أكرم أوناران
سبتمبر 05 2019

الأزمة الاقتصادية تثقل كاهل الميزانية وتفرغ سوق العمل

بعد انقطاع دام ثمانية أشهر، نشرت هيئة الضمان الاجتماعي التركية على الجمهور بيانات الموازنة الخاصة بالعاملين في الدولة من المُؤمَّن عليهم. كانت الهيئة قد انقطعت عن نشر أي إحصاءات، من المفترض أنها تُنشر، في العادة، بشكل شهري، منذ ديسمبر 2018، بحجة إجراء بعض عمليات التحديث.

تضمنت النشرة الإحصائية التي نشرتها هيئة الضمان الاجتماعي بيانات مُفصلة تتعلق بالفترة من يناير إلى مايو من عام 2019 على وجه الخصوص. وكما هو واضح من البيان الصادر عن الهيئة، فقد تركت الأزمة الاقتصادية تأثيراً سلبياً على تراجع أعداد العاملين المُؤمَّن عليهم، الذي واكبه تراجع آخر في حجم الأقساط التأمينية الخاصة بالعاملين في الدولة، وبلوغ العجز في الميزانية العامة للدولة إلى منتهاه.

بلغ دخل الهيئة من الأقساط التأمينية خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2019 ما يعادل 170 مليار ليرة تركية، في حين بلغ إجمالي المصروفات عن نفس الفترة 190 مليار ليرة. وبالنظر إلى الأرقام المعلنة يتبين لنا وجود عجز في ميزانية هيئة الضمان الاجتماعي لا يقل عن 15.7 مليار ليرة تركية في عام 2018، كما بلغ العجز في الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام كذلك حوالي 20.2 مليار ليرة.

وعندما نقارن نسب العجز، كما وردت في بيان هيئة الضمان الاجتماعي، بالنسب المعلنة في السنوات السابقة، يتبين لنا، بشكل أكثر وضوحًا، فداحة التأثير السلبي الذي خلَّفته الأزمة الاقتصادية على الضمان الاجتماعي في تركيا. ومع ذلك، فقد جذبت انتباهنا كذلك نقطة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها؛ إذ تقوم وزارة الخزانة منذ عام 2008، بتحويل أموال تعادل 25% من إجمالي دخل الأقساط التأمينية؛ من أجل تغطية العجز في الميزانية، ومع هذا لا تتم الإشارة صراحة إلى هذه الأموال في محررات الهيئة، على اعتبار أنها مساهمة من الدولة.

والواقع، أنه يمكننا حساب النسبة الحقيقية للعجز في ميزانية هيئة الضمان الاجتماعي بشكل أكثر وضوحًا عند استثناء النسبة التي تساهم بها الدولة لتغطية هذا العجز؛ حيث قامت الدولة، منذ بداية العام، بتحويل 29 مليار ليرة إلى هيئة الضمان الاجتماعي تحت بند "مساهمة حكومية لدعم دخل الأقساط". وهذا يعني أن نسبة عجز ميزانية هيئة الضمان الاجتماعي في فترة الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام لن تقل 49 مليار ليرة تركية.

وتتضح لنا حجم المشكلة كذلك عند مقارنة مدى وفاء الأقساط التأمينية للمعاشات التقاعدية، التي تعد من أهم معايير الضمان الاجتماعي؛ ففي حين بلغت هذه النسبة 75.9% العام الماضي، نجد أنها تراجعت إلى 69% في الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام، أو بعبارة أخرى، إن حصيلة أقساط هيئة الضمان الاجتماعي لم تعد قادرة حتى على دفع المعاشات التقاعدية.

لا شك أن الأزمة الاقتصادية، التي تعاني منها تركيا في الوقت الراهن، قد أضرت، بشكل كبير، بسوق العمل في تركيا؛ ففي حين بلغ عدد الموظفين المُؤمَّن عليهم في سبتمبر عام 2018، حسب بيانات هيئة الضمان الاجتماعي نفسها، 14 مليون و809 أشخاص، وجدنا أن هذا العدد قد تراجع في فبراير عام 2019 إلى 13 مليون و807 أشخاص؛ مما يعني انخفاض العمالة المسجلة لدى الهيئة بمقدار مليون شخص خلال  الأشهر الستة الماضية. 

