الدولة العميقة في تركيا وثقافة الإفلات من العقاب

منذ عقد من الزمان، سعى ممثلو الادعاء التركي إلى إلقاء جميع أنواع الجرائم على عاتق جماعة غامضة تدعى أرغينكون، تضم في صفوفها ضباطا بالجيش وعلمانيين متشددين عاقدين العزم على إسقاط الدولة، بيد أن إحدى المحاكم برأت هذا الشهر أكثر من 200 مدعى عليه اتهموا بالمشاركة في هذه المؤامرة، بينما يقول بعض الخبراء إن هذه الجماعة لا وجود لها مطلقا على الأرجح.

الآن، تلاحق السلطات القانونية أعضاء حركة غولن السرية بنفس القوة، لكن الخبراء يقولون إن الدولة العميقة - ذلك المصطلح الذي صيغ في تركيا في تسعينات القرن العشرين - لم تكن قط كيانا واحدا بل سلسلة من الجماعات المتنافسة أحيانا التي تعمل بالنيابة عن العناصر التابعة للقائمين على السلطة تحت حماية ثقافة الإفلات من العقاب التي يرجع تاريخها إلى عقود مضت.

وعلى الرغم من أن محاكمات أرغينكون تستند إلى أدلة غير موثوق بها واستخدمها حزب العدالة والتنمية الحاكم وحلفاؤه آنذاك بحركة غولن في ملاحقة خصومهم السياسيين، يقول الخبراء إن الكثير من المدعى عليهم متورطون على الأرجح في جرائم لم يُحاسبوا عليها قط.

فيقول هنري باركي أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ليهاني والزميل البارز لدى مجلس العلاقات الخارجية: "ما من شك أن لوائح الاتهام هذه تضمنت الكثير من الأشخاص الذين كان من المفترض محاكمتهم على ما اقترفته أيديهم من جرم وخصوصا بحق الأكراد في الشرق، وعلى جرائم القتل والاغتيال وربما حتى اغتيال هرانت دينك"، في إشارة إلى قتل الصحفي التركي الأرمني في العام 2007.

وأضاف باركي: "غير أن الفرصة لم تسنح قط للقيام بذلك لأن تلك الاتهامات باطلة في النهاية كونها بُنيت على باطل".

وقال ممثلو الادعاء إن منظمة واحدة - أرغينكون – هي التي تقف وراء كل أعمال العنف السياسي تقريبا في تاريخ تركيا الحديث، مما دفع الكثيرين للاعتقاد بأنه سيتم أخيرا الكشف عن شبكة سرية قوية يُطلق عليها اسم "الدولة العميقة" وتقديمها للعدالة.

لكن الخبراء يقولون إن الدولة العميقة الحقيقية دائما ما يُساء فهمها على نطاق واسع، ولم تكن أبدا منظمة واحدة.

وقال غاريث جينكنز المحلل لدى معهد سياسات الأمن والتنمية: "في ذلك الوقت (من محاكمات أرغينكون) كانت هناك رسوم بيانية تُنشر في الصحف تتسم بنوع من التنظيم الهرمي، على قمته أكثر العناصر أهمية. والدولة العميقة الحقيقية لم تكن قط كذلك. لم تكن أبدا على درجة عالية من التنظيم. بل هي أقرب إلى ثقافة الإفلات من العقاب.

وتابع: "لم توجد يوما منظمة اسمها أرغينكون".

في الواقع، كانت ما تعرف باسم الدولة العميقة عبارة عن عدد من المجموعات القانونية وغير القانونية المتنافسة في الغالب شاغلها الشاغل هو الحفاظ على الأمن القومي التركي بأي ثمن.

ويقول ريان غينغيراس الأستاذ في قسم شؤون الأمن القومي بكلية الدراسات العليا البحرية في كاليفورنيا: "على صعيد المؤسسات، يمكن أن تكون الدولة العميقة أجزاء من الشرطة أو المخابرات أو الجيش، وكذلك مجموعات من خارج (الدولة)، سواء كانت هذه مصالح تجارية أو جريمة منظمة.

هذه الأنواع من الهياكل والممارسات لها تاريخ طويل في تركيا. فجمعية الاتحاد والترقي التي أدارت الإمبراطورية العثمانية في سنواتها الأخيرة كانت تضم عناصر سرية، بعضها ساهم في تنفيذ الإبادة الجماعية للأرمن والتي بدأت في العام 1915.

