يوليو 17 2019

البحرية الفرنسية تستعد لمواجهة تركيا في قبرص

في أعقاب قمة مع زعماء دول الاتحاد الأوروبي الواقعة على حدود البحر المتوسط الشهر الماضي، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تركيا إلى وقف ما وصفه بالتنقيب غير القانوني عن الغاز في المنطقة الاقتصادية الحصرية لقبرص. وتعهد ماكرون بألا يتهاون الاتحاد الأوروبي في هذه القضية.

بعد ذلك بيومين، انتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نظيره الفرنسي بسبب تصريحاته.

وأبلغ أردوغان الصحفيين بعد قمة مجموعة العشرين في أوساكا قائلاً "قلت لماكرون: ليس لديك الحق في أن تتحدث بشأن قضية قبرص. ليس لكم شأن بقبرص. أنا أتحدث في هذا الشأن، واليونان تتحدث، وبريطانيا تتحدث، والاتحاد الأوروبي يتحدث، لكن أنت لا".

ولقوات فرنسا البحرية تواجد دائم في شرقي المتوسط، وقد تزايد اهتمامها بقبرص في الآونة الأخيرة. ولدى فرنسا أكبر قوات مسلحة في أوروبا وثاني أقوى قوات مسلحة في حلف شمال الأطلسي.

وفي نيقوسيا، تحدّث ماكرون في شهر يناير عن أهمية قبرص كميناء لقوة المهام البحرية التي تشكّلت حول حاملة الطائرات شارل ديغول. وزارت قوة مهام شارل ديغول ميناء ليماسول القبرصي بعد ذلك بشهرين.

وأجرى قادة قبارصة زيارة رمزية لشارل ديغول بينما كانت تتمركز في المياه غرب قبرص. بعد ذلك بيوم، أجرى الأدميرال كريستوف برازوك، رئيس أركان البحرية الفرنسية، زيارة رسمية لقاعدة ماري البحرية الواقعة بالقرب من ميناء لارنكا القبرصي.

وفي مايو كانت ثمرة الاتصال الوثيق بين البلدين، عندما وقع وزيرا الدفاع القبرصي والفرنسي بيان نوايا لتوسيع تلك القاعدة البحرية، يسمح لها باستيعاب سفن حربية أكبر حجماً. ويهدف الاتفاق أيضاً إلى تعزيز قدرات قبرص العسكرية وتطوير تعاون استراتيجي بين قوات البلدين البحرية.

وكانت الصحافة التركية تنظر إلى هذا الاتفاق على أنه جزء من الصراع على الطاقة في شرقي المتوسط. ووفقاً لوسائل الإعلام التركية، فإن هناك بنداً في الاتفاق ينص على أن "البحرية الفرنسية ستحمي شركة البترول الفرنسية توتال، التي لها نشاط في المناطق اليونانية، من أي تدخل تركي."

وتوتال صاحبة رخصة مشتركة مع شريكتها الإيطالية إيني، لمناطق جرى الإعلان عنها في المنطقة الاقتصادية الحصرية لقبرص، وبالقرب من شواطئ لبنان وكريت. واعترضت البحرية التركية مرتين طريق سفينة تنقيب أجّرتها إيني الفرنسية قبالة قبرص في فبراير 2018.

وعلى الرغم من الخلافات بشأن الحقوق في الطاقة، التي تصدّرت عناوين الأخبار في الأشهر الأخيرة، فإن هذا لا ينبغي التعامل معه على أنه العنصر الوحيد الذي يقود انخراط فرنسا المتنامي في المنطقة، التي تتسم بالتقلب وتحظى بأهمية كبيرة في السياسة الخارجية الفرنسية، وفقاً لما يقوله خبراء.

وتعتقد منى سكرية، مستشارة المخاطر السياسية والمؤسس المشترك لمركز الآفاق الاستراتيجية للشرق الأوسط، أن التواجد الفرنسي في شرقي المتوسط لا يجب التعاطي معه فقط من منظور الطاقة.

وقالت إن "المنطقة اجتذبت من جديد اهتماماً خلال السنوات القليلة الماضية، في ظل الصراعات الدائرة في سوريا وليبيا، واستمرار القلق بشأن الاستقرار في دول مثل مصر ولبنان، وتنامي المخاطر الأمنية، والهجرة غير الشرعية، بالإضافة إلى الآفاق الواعدة في مجال الطاقة".

