الفجوة بين بيانات التضخم الرسمية وأسعار المتاجر تُثير حيرة الأتراك

عندما أعلن معهد الإحصاء التركي أحدث بيانات التضخم، نشر موقع (تسايتونغ) الإلكتروني الساخر – والذي يحظى بشعبية كبيرة – صورة معدّلة، تُظهر عشرات الأشخاص ينتظرون خارج مكاتب معهد الإحصاء التركي مكتوب في تعليق تحتها "الزوار يتوافدون على مبنى معهد الإحصاء التركي، المكان الوحيد في تركيا، الذي يبلغ معدّل التضخم فيه ثمانية في المئة".

وأظهر مسح أجرته مؤسسة متروبول، المتخصصة في استطلاعات الرأي، في الآونة الأخيرة أن نسبة من لا يثقون في بيانات التضخم التي يُصدرها معهد الإحصاء التركي زادت إلى 40 في المئة في أكتوبر، مقارنة مع 35 في المئة في سبتمبر، بعد أن قال المعهد إن التضخم هبط إلى معدل سنوي بلغ 8.6 في المئة في أكتوبر من 9.3 في المئة في الشهر السابق.

وقال المحلل المالي أتيلا يشيلادا إن تلك البيانات تدق ناقوس الخطر، حيث يتخذ الناس قراراتهم بناء على البيانات التي يرونها موثوقة، وهذا يشكل خطراً على نجاح أي برنامج اقتصادي تضعه الحكومة.

وتنتشر حالة من عدم الثقة في البيانات الرسمية في تركيا، التي شهدت ارتفاعاً كبيراً في معدل التضخم عند 25.2 في المئة في أكتوبر 2018، وهو أعلى مستوى في نحو 15 عاماً. جاء ذلك بعد أزمة عملة عانت منها البلاد في أغسطس من العام ذاته. ويتشكك مواطنون عاديون وسياسيون على حد سواء في بيانات معهد الإحصاء التركي. من بين هؤلاء محمد بركار أوغلو، وهو مشرّع من حزب المعارضة الرئيس، حزب الشعب الجمهوري، قال الأسبوع الماضي إن أعضاءً في الحزب الحاكم أيضاً يسخرون من الأرقام المُعلنة.

وقال صاحب متجر في حي فاتح ذي الأغلبية المحافظة في إسطنبول إن "التضخم يبلغ نحو ألف في المئة... وفي هذه الأوقات، إذا تحدثت عن الأرقام الحقيقية للتضخم، فمن المؤكد أنك ستذهب إلى السجن".

أما عبد الله تشيليك، وهو صاحب نشاط تجاري صغير أيضاً، فيعتقد أن التضخم يزيد على 15 في المئة، ويقول "إنهم لا يعلنون الحقيقة".

ويتشكك الأتراك أيضاً في بيانات التضخم الرسمية في العقد الأول من الألفية، عندما اتّبعت تركيا للمرة الأولى سياسة صارمة لخفض معدلات التضخم. هذه الشكوك ترتبط في جزء منها بحالة الجهل العام المتفشي بين الناس بشأن حساب مؤشر أسعار المستهلكين، والذي يستند إلى السلة الاستهلاكية للأسر المتوسطة.

وقال سيف الدين غورسل، مدير مركز جامعة بهشيشهر للبحوث الاقتصادية والاجتماعية في إسطنبول "لكن السلع والخدمات التي تشملها هذه السلة، والتي يتجاوز عددها 400، لكل منها نصيب ووزن مختلف عن الآخر لكل أسرة من الأسر بناء على مستويات الدخل". من ثم فإن الأسر ذات الدخل المنخفض، التي يكون للسلع والخدمات الأساسية عندها وزن أكبر، تكون أكثر حساسية للارتفاعات السريعة في أسعار الغذاء.

وقالت الخبيرة الاقتصادية جلدم أتاباي، وهي من المساهمين في جهود موقع أحوال تركية، إن تضخم أسعار الغذاء أعلى بأكثر من مثلي معدل تضخم أسعار المستهلكين الأساسي، بينما تتراوح زيادة أسعار الإيجارات بين 18 و20 في المئة. بيد أن العمال والموظفين حصلوا على زيادات في الأجور تقل مستوياتها عن متوسط معدل التضخم. وقال أتاباي "من ثم، فإنهم تنتابهم الريبة، ويتشككون في أن الحكومة تتلاعب في الأرقام".

