الدبلوماسية المصرية تميل إلى الحذر والتريث مع أنقرة

القاهرة – كلما تحدّث الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عن تركيا غلب على حديثه الطابع الضمني، وتعمد الإشارة إلى تجاوزاتها بصورة غير مباشرة. ولا أحد يعلم سر ذلك، خاصة أن الخلاف مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد بلغ منتهاه، وهو الذي يعمد في الكثير من المناسبات إلى استهداف الرئيس المصري بشكل مباشر من خلال اتهامه بـ”الانقلاب” أو عبر التهجم عليه في مناسبات دولية وعلى الملأ، وذلك في حركة استعراضية هدفها إثبات الحضور على الساحة.

واستخدم السيسي كلمات ذات معنى قدحي تجاه تركيا في خطابه خلال القمة التي جمعته مع الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس، ورئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس في نيقوسيا، الأربعاء، دون أن ينطق بالاسم، وكأن تركيا مفردة تابو، على عكس ما لوحظ من وضوح في موقفَيْ الرئيس القبرصي ورئيس الوزراء اليوناني، اللذين ذكرا تركيا بالاسم وهاجما دورها في إثارة التوتر في المنطقة، ما يثير تساؤلات بشأن الحذر المصري وحسابات السيسي في اختيار المفردات بدقة كلما تعلق الأمر بتركيا ورئيسها أردوغان.

وأكد الرئيس المصري ضرورة التصدي للسياسات التصعيدية في منطقة شرق المتوسط، والدول التي تدعم وتسلح وتمول الإرهاب، وأن بلاده “لا تستغل قضية المهاجرين لابتزاز شركائها الأوروبيين، كما تفعل دول أخرى”.

وعكست القمة، في رأي السيسي، توافقا حول الأوضاع في شرق المتوسط، في ضوء السياسات الاستفزازية المتمثلة في انتهاكات قواعد القانون الدولي والتهديد باستخدام القوة المسلحة والتعدي على الحقوق السيادية لدول الجوار، ونقل المقاتلين الأجانب إلى المناطق التي تشهد نزاعات.

وأوضح الرئيس القبرصي أن تركيا تفاقم التوتر وتقوض الاستقرار الإقليمي وتتدخل في سوريا وترسل مرتزقة إلى ليبيا وإلى إقليم ناغورني قره باغ.

وأشار رئيس الوزراء اليوناني إلى أن أنقرة “تتسبب بمخاطر في شرقي المتوسط، وتتبع سياسة توسعية تهدد المنطقة، وتواصل انتهاك القانون الدولي. وممارساتها أدت إلى نشوب مشاكل داخل حلف الناتو، ونطالب دول الاتحاد الأوروبي بوقف بيع السلاح لتركيا”.

ويقول مراقبون إن الدبلوماسية المصرية تميل إلى الحذر والتريث ويسيطر عليها نوع من التحفظ كلما تعلق الأمر بتركيا، مشيرين إلى أن القاهرة تتبنى توزيع الأدوار، وتحتفظ لنفسها بطرق التراجع عن مواقفها في ملفات عديدة، وهذا التوجه لا يقتصر على تركيا، وإنما ينطبق على غالبية الدول المتخاصمة مع مصر.

ودأبت وسائل إعلام مصرية على شن هجمات على أردوغان ونظامه، لكن مع الإيحاء بأن ذلك خيار إعلامي وشعبي دون تحميل الموقف الرسمي أي مسؤولية.

وأوضح وزير الخارجية المصري السابق محمد العرابي أن عدم تدخل الرئيس السيسي في مناوشات كلامية مع دول تستهدف مصر، “أسلوب خاص به يتبعه منذ أن تولى منصبه، لأن هذه الدول تمارس بلطجة سياسية، وتعد من الدول المارقة والخارجة عن القواعد والأصول الدبلوماسية المتبعة”.

وأشار العرابي، في تصريح لـ”العرب”، إلى أن مصر ترسم ملامح منضبطة لسياستها الخارجية، وتتبنّى رؤى بعيدة المدى دون أن يتورط السيسي في مناوشات مع دول لا يليق أن تنخرط معها مصر في التراشق الكلامي المباشر، وهو أمر ثبت صوابه في الكثير من القضايا الشائكة.

وتعتبر دوائر إقليمية أن القاهرة تمارس لعبة سياسية وإعلامية غائمة، وتزعج بذلك بعض الحلفاء، خاصة دول الخليج التي بات موقفها من تركيا معلنا وتتبنى حملات سياسية وإعلامية وشعبية ضد سياسات أردوغان.

وقال عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب المصري، اللواء يحيى كدواني، إن “الرئيس السيسي يستهدف وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته بشأن مواجهة الدول الراعية للإرهاب التي تثير الاستفزازات بشكل متجرد بعيدا عن التأويلات تجاه دولة بعينها، كي لا تكون مصر وحدها مسؤولة عن تلك المواجهة”.

وأضاف كدواني، لـ”العرب”، أن “الدول الراعية للإرهاب أصبحت واضحة، وليس هناك اختلاف في أن كلاً من قطر وتركيا تؤويان إرهابيين على أراضيهما وتمهدان جميع السبل من أجل تنفيذ مخططات عدائية تستهدف تفتيت الدول العربية، وهذه الدول الراعية للإرهاب لديها أجندات خاصة بها تحاول أن تفرضها للمزيد من الهيمنة والسيطرة في منطقة الشرق الأوسط”.