يقول البعض إن ممارسات الدولة العميقة نابعة من الذراع التركية لبرنامج مزعوم لحلف شمال الأطلسي (ناتو) يدعى غلاديو ويهدف للبقاء خلف خطوط العدو استعدادا لأي غزو سوفيتي محتمل. وتردد أن النسخة التركية عُرفت باسم "مكافحة حرب العصابات"، وأكد وجودها رئيس الوزراء السابق بولنت أجاويد. غير أن غينغيراس يقول إن حلف شمال الأطلسي لم يقر قط ببرنامج غلاديو، والأدلة على وجوده شحيحة للغاية.

وأبلغ موقع "أحوال تركية" قائلا: "ليس لدينا تقريبا أي وثيقة مطلقا تفيد بوجوده". غير أنه بحلول سبعينات القرن الماضي، كانت جماعات الجريمة المنظمة تتعاون مع عناصر الدولة التركية.

وتابع: "من الواضح أن هناك روابط جوهرية تشكلت بين عناصر أجهزة الأمن التركية وعالم الجريمة التركي في وقت مبكر جدا... وقد وجد أولئك الذين يميلون للتيار اليميني على وجه الخصوص مكانا طبيعيا لهم في سياسة البلاد المتنامية لمكافحة الإرهاب والتصدي للمعارضين بحلول فترة أوائل إلى منتصف السبعينات".

في شهر نوفمبر من العام 1996، وقع حادث سلط الأضواء على الدولة العميقة وجعلها محط أنظار العامة. فقد تحطمت سيارة تقل عضوا بالبرلمان يرأس وحدة كردية شبه عسكرية وقاتلا مأجورا عضوا بتنظيم الذئاب الرمادية القومي المتشدد ونائبا سابقا لقائد شرطة إسطنبول وملكة جمال في بلدة سوسورلوك، ولم ينج من الحادث إلا عضو البرلمان.

وكشفت لجنة رسمية عن صلات بين الحكومة والجماعات شبه العسكرية وعالم الجريمة للمرة الأولى، وأقر جهاز الاستخبارات الوطنية التركي (إم.آي.تي) بتجنيد عناصر من المنظمات الإجرامية القومية المتطرفة لتنفيذ عمليات اغتيال. وقد أدين أربعة عشر ضابط شرطة بالانتماء إلى عصابة إجرامية، لكن لم يتم تقديم أي مسؤولين كبار بالحكومة إلى المحاكمة.

جماعة أمهات السبت التي تحتشد في ميدان تقسيم في إسطنبول أسبوعيا للاحتجاج على اختفاء أشخاص في العقود الأخيرة، في الوقت الذي شهدت فيه تركيا تغييرات مهمة في النظام
جماعة أمهات السبت التي تحتشد في ميدان تقسيم في إسطنبول أسبوعيا للاحتجاج على اختفاء أشخاص في العقود الأخيرة، في الوقت الذي شهدت فيه تركيا تغييرات مهمة في النظام

ومن أشهر الجماعات التي ارتبطت بما يعرف باسم الدولة العميقة هي جيتيم، الجناح الاستخباراتي لقوات الدرك التركية الذي تأسس في ثمانينات القرن العشرين ونُسبت إليه المسؤولية عن الكثير من الفظائع التي ارتكبت إبان التسعينات في إطار ما يُشار إليها باسم الحرب القذرة على حزب العمال الكردستاني المسلح المتشدد. وقوات الدرك هي قوة شرطة ريفية من موروثات العهد العثماني تعمل في أغلب الأحيان دون أن تخضع للمساءلة تقريبا.

ويقول غينغيراس: "ما جرى عليه الحال منذ زمن طويل هو أن قوات الدرك احتفظت بهذا النوع من الاستقلالية العجيبة، فهي جزء من الجيش وجزء من وزارة الداخلية. وهذه القوة سلبت السلطة من الجيش وقوة الشرطة الحضرية مرات عدة".

وقد جرى الاعتراف رسميا بجيتيم، غير أن المعلومات الخاصة بالتنظيم تعتمد في معظمها على حسابات شخصية لا يمكن التعويل عليها في الغالب.

وقال غينغيراس: "لدينا فكرة نوعا ما أن هذه الجماعة كانت تتمتع بقدر كبير من الاستقلالية وقدر كبير من السلطة في تبني هذه الأجندة المناهضة لحزب العمال الكردستاني. لكننا لا نعرف حقا كيف انخرطت مع الجيش وكيف عملت وتفاعلت مع العناصر النظامية بقوة الشرطة".

