أغسطس 17 2019

الأئمة الأتراك بين الالتزام بتعاليم الدين وقوانين "العدالة والتنمية"

برلين / إسطنبول – بينما حظرت فرنسا منذ حوالي العامين على مساجدها جلب المزيد من الأئمة الأتراك، وفيما بدأت ألمانيا فرض قيود عليهم ومراقبتهم، وباشرت النمسا محاكمة أئمة المساجد الذين تدعمهم تركيا مالياً، فإنّ أئمة المساجد في تركيا يُعانون أنفسهم بشدّة من تسلّط حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم الذي يُهدّدهم بالإقالة في حال لم يلتزموا بتعاليم الحزب ولو على حساب تعاليم الدين نفسها.
وتقول المُعارضة التركية إنّ رئاسة الشؤون الدينية في البلاد "ديانت"، مُسيسة لصالح الإسلاميين المحافظين، وهذا ما يتناقض مع العلمانية، أحد المبادئ الأساسية الستة للجمهورية التركية.
وفي ذات الصدد، تُعوّل تركيا على المساجد التابعة لها في أوروبا للتأثير على المسلمين هناك وبثّ خطابها السياسي الموالي للرئيس رجب طيّب أردوغان المعروف بأفكاره المُتشدّدة والمنبوذ أوروبياً، وهو ما باتت تعرفه جيداً أجهزة الاستخبارات في تلك الدول.
تقول قناة دويتشه فيليه الألمانية في تحقيق لها، إنّه لا يتعين على الأئمة في تركيا الالتزام بتعاليم الدين فقط، وإنما أيضا بتعاليم "رئاسة الشؤون الدينية"، المعروفة باسم "ديانات"، التي لها دور هام في تقييم عملهم كذلك، حيث تُصدرُ "ديانات" توجيهات تنظم الصلاة والوعظ والعبادات. ومخالفة تلك التوجيهات تستوجب العقوبة الشديدة، وفي غالب الأحيان التسريح من الخدمة.
ولم ترغب "رئاسة الشؤون الدينية" التركية في الإفصاح عن عدد الأئمة المسرحين من عملهم تحت حُجج مُختلفة، بينما أشار الأئمة الذين تحدثت معهم DW إلى خطورة تلك المشكلة.
يُذكر أنّه في مارس الماضي أصدرت السلطات التركية مذكرات اعتقال بحق أئمة سرّيين قالت إنهم اخترقوا قيادة القوات البحرية لصالح منظمة غولن.
ورغم سيطرة التعليم الديني على المدارس التركية، يُشكك سياسيون وعدد من رجال الدين ما إذا كان الشباب الملتزم بدأ في الابتعاد عن الدين، لدرجة أنّ إسلاميين أتراك بدأوا بالفعل يتجهون للربوبية والإلحاد.
ومن الأمصلة الكثيرة على مُعاناة الأئمة الأتراك ووقوعهم تحت سياط الحزب الإسلامي الحاكم، ما يرويه الإمام عبدالله (35 عاماً) الذي دخل في خلاف مع مفتي منطقته، بعدما أصدر الأخير فتوى تقول "إنه لا يجوز للمرأة الذهاب للسوبرماركت دون مرافقة أحد ولاة أمرها".
وبعد معارضته الفتوى تسارعت الأحداث وتم تسريح عبدالله من وظيفته دون سابق إنذار بحجة "مخالفة التوجيهات". "استندت في معارضتي إلى حرية الرأي. كل ما فعلته أني أديت مهمتي في تعليم الناس استخدام عقولهم. كنت أظن أن هناك حرية رأي في هذا البلد"، يشكو عبدالله في حديثه مع DW.
أما أحمد محسن توزر، المعروف بلقب "إمام الروك" فقد فُصل من الإمامة قبل تسعة أشهر تحت نفس الذريعة "مخالفة التوجيهات". أسس أحمد فرقة لموسيقى الروك. "مباشرة بعد تأسيس الفرقة بعثت رئاسة الشؤون الدينية لجنة تحقيق. كما قاموا بالسؤال عن كافة جوانب حياتي الخاصة. ثم جاءت التهمة: أقام إمام الروك حفلات دون إذن المفتي كسب منها مالاً كثيراً". 
وعلى الرغم من أن أحمد محسن توزر قدم كشوفاً لحساباته البنكية، إلا أن ذلك لم يقدم ولم يؤخر. لقد تم تسريحه.
ويقول "إمام الروك" إن مشاكله مع المفتي لم تبدأ من تأسيس الفرقة : "قلت ذات مرة إن مخترع المصباح الكهربائي توماس إديسون سيدخل الجنة. لم يعجب الكلام المفتي لأن المخترع الأميركي كان مسيحياً". ويشكو أحمد محسن توزر فيقول إن ما وقع معه "عار على الديمقراطية والحرية". 
وفي جنوب شرق الأناضول تم تسريح الإمام س.ت. بعد خدمة دامت ربع قرن. وُجهت له تهمة العضوية بنقابة، تقول السلطات إنها مرتبطة بحزب العمال الكردستاني المحظور. تم إيقاف الإمام البالغ من العمر 46 عاماً من الخدمة بمرسوم خاص استنادا إلى حالة الطوارئ. حدث ذلك في عام 2015، بعد احتلال الحزب المحظور عدة قرى في المنطقة ودخوله في مواجهات مع السلطات التركية.
قبل الانتخابات المحلية في 31 مارس تلقى الإمام زكريا بيلادا دعوة من "الحزب الصالح" القومي المحافظ لإمامة الصلاة.
المفتي، المقرب من "حزب العدالة والتنمية" أبلغه باستبداله بإمام آخر، بذريعة أنه قام بالدعاء لأجل أناس مقربين من حركة غولن، المتهمة بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة في صيف 2016. واستند المفتي في قراره إلى مادة قانونية تنص على أنه "لا يجوز لرجال الدين انتقاد أو مدح رأي أو موقف للأحزاب السياسية".
تعجب زكريا بيلادا من القرار، إذ إن الأئمة، الذين دعوا في الصلاة لفوز مرشح حزب العدالة والتنمية في انتخابات إسطنبول ما زالوا في وظائفهم.
وعلى الرغم من تسلط حزب العدالة والتنمية على كافة مفاصل الحياة في تركيا، إلا أنّ العديد من المحللين السياسيين يرون اليوم نهاية قريبة للإسلام السياسي في البلاد مع بدء تشقق الحزب وانشقاق عدد من أبرز أعضائه لتأسيس أحزاب جديدة.