آن الأوان أن تنتبه أوروبا إلى سجل حقوق الإنسان المريع في تركيا

تُمثِّل الإدارة في أنقرة مشكلة، تشعر الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وبعض الدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بوجودها؛ فهي تحالف من الإسلاميين المتطرفين والقوميين المتصلّبين، يقوده الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان. وكان نمو الاقتصاد التركي وآفاق الديمقراطية في البلاد عاملَين مشجّعَين لتلك الدول في يوم من الأيام، لكنها باتت الآن في حالة صدمة ولا تعرف كيف تواجه انتهاك أنقرة الفج للأعراف الدولية وتبجحها.

عندما اطّلَعت على الاستعراض الدوري الشامل لحالة حقوق الإنسان في تركيا، والذي يُجريه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، لاحظت أن الكثير من الدول تبنّت مواقف هزيلة في تقييمها وتوصياتها بشأن سياسات أنقرة. أما بالنسبة للدول التي تبنّت مواقف أكثر جرأة، مثل دول أميركا الشمالية أو أوروبا الغربية، فإن أصواتها ذهبت هباءً.

وفي المجمل، فقد تلقّت تركيا 450 توصية في إطار الاستعراض، تسلط الضوء على سجلّها الأليم في مجال حقوق الإنسان.

والاستعراض الدوري الشامل هو عملية مدتها خمس سنوات، تجري خلالها مراقبة ومتابعة سجل البلاد في مجال حقوق الإنسان واحترامها لسيادة القانون، ويخضع هذا السجل لانتقادات يتعيّن على البلد المعني الرد عليها على الفور.

وفي حالة تركيا، فإن أياً من التوقعات لم يتحقق. وعندما تعرّض الوفد التركي لوابلٍ من الانتقادات في قاعة الأمم المتحدة الكُبرى في جنيف، رد الوفد رداً متغطرساً في تحد كامل؛ فقد رفض الوفد الإقرار بأي مخاوف وآثر اللجوء إلى ذريعته المعتادة، وهي "محاربة الإرهاب".

وتأتي تركيا على رأس الأنظمة القمعية، ولديها أكثر من 55 ألف سجين سياسي من المعارضة، تصفهم بأنهم "أعداء الداخل". هذه الحقيقة لم تخضع لنقاش جاد، وكذلك كان الحال أيضاً بالنسبة للكثير من أشكال عدم احترام تركيا لسيادة القانون.

وقد بدا أن حقيقة اعتقال تركيا أكثر من 130 صحفيّاً والكثير من المفكّرين دون وجه حق، ليست بالأمر الذي يقلق بشأنه الوفد التركي، الذي قال رئيسه – نائب وزير الخارجية فاروق كايماكجي – باختصار، إن مثل أعمال السجن هذه كلها تتعلق بمحاربة الإرهاب. أضاف أنه لا يوجد أحد فوق القانون، وبشكل خاص الصحفيون.

هناك قضية أخرى لم يُثرها أحدٌ خلال جلسة الاستعراض الدوري الشامل، لكنّها نوقشت خلال فعاليات على الهامش شاركْت فيها. هذه القضية هي لجوء تركيا إلى التعذيب على نطاق واسع، وهو الأمر الذي تنفيه تماماً بطبيعة الحال. غير أنه وفقاً لما وثّقَته شبنم كورو فنجانجي، رئيسة جمعية حقوق الإنسان في تركيا، فإنه يتم اللجوء إلى التعذيب بشكل ممنهج في البلاد، وغالباً ما يكون هذا ضد الأكراد والمساجين المتهمين بالانتماء لحركة غولن.

ومعظم الحقائق المريرة موجودة في السجلات. وأشار المرصد الدولي لحقوق الإنسان إلى أن تركيا لم تقترب بعد من الوفاء بوعودها للاستعراض الدوري الشامل.

وذكر المرصد أنه "في فترة المراجعة، سلّحت الحكومة النظام القضائي وتشريعات (مكافحة) الإرهاب لكي تقيّد حريّة التعبير. ومن حيث حريّة التعبير وحرية الصحافة، فإن تركيا تقف الآن على مسافة بعيدة جداً عمّا كانت عليه في عام 2010، وقت الدورة الأولى من الاستعراض الدوري الشامل".

ولم يسعني سوى أن أسلّط الضوء على الإحساس بعجز الدبلوماسيين وممثلي المنظمات غير الحكومية الغربية خلال محادثاتي معهم؛ فمعظم هؤلاء لم يُخفوا حقيقة أن جميع أشكال "النيران الصديقة" التي كانت تهدف إلى إقناع أنقرة بالعودة إلى احترام سيادة القانون نفدت تقريباً. ويزيد عناد إدارة أردوغان في مواجهة الانتقادات، في الوقت الذي يتحوّل فيه نظامه إلى واحد من الأنظمة الأكثر قمعية في العالم.

وفي اليوم التالي، بعد جلسة الاستعراض الدوري الشامل، وصل إلى مكاتبهم المزيد من التأكيدات على سوء سلوك تركيا؛ ففي تقرير النشاط السنوي الذي صدر في 29 يناير، وضعت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تركيا في المرتبة الأولى فيما يتعلق بانتهاك حرية التعبير عام 2019.

ومن بين 68 حكماً خلصت المحكمة فيهم إلى وجود انتهاك لحرية التعبير بموجب المادة العاشرة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، كان هناك 35 حكماً في دعاوى أقامها مواطنون أتراك.

وذكّرنا تقرير المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن عدم تسامح تركيا مع المعارضة أصبح مرضاً مزمناً في جسد الدولة. ويقول التقرير إن "الدولة ارتكبت انتهاكات في هذه القضية أكثر من بقية الدول الأعضاء مجتمعين خلال الفترة من 1959 إلى 2019، حيث سجّلت 356 حالة من إجمالي 845 حالة".

أضاف "في عام 2019، أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان 113 حكماً بشأن تركيا، وخلصت إلى وجود انتهاك واحد على الأقل في 97 من هذه الدعاوى. وخلال الفترة من 1959 إلى 2019، أصدرت المحكمة ثلاثة آلاف و645 حكماً في دعاوى من تركيا، وخلصت إلى أن الدولة مخطئة في ثلاثة آلاف و225 دعوى من هذه الدعاوى".

هذا الاتهام القاسي، إلى جانب طموحات تركيا التوسعيّة، وعسكرة سياستها الخارجية، يُظهران الحاجة إلى مراجعة سياسات التهدئة المتبّعة من الدوائر الرفيعة المستوى في الاتحاد الأوروبي، وبشكل عاجل.

هناك شيء واضح، وهو أنه إذا استمر حلفاء تركيا القلقون في دفن رؤوسهم في الرمال كالنعام على هذا النحو، فإن هذا لن يخلق من تركيا وحشاً مخيفاً فحسب، وإنما سيتسبب أيضاً في دمار أكبر لأجزاء كبيرة من المجتمع التركي.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/eu-turkey/its-time-europe-address-turkeys-dire-human-rights-record
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.