج واستوعبوه بالكامل.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-society/turks-prefer-non-risky-apolitical-types-altruism
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.