يقول بعض النشطاء إن الحكومة لم تجر تحقيقات مناسبة أو تخضع للمساءلة بشأن أفعال جيتيم، ولكن كما يقول غينغيراس "هذا هو المعتاد تقريبا مع كل الأمور المرتبطة بتجاوزات الحكومة التركية. تلك هي القاعدة وليس الاستثناء".

وكان المؤسسان المزعومان لجيتيم، وهما ولي كوتشوك وعارف دوغان، من بين المدعى عليهم في محاكمات أرغينكون. وجاء كوتشوك بين من تمت تبرئة ساحتهم في الآونة الأخيرة، أما دوغان فقد توفي في العام 2014.

إن الغالبية العظمى من الفظائع التي ارتكبتها جيتيم وغيرها من الجماعات، بما في ذلك الآلاف من حالات الاختفاء القسري، قد وقعت في المنطقة الجنوبية الشرقية ذات الأغلبية الكردية في تسعينات القرن الماضي. وثار غضب الكثير من نشطاء حقوق الإنسان بسبب إفلات المدعى عليهم في محاكمات أرغينكون المشتبه بتورطهم في تلك الجرائم من العدالة بعد تبرئتهم.

وقال مصطفى غوربوز الخبير المختص بشؤون القضايا الكردية لدى الجامعة الأميركية والمركز العربي في واشنطن: "لا يوجد تقريبا أي كردي في المنطقة الجنوبية الشرقية لم تمسه ثقافة الإفلات من العقاب هذه. ففي كل أسرة، تجد قتيلا على الأقل بين أفرادها".

لقد تولى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان السلطة بناء على أسس من بينها التعهد باستئصال ثقافة الدولة العميقة، الأمر الذي تردد الكثير من الأكراد في تصديقه.

وقال غينغيراس: "هذا بالتأكيد جزء كبير من قصة انتخاب أردوغان، كيف انتُخب ولماذا انتُخب. لقد بُني تشريحه وتشكيله لحزب العدالة والتنمية حول فكرة مواجهة الثقافة التي تمخضت عن سوسورلوك".

بدا لفترة من الوقت كما لو أن الحكومة بدأت التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها الدولة، لكن يبدو أن المحاكمات لم تثمر عن شيء؛ ويقول غوربوز إن أردوغان لم يف بوعوده في نهاية المطاف، وفي الآونة الأخيرة أخذ يتودد إلى القوميين المتشددين.

وقال غوربوز: "يعتقد معظم الأكراد أن الجناة لا يزالون محميين ببيروقراطية الدولة التركية، وأنه تم إحياء الإجراءات التعسفية خارج إطار القضاء من جديد تحت عباءة النعرة القومية التركية في مواجهة الأعداء المفترضين للدولة التركية".

أشار غوربوز أيضا إلى أن عمليات الخطف زادت من جديد في تركيا، وخصوصا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في العام 2016 وتقول الحكومة إن منفذيها هم أعضاء منظمة فتح الله الإرهابية، الاسم الذي تطلقه الحكومة التركية على حركة غولن.

وأضاف: "وثّقت عدة منظمات معنية بحقوق الإنسان أن عمليات الخطف والاستجواب خارج نطاق القضاء تفشت من جديد، وتعيد إلى الأذهان المشهد في أوائل تسعينات القرن العشرين".

وذكر غينغيراس أنه بعد محاكمات أرغينكون والانقسام العنيف بين حزب العدالة والتنمية وحركة غولن، تشرذمت مفاهيم الدولة العميقة وتباينت على أساس حزبي.

وأضاف: "الدولة العميقة كمفهوم لا يزال لها صدى، لكن هذا المفهوم بات يختلف اختلافا شديدا من حزب لآخر. فعلى غرار كل شيء آخر في تركيا، أصبح تفسيره مفتوحا بحسب رؤيتك الحزبية".

وتابع أن الصحفي السابق والبرلماني المعارض الحالي أحمد شيك "يقول إن حزب العدالة والتنمية هو الدولة العميقة. إذا نظرت بنظرة الحزب الصالح اليمينية المتشددة... فهي الولايات المتحدة. وإن كنت من حزب العدالة والتنمية... فإنها منظمة فتح الله الإرهابية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/deep-state/turkeys-deep-state-never-one-structure-more-culture-impunity
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.