جان تيومان
أغسطس 12 2019

البنوك الحكومية التركية تخاطر بالاقتصاد إرضاءً لأردوغان

بدأ نظام حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا مؤخرًا اللجوء إلى تحريك سوق القروض في البلاد كحل أخير يسعى من خلاله إلى التصدي للانكماش الاقتصادي الذي تشهده البلاد منذ أكثر من ثلاثة أرباع سنة. يأتي ذلك بينما على الجانب الآخر نرى أن مواقف البنوك الخاصة من هذا التحرك لا زالت غامضة.

وفي تحرك هو الأول من نوعه بعد تخفيض سعر الفائدة بمقدار 4.25 نقطة من قبل البنك المركزي في 24 يوليو الماضي، قامت يوما الخميس والجمعة الماضيين ثلاثة بنوك حكومية مملوكة للدولة بعمل تخفيضات على فوائد القروض الاستهلاكية، وقروض الشركات الصغيرة والمتوسطة، وهي قروض لها تأثير كبير على النشاط الاقتصادي بالسوق الداخلية للبلاد. وكان نصيب الأسد من هذه التخفيضات في مصلحة قطاع الإسكان الذي يتعامل معه حزب العدالة والتنمية دائمًا بنوع من الرفق.

البنوك الثلاث المملوكة للدولة خفضت معدل الفائدة السنوي على قروض الإسكان من 20 في المئة إلى 12.5 في المئة، فيما خفضت فوائد القروض الاستهلاكية وقروض المركبات من نسبة تتراوح بين 22 إلى 25 في المئة إلى نسبة تتراوح بين 18.5 إلى 21 في المئة. وعلى نحو مماثل قامت تلك البنوك أيضًا بتخفيض فوائد القروض التجارية بالتقسيط إلى نسبة تتراوح بين 19 إلى 21 في المئة، بحكم أن هذه القروض التجارية تعتبر هي الأخرى مجالًا مهمًا يسعى من خلاله النظام لإحياء الاقتصاد. وبذلك تكون هذه البنوك قد قامت بتخفيض الفوائد على النحو المبين، مع إعطاء الأولوية في ذلك لقطاع الإسكان.

وبالنظر إلى أن المركب السنوي لسعر الفائدة هو 21.8 في المئة والذي خفضه البنك المركزي إلى 19.75 في المئة، وأن متوسط سعر الفائدة على الودائع أعلى من 20 في المئة، يتضح لنا بشكل جلي أن القروض التي تقدمها البنوك الحكومية تعني خسارتها (أي تلك البنوك) الحتمية على المدى القصير. لكن نظرًا لأن الحسابات تعتمد على احتمال قيام البنك المركزي خلال الفترة المقبلة بمزيد من التخفيضات في أسعار الفائدة، وتخفيض معدلات الودائع، فإن البنوك العامة تعتقد أنها ستحقق أرباحًا على المدى الطويل، ومن ثم تريد تسريع وتيرة الانتعاش الاقتصادي من خلال نشر تخفيضات أسعار الفائدة من خلال المنافسة بهدف إثارة حفيظة البنوك الخاصة لتحذو حذوها.

ومع ذلك، فإن البنوك الخاصة التركية لم تحدث أي تغيير في مواقفها منذ يوم 24 يوليو الذي خفّض فيه البنك المركزي أسعار الفائدة. ولم يحدث أي انخفاض في معدلات القروض أو زيادة في معدل الإقراض، وذلك باستثناء أن بعض البنوك قامت بإجراء تخفيضات صغيرة بالنسبة لفوائد الإسكان، كنوع من أنواع الاستعراض ليس أكثر.

وعلى عكس البنوك المملوكة للدولة، فإن مبالغ قروض المستهلكين وقروض التقسيط بالنسبة للبنوك الخاصة والأجنبية، واصلت تقلصها خلال الأسبوع الذي خفض فيه البنك المركزي أسعار الفائدة. كما تم في تلك البنوك احتساب معدلات الفائدة الائتمانية المرتفعة كما هي دون تغيير رغم أنها وصلت إلى مستويات قياسية نهاية شهر أبريل الماضي.

ووفقا للمواقع الإلكترونية للبنوك فإن فوائد قروض المستهلكين والإسكان، والمركبات لدى أكبر أربعة بنوك خاصة في تركيا تبلغ بالترتيب 22.5 في المئة، و24 في المئة، و27.5 في المئة، وهذه أكثر المعدلات انخفاضًا.

وفي البنوك الأربعة المذكورة، لا زالت معدلات الفوائد على قروض التقسيط كما هي عند مستوى 30 في المئة. وهناك بعض البنوك التي تمتلك رؤوس أموال أجنبية، لا زالت تبقي على معدلات الفائدة بنسب تتراوح بين 45 و60 في المئة. وهذه المعدلات تعتبر بمثابة رسالة "طلب قرض" موجهة للعميل.

