الذكرى المئوية للإبادة الجماعية لليونانيين على أيدي العثمانيين

يحمل يوم التاسع عشر من مايو عام 1919 معاني مختلفة وحتى متعارضة في تركيا واليونان، تماماً كما هو حال الخامس عشر من مايو عام 1948 الذي يمثل قيام دولة إسرائيل فيما يمثل بداية النكبة بالنسبة للفلسطينيين.
في تركيا، يمثل هذا التاريخ الخطوة الأولى التي أدت إلى تأسيس الجمهورية التركية، بينما بالنسبة لأحفاد اليونانيين العثمانيين واليونان، فإنه يمثل نهاية وجود اليونانيين البونتيك الذي استمر لمئات السنين على شواطئ البحر الأسود. في حين يحتفل الأتراك بيوم التاسع عشر من مايو، فهو يوم حداد بالنسبة لليونانيين.
لخص الباحث تامر شيلينجير القضية في مقابلة أجراها عام 2016 مع صحيفة آغوس التركية الأرمنية. وقال "الإبادة الجماعية لليونانيين البونتيك هي المرحلة الأخيرة من الإبادة الجماعية الكبرى للمسيحيين التي بدأت في عام 1894 بمذابح السلطان عبد الحميد ضد الأرمن واستمرت بمذبحة جمعية الاتحاد والترقي عام 1915 التي قتلت 1.5 مليون من الأرمن وحوالي 300 ألف من الآشوريين. أُجبر الأشخاص الذين عاشوا لمدة 600 عام في بونتوس إما على اعتناق الإسلام أو ذُبحوا في الفترة بين عامي 1914 و1923 أو تم نفيهم في عام 1923 أثناء التبادل السكاني التركي اليوناني".
وفي الفترة بين عامي 1914 و1921، قُتل نحو 353 ألفاً من اليونانيين البونتيك في المنطقة: 134078 في أماسيا وسامسون وجيرسون و64582 في توكات و17479 في ماكا و21448 في شيبينكارا هيسار، علاوة على 50 ألفاً من الذين لاقوا حتفهم خلال تبادل السكان.
ومع وصول مصطفى كمال - مؤسس تركيا، الذي حصل لاحقاً على لقب أتاتورك، والذي يعني "والد الأتراك" - إلى سامسون في التاسع عشر من مايو عام 1919، تحولت العملية إلى إبادة تامة. أول ما فعله مصطفى كمال هو عقد لقاء مع طوبال عثمان، وهو زعيم ميليشيا تركي معروف بوحشيته ضد اليونانيين.
لم يكن الهدف أرواح اليونانيين فحسب، بل ممتلكاتهم وثرواتهم أيضاً.
تشير الدراسات التي أجريت خارج تركيا إلى أن الإبادة الجماعية لليونانيين البونتيك كانت عملية إبادة واعية متعددة السنوات. في تركيا، لا يعرف الناس هذه الأحداث أو يجهلونها تماماً أو يفسرونها خطأً على أنها تتماشى مع الرواية الرسمية التي تلقي باللوم على اليونانيين البونتيك الانفصاليين.
في السنوات الأخيرة، بدأت بعض الأبحاث القوية في الظهور حول الإبادة الجماعية ضد الأرمن والآشوريين. ولكن نادراً ما تتوفر أي معلومات موثوقة عن الإبادة الجماعية لليونانيين البونتيك، إذ يتجاهل كل من الأكاديميين وصناع الرأي الموضوع إلى حد كبير.
في تركيا، من المرجح أن يؤدي الحديث عن الماضي والحاضر لليونانيين البونتيك في مقاطعات البحر الأسود إلى اللعنات والشتائم وما هو أسوأ من ذلك.
حتى كلمة "بونتوس" غير مقبولة بالنسبة لحكومة تركيا. في يوم السبت الماضي، منع الوالي تجمعاً متواضعاً في أنقرة لإحياء ذكرى الإبادة الجماعية لليونانيين البونتيك.
وعلى الرغم من الإنكار التام داخل تركيا، فإن القضية كانت على جدول الأعمال في الخارج لبعض الوقت الآن. سألت المؤرخ تنار أكجام، وهو أحد الكتاب الرائدين في الإبادة الجماعية للأرمن، عما حدث حتى الآن.
