الأتراك يتطوعون لقمع مستخدمي التواصل الاجتماعي

يقول خبراء أن الكثير من الناس في تركيا يُبلغون السلطات بمنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، التي يعتقدون أنها تشكل ضرراً، وإن العدد المتزايد من حالات الاعتقال نتيجة لتلك البلاغات يؤدي إلى تلاشي حرية التعبير شيئاً فشيئاً، فضلاً عمّا يفرضه من رقابة ذاتية على الناس.

وفي التسعة أشهر الأولى من عام 2018، رصدت السلطات التركية 110 آلاف حساباً مشتبها فيه على مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأت إجراءات قانونية ضد سبعة آلاف شخص بسبب منشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، واعتقلت ألفاً و500 شخص، سجنت منهم 600 في وقت لاحق، وفقاً لما ذكرته صحيفة (يني شفق). وذكرت الصحيفة أن 24 مركزاً لمعالجة البيانات تعمل مع الشرطة لمواجهة الجرائم الإلكترونية من خلال فحص مواقع التواصل الاجتماعي.

وقال كريم ألتيبارماك، وهو محام بارز ومدافع عن قضايا حقوق الإنسان، إن الكثير من مستخدمي خدمة تويتر يقدمون شكاوى ضد صفحات وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي بسهولة، من خلال إرسال إشعارات إلى الحساب الرسمي للشرطة التركية (@EGM) تُشير إلى الحسابات المبلّغ عنها، للفت الانتباه إلى المحتوى الذي يرون أنه يشكل ضرراً.

وأردف قائلاً إن "المشكلة الحقيقية لا تكمن في الشكاوى التي يقدمونها، لكن في حقيقة أن ممثلي الادعاء يأخذون تلك الشكاوى على محمل الجد... وتُتَّخذ بالفعل إجراءات قانونية بشأن تلك الشكاوى. الشرطة تأخذها على محمل الجد، وعندما تفعل ذلك، فإن هذا يشجع المبلغين على الاستمرار".

ويمكن لمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي أن يروا على تويتر توقيت الإبلاغ عنهم. لذا فإن هذا يحقق هدف الردع على الأرجح، حتى إن لم يحدث شيئاً. ويقول ألتيبارماك إن الناس أصبحوا بسبب هذا الوضع يحذرون مما ينشرون على مواقع التواصل الاجتماعي، وإن حرية التعبير باتت مُقيَّدة بصورة أكبر.

وعزز حزب العدالة والتنمية، الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب أردوغان، جهوده الرامية إلى السيطرة على مواقع التواصل الاجتماعي بعد احتجاجات غيزي، التي وقعت في عام 2013، والتي كانت الأكبر من نوعها ضد الحكومة منذ أن وصل الإسلاميون إلى سدة الحكم في عام 2002. واكتسبت الحملة زخماً بعد انهيار عملية السلام مع المتمردين الأكراد في عام 2015، ومحاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في عام 2016.

وقال المحامي باران تشيليك إن السلطات شجّعت أيضاً المبلغين بعد الانقلابَيْن العسكريين اللذين وقعا في عامي 1971 و1980، لكن بات الآن تحول شخص إلى بصّاص (مخبر متطوع) أسهل كثيراً، حيث أن كل ما عليه هو إرسال تغريدة.

وشرعت الحكومة في منح مكافآت للمبلغين عن الجرائم ذات الصلة بالإرهاب في عام 2015. وبعد ذلك بعام، طرحت الحكومة نموذجاً على الإنترنت يسهل على الناس الإبلاغ عن المنشورات التي تنشر على مواقع التواصل الاجتماعي.

وشرحت (يني شفق) لقرّائها كيف يمكنهم تحقيق الاستفادة المُثلى من أدوات الشرطة المتاحة على الإنترنت.

وقالت الصحيفة "لا تنسوا تسجيل الروابط التي تدعم الإرهاب أو تُشيد به على مواقع التواصل الاجتماعي، وإرفاقها في بلاغاتكم. في حالة قيام أحد داعمي الإرهاب بمشاركة منشور وحذفه بعد ذلك، أو إذا حاول بأي شكل من الأشكال حذفه، فلا تنسوا أن تلتقطوا صورة للمنشور وترفقونها ببلاغكم".

وقال تشيليك إن "الناس يتقدمون ببلاغات بشأن أفعال غير جنائية ومواطنين أبرياء، يجدون أنفسهم خلف القضبان بين عشية وضحاها... هذا يُخيف الناس".

وقال حسين بوغتكين، وهو محام أيضاً وعضو في منصة المحامين من أجل الحرية، إن معظم القضايا ذات الصلة بحرية التعبير، التي وردت إليه خلال السنوات الأربع الأخيرة تستند إلى معلومات وبلاغات قدمها هؤلاء البصاصون.

وأشار بوغتكين إلى أن معظم زبائنه، إما أغلقوا حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي أو عطّلوها بعد شكاوى على الإنترنت. أضاف أن "من يستمرون في استخدام حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي يكونون حذرين، حتى من الانتقاد البسيط، بعد تلك البلاغات. وكان مثل هؤلاء قبل ذلك من أشد المعارضين".

وقالت وزارة الداخلية إن 845 شخصاً اعتُقلوا بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تنتقد الهجوم العسكري التركي على مدينة عفرين الواقعة شمال غربي سوريا، والخاضعة لسيطرة الأكراد، في الشهر الأول من أشهر العملية الثلاثة، التي بدأت في يناير العام الماضي.

وتوالت الاعتقالات هذا الشهر في أعقاب الهجوم التركي العابر للحدود على شمال شرقي سوريا، حيث جرى اعتقال نحو مئتي شخص وسجن 34 بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تنتقد العملية العسكرية التي استمرت على مدى تسعة أيام.

بورجو أوزكايا غونايدين كانت من بين الصحفيين الذين اعتُقلوا خلال الهجوم، بعد أن أبلغ شخصٌ السلطات عن منشوراتها على تويتر. وأطلقت محكمةٌ سراحَ غونايدين في وقت لاحق، لكنها فرضت قيوداً على سفرها.

وقالت غونايدين إنها لم تقترف شيئاً سوى أنها نشرت أخباراً نشرتها وسائل إعلام محلية، وإن من أعادوا نشر تلك الأخبار على وسائل التواصل الاجتماعي اعتُقلوا، بينما لم تخضع وسائل الإعلام المحلية تلك للتحقيق.

وأردفت قائلة "لقد وُجّهت إلي حتى تهمة إعادة نشر تقارير صدرت عن وكالة الأنباء التي أعمل بها... الآن عليّ أن أفكر، كيف يمكن أن يكون هذا مأخذاً عليّ".

ووجد نهاد كوتشيت، وهو أكاديمي في مدينة إزمير غربي تركيا، نفسه أيضاً خاضعاً لتحقيقات بشأن منشوراته على تويتر حول الهجوم التركي على سوريا.

وقال كوتشيت "مراقبو الفضاء الإلكتروني هؤلاء هم القوة شبه العسكرية الجديدة في هذا العصر، لكن من المستحيل أن تعرف متى، ومن أين، سيهاجمون".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/social-media/informers-help-turkish-police-social-media-crackdown
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.