من جانب آخر لا يمكننا أن ننسى أن قيام البنوك الخاصة بعد خفض المركزي التركي لمعدلات الفائدة، بفتح صنبور القروض، لأمر يحمل أهمية كبيرة للغاية من أجل الإنعاش الاقتصادي الذي يصبو إليه نظام العدالة والتنمية. وبالتالي إذا لم تفتح هذه البنوك ذلك الصنبور، فإن هذا يعني أن تخفيضات الفوائد التي قامت بها البنوك الحكومية المملكوكة للدولة لن يكون لها أي تأثير يذكر، تأثيرها سيتلاشى سريعًا، شأنها في ذلك شأن كثير من الحملات التي شنتها تلك البنوك على مدار العام الأخير بدعم من الدولة والحكومة بزعامة أردوغان.

وإذا كانت هناك احتمالات أكيدة بشأن إمكانية اتجاه البنك المركزي التركي لمزيد من خفض معدلات الفائدة خلال الفترة المقبلة، فإن البنوك الخاصة لا تزال مترددة في خفض فوائد القروض طويلة الأجل. وثمة سببان يقفان وراء ذلك، أولهما أن القروض منخفضة الفائدة، التي فتحت العام الماضي بدعم من الحكومة، كان لها تأثير سلبي على الربحية. فوفقًا لبيانات هيئة التنظيم والرقابة المصرفية انخفضت الربحية في القطاع المصرفي بنسبة 17 بالمائة في الأشهر الست الأولى من العام الجاري مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي. وعند إضافة معدلات التضخم إلى هذه النسبة، يتضح لنا أن أرباح معظم البنوك انخفضت إلى النصف على أساس القيمة الحقيقية.

أما العامل الآخر الذي يحد من انخفاض معدلات القروض، فيتمثل في تكلفة الموارد. فعلى الرغم من أن البنك المركزي خفض أسعار الفائدة بمقدار 4.25 نقطة، وتراجعت أسعار الفائدة على الودائع بمعدل يتراوح بين نقطتين وثلاث نقاط، إلا أن هذا ليس مؤشراً يجسد حقيقة الوضع الحالي.

وحول هذه الأوضاع والتطورات الاقتصادية جاء تعليق أحد المصرفيين الأتراك على النحو التالي:

"قد تكون فوائد البنك المركزي التركي قد انخفضت بمعدل 4.25 نقطة. إلا أن المركب السنوي لسعر الفائدة لا زال عند مستوى يقترب من 22 في المئة. من ناحية أخرى، يمكننا القول إنه حتى لو استخدم البنك المركزي كل تمويله للقروض، فهذا لا يمثل سوى 5 في المائة فقط من القروض المقدمة بالعملة المحلية الليرة. والأمر الأكثر أهمية في هذا الصدد هو معدلات الفائدة على الودائع الادخارية. فلقد رأينا في هذا السياق خلال الأيام العشر الأخيرة معدلات فائدة جديدة انخفضت من 23 في المئة إلى 20 في المئة. ومع ذلك، فإن هذا لا يعكس بالضبط التكلفة الحقيقية لودائع البنوك. إذ لم ينخفض متوسط التكلفة كثيرًا، بالنظر إلى الارتفاع الكبير الذي شهدته الودائع. لهذا السبب، لا يمكننا أن نتوقع توزيع القروض المدعومة مثل البنوك المملوكة للدولة التي تستمد رؤوس أموالها من النظام. وحتى إذا سارت الأمور على ما يرام ، فإن الأمر سيستغرق بعض الوقت حتى تنخفض أسعار الفائدة الائتمانية مجددًا".

وعند النظر إلى المعطيات التي ينشرها البنك المركزي التركي على موقعه الإلكتروني، يتضح لنا أن متوسط تكلفة رصيد الودائع في القطاع المصرفي بلغ 22.74 في المئة، وهو أعلى مستوى يسجله ذلك الرصيد بعد شهر ديسمبر من العام الماضي. لا سيما أن تكلفة أرصدة البنوك من الودائع التي تتراوح آجالها بين شهر وثلاث أشهر – والتي تستثمر فيها أكثر من نصف إجمالي الودائع-، تكون في الغالب أكثر من 23 في المئة.

وهذه المعطيات تعتبر بمثابة المانع الأهم الذي يدفع البنوك الخاصة إلى عدم التحرك مثل البنوك العامة، وإجراء تخفيضات على فوائد قروضها من أجل إنعاش الاقتصاد كما يأمل النظام الحاكم.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomi/kamu-sov-yapiyor-ozel-bankalarda-ucuz-kredi-yok