أضافت أن "جميع هذه العوامل أدت إلى سباق على النفوذ في المنطقة، قادت جزءاً كبيراً منه المصالح الجيوسياسية، فضلاً عن المطامع التجارية. هذا يفسر لماذا يحافظ الفرنسيون على تواجد شبه دائم للبحرية ونشاط في شرقي المتوسط".

وأشار فينسينت توريه، الخبير الأمني لدى مؤسسة البحوث الاستراتيجية، إلى أن فرنسا كانت لها دائماً مصلحة في شرقي المتوسط على وجه الخصوص، بسبب تاريخها الاستعماري والمخاوف الأمنية.

أضاف أن "فرنسا كانت دائماً تولي اهتماماً خاصاً لما تسميه الشام، بسبب وجود مجتمعات فرنسية ضخمة هناك، والتغلغل الاقتصادي والثقافي في هذه المناطق، والتهديد الملموس القادم من هذه المناطق، فيما يتعلق بالإرهاب".

وأشار إلى أن هذه المصالح جعلت فرنسا تنشر قوات، إما لردع أي اعتداء، أو لاستخدامها في مهام إنسانية مثل إجلاء العناصر غير القتالية من مناطق الحرب.

والحرب السورية الدائرة منذ ثماني سنوات هي أحد أسباب التواجد العسكري الفرنسي، حيث ظلت السفن الحربية الفرنسية تنفذ دوريات منذ بداية الصراع في عام 2011.

وفي أبريل 2018، أطلقت فرنسا عملية مع الولايات المتحدة وبريطانيا لقصف منشآت كيماوية سورية، بعد أن نفّذت الحكومة السورية هجوماً كيماوياً. وانطلقت الهجمات الصاروخية من سفن في شرقي المتوسط.

وقال توريه "هناك موضوع أمني آخر من السنوات الماضية، وهو احتمال امتداد الحرب السورية. فأولاً، اضطر هذا فرنسا للتدخل لتطبيق القانون الدولي. ونفّذت فرنسا العملية للرد على استخدام النظام السوري السلاح الكيماوي.

"وثانياً، وبسبب التداعيات، يُشكل تنامي نفوذ حزب الله، وانتشار المسلحين الشيعة بشكل عام، واستمرار وجود تنظيم الدولة الإسلامية، والجهاديين الفرنسيين العائدين، تهديداً حقيقياً وطويل الأجل في المنطقة وعلى ترابنا الوطني بشكل مباشر".

ووفقاً لتوريه، فإن قبرص تشكل قاعدة مهمة لفرنسا في هذا الترتيب، لإجراء عمليات عسكرية في شرقي المتوسط.

فضلاً عن ذلك، فإن فرنسا كانت تربطها معاهدة تعاون دفاعي مع قبرص منذ عام 2007، وقد جددت هذه المعاهدة في عام 2017 لمدة عشر سنوات أخرى".

وقالت سكرية "فرنسا تنظر إلى قبرص على أنها موقع استراتيجي وموثوق في المنطقة، في ظل زيادة الجوانب الجيوسياسية التي تريد أن يكون لها نفوذ فيها، وحيث توجد نقاط أخرى أكثر تقليدية قد تكون عرضة للتهديد في المستقبل.

"قبرص تنظر إلى فرنسا على أنها حليف موثوق به في الاتحاد الأوروبي، خاصة بعد الانفصال البريطاني والضبابية بشأن موقف بريطانيا، في ظل زيادة التوترات مع تركيا".

ولا يقتصر التواجد العسكري الفرنسي على السباق من أجل مصادر الطاقة، إذ إنه تعاون بين باريس ونيقوسيا يحقق الطرفان مكسباً فيه – فالبحرية الفرنسية توفر درعاً أوروبياً لقبرص في مواجهة العدوان التركي، الذي يسمح بدوره لفرنسا بالحفاظ على مكانتها في النظام الأمني لشرقي المتوسط.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-france/french-naval-presence-eastern-mediterranean-not-just-about-energy