الجهود المبذولة للبحث المشترك في المذابح ضد اليونانيين البونتيك والآشوريين جنبا إلى جنب مع الإبادة الجماعية للأرمن قد تباطأت منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة.
في عام 2011، أسس جورج مافروبولوس، وهو مهندس وزعيم جالية اليونانيين البونتيك في الولايات المتحدة، مركز آسيا الصغرى وبونتوس الهيليني للبحوث في شيكاغو، الذي يلعب دوراً مهماً في الحركة.
قدم معهد زوريان ومديره جورج شرينيان دعماً حيوياً لمافروبولوس ومبادرته. بدأ مافروبولوس بتنظيم سلسلة من المؤتمرات، وقد انعقد المؤتمر الأول في عام 2008. نُشرت فيما بعد الأوراق البحثية المقدمة في المؤتمرات، ونشر كتاب بعنوان "كارثة آسيا الصغرى والإبادة الجماعية لليونانيين العثمانيين" في عام 2012. وتم نشر آخر في عام 2017، كان يحمل اسم "الإبادة الجماعية في الإمبراطورية العثمانية: الأرمن والآشوريون واليونانيون".
فيما يتعلق بدراسات الإبادة الجماعية العثمانية الشاملة، جرت الأولى في وقت سابق من هذا الشهر. استضافت جامعة أرسطو في سالونيك مؤتمراً دولياً بعنوان "الإبادة الجماعية للسكان المسيحيين في الدولة العثمانية وما بعدها". يبرز هذا الحدث كيف سعى المدافعون عن القضية منذ عام 2008 إلى لفت انتباه الأكاديميين. من الأهمية بمكان أن تجرى الدراسات الآن داخل الأوساط الأكاديمية.
علاوة على ذلك، ركز النشطاء والباحثون في الماضي بشكل عام على الإبادة الجماعية الخاصة بهم وتواصلوا مع طوائفهم. من الآن فصاعداً، يبدو أن الإبادة الجماعية التي ارتكبها العثمانيون ضد السكان غير المسلمين سيتم التعامل معها بنهج علمي متكامل، كما يفعل المؤرخان الإسرائيليان بيني موريس ودرور زئيفي في كتابهما الجديد "ثلاثون عاماً من الإبادة الجماعية"، والذي يقدر أن ما يصل إلى 2.5 مليون من المسيحيين الأرمن واليونانيين والآشوريين قتلوا في الأناضول في الفترة من 1894 إلى 1924.
فشلت تركيا بشكل عام في استخدام الذكرى المئوية لتذكر ماضيها وتعلمه وفهمه والتساؤل بشأنه والتصالح معه من أجل البدء في التعافي. ومع ذلك، فإن حاضرنا قد تشكل إلى حد كبير بالأحداث التي بدأت منذ عام 1908. يبدو أن المجتمع التركي وقادة الرأي والأكاديميين البارزين غير مهتمين بالذكرى المئوية للعهد الدستوري الثاني وحروب البلقان والغارة على بورت سوبليم والحرب العالمية الأولى والإبادة الجماعية العثمانية ومعاهدة سيفر وأكثر من ذلك لم يأت بعد، بالطبع باستثناء الذكرى المئوية لتأسيس تركيا.
وبدلاً من ذلك، يبدو أن الجميع يشعرون بالراحة وهم يرددون الروايات الرسمية بشأن هذه الأفعال المزعجة ويرفضون الدراسات التي أجريت في الخارج ويعتبرونها مجرد أكاذيب. نتيجة لذلك، تستمر "الأمراض" في الانتكاس!
في مناسبة الذكرى المئوية لإبادة اليونانيين البونتيك عام 1919، من المهم أن ندرك أن تركيا، حيث تم محو السكان غير المسلمين، أصبحت أكثر دول العالم تجانساً دينياً لكنها لا تزال دولة عقيمة في المنطقة.
لن نجد الحياة الطبيعية أبداً دون حساب هذه الخسارة الحضارية الكبرى.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-greece/100th-anniversary-pontic-genocide
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.