وعلى الرغم من تأكيد النشرة الصادرة عن الهيئة كذلك على حدوث تحسن نسبي في أعداد العمالة المسجلة لديها، اعتباراً من فبراير، بوصولها إلى 14 مليون و324 ألف موظف في شهر مايو، إلا أن الإحصاءات المُعلنة من معهد الإحصاء التركي جاءت مغايرة تماماً للبيانات التي نشرتها هيئة الضمان الاجتماعي؛ فعلى سبيل المثال، تشير بيانات هيئة الضمان الاجتماعي إلى ارتفاع أعداد الموظفين المسجلين لدى الهيئة من 14 مليونًا و 226 ألفًا في أبريل إلى 14 مليونًا و324 ألفًا في مايو، بزيادة قدرها 98 ألف شخص. وفي نفس الفترة، ارتفعت أعداد التجار والمزارعين المقيدين في حالة 4/ ب حوالي 77 ألفاً، كما سجلت أعداد موظفي الخدمة المدنية زيادة قدرها 5 آلاف شخص. وبذلك تكون أعداد الموظفين المسجلين في هيئة الضمان الاجتماعي قد ارتفعت منذ أبريل حتى مايو حوالي 180 ألف شخص.

دعونا الآن نلقِ نظرة على البيانات الصادرة عن معهد الإحصاء التركي خلال نفس الفترة؛ إذ تشير تلك البيانات إلى ارتفاع أعداد العاملين من 28 مليون و199 ألف في شهر أبريل إلى 28 مليون و269 ألف في مايو. وهذا يعني وجود زيادة قدرها 70 ألف شخص. وفي حين بلغت الزيادة في أعداد العمالة، وفقاً لبيانات معهد الإحصاء التركي، وجدنا أن نشرة هيئة الضمان الاجتماعي تؤكد أن الزيادة، خلال هذه الفترة، وصلت إلى 180 ألفاً!

 ومنطقياً فإن هذا أمر مستحيل؛ لأن بيانات معهد الإحصاء التركي تتضمن بيانات جميع العاملين المسجلين وغير المسجلين، المؤمن عليهم وغير المُؤمَّن عليهم. وبالإضافة إلى هذا، يمكن أن يمدنا معهد الإحصاء التركي أيضاً ببيانات تتعلق بعدد العاملين عند مطالعة السجلات الإدارية. أما هيئة الضمان الاجتماعي، فتعلن فقط أعداد العاملين المُؤمَّن عليهم والمسجلين لديها فقط. وهذا يعني أن أرقام العمالة المعلنة من قبل معهد الإحصاء التركي تشمل البيانات التي أعلنتها هيئة الضمان الاجتماعي كذلك. لذلك، إذا تحدثنا عن زيادة قدرها 180 ألف شخص في أعداد العمالة، وفقاً لما جاء في نشرة هيئة الضمان الاجتماعي، فمن الطبيعي ألا تقل الزيادة، وفق بيانات معهد الإحصاء التركي، عن هذا العدد.  

من الممكن أيضًا أن يكون العدد أعلى من ذلك إذا أضفنا العاملين غير المؤمن عليهم أيضاً، لكن من المستحيل أن يكون العدد أقل. ولكن ماذا نفعل، فنحن نعيش في تركيا! وهذا وحده يكفي كي لا نشعر بالدهشة من أمر كهذا. آمل أن تقوم السلطات بتنويرنا، وإصدار بيان يشرح إلى الشعب التركي حقيقة هذا التناقض.   

وبصرف النظر عن كل هذه التناقضات، فحتى لو أننا سلمنا جدلاً بصحة البيانات المنشورة، فهذا يعني أن الضرر الناجم عن الأزمة الاقتصادية في سوق العمل لم يقتصر على ارتفاع نسبة البطالة فحسب، وأن دخل الدولة من الأقساط التأمينية في تراجع مستمر، تزامناً مع ارتفاع نسبة العجز في الضمان الاجتماعي. ومع استمرار الخلل في التوازن بين الدخل وحجم الإنفاق، أصبح كاهل وزارة الخزانة مثقلاً بالأموال التي تقوم بتحويلها إلى هيئة الضمان الاجتماعي لتعويض التراجع في حجم الأقساط التأمينية. ولا شك أن الفاتورة الي تدفعها الدولة ستزداد ضخامة، إذا وضعنا في الاعتبار حجم الأموال التي تنفقها على تمويل بدل البطالة.

من ناحية أخرى، يجب على الحكومة أن تكون مستعدة لمواجهة موجة جديدة، أشد عنفاً من ارتفاع نسبة البطالة خلال فصول الخريف والشتاء، وما سيترتب عليها من حدوث عجز جديد في الميزانية..

 

* هذا المقال يعكس آراء الكاتب، ولا يعكس بالضرورة رأي موقع "أحوال تركية".      

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomi/krizin-maliyeti-buyuyor-1-milyon-istihdam-kaybi-49-milyar-tl-butce-acigi