العدالة والتنمية واستقطاب الناخبين عبر إرهاب المعارضة

تلجأ حكومة حزب العدالة والتنمية المتحالفة مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف إلى استقطاب الناخبين الأتراك عبر إثارة الخوف وإشاعة الذعر بينهم، وتطبيقها سياسات تمييزية بحقّ المعارضين الذين يتمّ إرهابهم بشتّى السبل لفضّ الجماهير من حولهم، وخلق فجوة بينهم وبين ناخبيهم، وبالتالي إضعافهم وإنهاكهم قبيل الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في 2023.

وفي هذا السياق تساءل الكاتب التركي محمد أوجاكتان في مقال له في صحيفة قرار التركية اليوم الاثنين عن الإرث الذي سيخلّفه حزب العدالة والتنمية الحاكم في المستقبل، وذلك جرّاء التخبّط الذي يعانيه، والذي يشير إلى تضعضع صفوفه، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى تراجع شعبيته إلى مستويات قياسية دنيا.

أشار محمد أوجاكتان إلى معرفة المواطنين أن العديد من المشكلات التي يشكو منها الشارع التركي اليوم ناجمة في الواقع عن تدمير حزب العدالة والتنمية الجديد الممنهج للديمقراطية، والذي يتخلى عمّا وصفها بالهوية الإصلاحية لحزب العدالة والتنمية، ولا يحترم سيادة القانون، ولا يؤمن بالديمقراطية، حيث تمّ استغلال قيم الدين في الصراع على السلطة.

وقال إنّه عندما نقرأ عن الأزمة الاقتصادية، نرى أن الفساد والرشوة وتدمير المؤسسات، التي أصبحت شائعة مع حزب العدالة والتنمية، خاصة في العقد الماضي، قد تم إضفاء الشرعية عليها تقريبًا، وشدّد على أنّه من الضروري الاعتراف بأن الممارسات الاستبدادية اليوم تؤذي بشدة أي شخص لديه ضمير، حتى أولئك الذين يناصرون حزب العدالة والتنمية.

ولفت إلى أنّه نظرًا لأن حزب العدالة والتنمية الجديد يستقطب الناخبين من خلال إرهاب المعارضة، فإنه يدير الجامعات والبلديات بأمر أوصياء غير منتخبين، ويدير الدولة بأمر من الأقارب من خلال مباركة عدم الكفاءة تقريبًا، ويقلل من قيمة إرادة الأمة. والأهم من ذلك أنه أزال الشرعية الديمقراطية بحصر السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية في قبضة شخص واحد.

ونوّه أوجاكتان إلى أنّ قصة حزب العدالة والتنمية بدأت على أساس "سيادة القانون" ورؤية الحريات وحقوق الإنسان على أنها الهدف الأساسي لوجوده السياسي. ومع ذلك، في الوقت الذي وصلنا إليه اليوم، لم يعد من الممكن الحديث عن مثل هذه القصة بعد الآن. وأكّد أنّه لسوء الحظ، فإن حزب العدالة والتنمية الجديد يكتب الآن قصة أخرى. وقال "على الرغم من أننا نشعر بالغضب من وقت لآخر ونعترض على أن "هذه القصة لم تبدأ على هذا النحو"، فإنّه لا توجد إجابة".

وانتقد الكاتب ممارسات حكومة حزب العدالة والتنمية وعزمها على اعتقال وسجن الصحفيين والسياسيين وأفراد المجتمع المدني الذين ينتقدونها، وحتى المواطنين الذين يثيرون الاحتجاجات في الشوارع، كما انتقد أسلوبها وتجاهلها للضرر الذي تلحقه بالديمقراطية من خلال إرسال النواب المنتخبين بأصوات الشعب من مجلس النواب إلى السجن.

وقال أوجاكتان أيضاً إنّه على الرغم من أحكام الدستور الواضحة، إلا أن عدم الاعتراف بقرارات المحكمة الدستورية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ضرورة للبقاء في السلطة بالنسبة لهذه الحكومة التي تحافظ على بقائها من خلال إعلان طلاب جامعة البوسفور "إرهابيين"، فقط لأنّهم يعترضون على تعيين رئيس للجامعة من خارج كادرها الأكاديمي، ويمارسون حقهم الدستوري في الاحتجاج.

وأدان الكاتب التركي مسعى حكومة العدالة والتنمية الوشك على تأييد طلب شريكها الصغير، حزب الحركة القومية اليميني المتطرف، بـ"إغلاق المحكمة الدستورية"، والتزامها الصمت حيال ذلك.

كما استنكر ممارسات حكومية أخرى، وقال إنّه بينما يموت مئات الأشخاص كل يوم بسبب وباء كوفيد-19، حيث تحتل تركيا المرتبة الأولى في أوروبا والرابعة في العالم، يكون هناك نوع من التباهي بالمؤتمرات من دون إيلاء الاعتبار للناس ومشاكلهم اليومية، وقال أيضاً إنّه بينما واجه الأشخاص الذين أغلقت متاجرهم وأصبحوا عاطلين عن العمل صعوبة في جلب الخبز إلى منازلهم أثناء الوباء، لا يستطيع المستشارون الذين حصلوا على معاشات العسل من ثلاثة أو أربعة أماكن أن يروا كيف أساء الجيش للأمة.

كما تحدّث أوجاكتان عن قيام الشرطة التركية بإزالة الملصقات المعارضة التي تقول "أين 128 مليار دولار" أولاً، ثم يتم فتح تحقيق بتهمة إهانة الرئيس. ولفت كذلك إلى أنّه بالتوازي مع التحدي المتمثل في القول "سنصنع قناة إسطنبول، حتى لو شرعت أو انفجرت" على الرغم من رغبة الشعب تتنافى مع القيم الديمقراطية.

وختم الكاتب مقاله بالقول إنّه من المفهوم أن حزب العدالة والتنمية الجديد، الذي تهيمن نغماته المحافظة والدينية وتعزز هذه الصورة بخطابات الأحاديث النبوية للرئيس رجب طيب أردوغان، سيكون إرثًا للمستقبل، وهو أمر غير متناسب مع القيم الديمقراطية. وقال إنّ العيش معا هو أمر تافه، ثمّ استدرك بالقول لكن القبر الحقيقي الذي ستراه الأجيال القادمة عندما تنظر إلى تركيا اليوم، هو صورة فوتوغرافية غريبة، ولن تكون هذه الصورة جيدة على أيّ حال.