وقال غورسل "فضلاً عن ذلك، فإن الشخص العادي لا يعرف الفريق بين خفض معدلات التضخم والانكماش". يتوقع الناس بشكل عام انخفاض الأسعار عندما تتراجع معدلات التضخم، ويتشككون في مصداقية البيانات الرسمية عندما يلاحظون زيادة الأسعار في السوق.

لكن الوضع الحالي مختلف تماماً عن الشكوك السابقة بشأن بيانات التضخم، وفقاً لغوفنتورك غورغولو، وهو أكاديمي في قسم الاتصال بجامعة بيلجي في إسطنبول. وقال غورغولو "اليوم هناك انطباع بأن الأهداف لا توضع وفقاً للبيانات، ولكنها تُفَصّل بناء على الأهداف الموضوعة".

مثل هذه التصورات هي نتيجة للسياسة الاقتصادية المثيرة للريبة، التي تنتهجها الحكومة، مثل قرار الرئيس رجب طيب أردوغان المفاجئ بإقالة محافظ البنك المركزي في يوليو بسبب رفض الأخير خفض أسعار الفائدة.

وفي أكتوبر من العام الماضي، عندما كان التضخم عند مستوى ذروة، أطاح وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق – وهو أيضاً صهر أردوغان – بمسؤول كبير في معهد الإحصاء التركي، كان يُدير القسم المعني بحساب معدلات التضخم، وعيّن حليفاً قديماً. بعد ذلك، قالت بعض منابر المعارضة إن مسؤولي معهد الإحصاء التركي كانوا يبلغون سلاسل المتاجر التابعة للحكومة بزيارات جمع البيانات قبل أن يقوموا بها، لكي يتسنى لتلك السلاسل خفض أسعارها سلفاً.

وقال غورسل إن مثل تلك الشائعات، حتى إن كان فيها بعض الحقيقة، فإنها لن تؤدي بشكل كبير إلى انخفاض ضخم في تقديرات مؤشر أسعار المستهلكين. وأكد يشيلادا على تعليقات غورسل، قائلاً إن خبراء الاقتصاد الثقات الذين تحدث إليهم، يعتقدون أن هذه الوسائل قد يكون لها أثر هامشي فقط على معدلات التضخم الإجمالية.

ومعهد الإحصاء التركي هو أحد مؤسسات الدولة الراسخة في تركيا، وكان من أول المؤسسات التي حققت توافقاً بين الوسائل التي تتبعها، وتلك التي يتبعها الاتحاد الأوروبي بعد بداية مباحثات الانضمام إلى عضوية الاتحاد في عام 2005. وقال غورسل "معهد الإحصاء التركي لا يدافع عن نفسه بشكل مؤثر... إنه ضعيف للغاية في التواصل مع الرأي العام".

ووفقا لغورسل، فإن وسائل الإعلام المعارضة تثير أيضاً شكوك الرأي العام. وقال "في هذا الإطار، هم يستخدمون المصطلحات الاقتصادية بشكل خطأ، وسبب هذا الأساسي هو جهلهم. لكن المواطنين المستعدين للتصديق بسهولة يبتلعون الطُعم".

في الوقت ذاته، تستخدم وسائل الإعلام المؤيدة للحكومة مفاهيم غريبة لوصف التطورات الاقتصادية، مثل استخدام مصطلح "تحديث الأسعار" بدلاً من رفع الأسعار، أو أن تعرض المؤشرات الاقتصادية الأكثر إيجابية دون غيرها.

وقال غورغولو "لكي أكون صادقاً، فإن الصحافة التركية لم تكن أبداً جيدة في التعامل مع البيانات التي فيها أرقام" مضيفاً أن مهمة تفسير الأرقام الاقتصادية ظلت لسنوات تُترك لكتّاب المقالات في الصحف الكُبرى".

أضاف "الآن، وحيث أن معظم هؤلاء الكُتّاب تم إقصاؤهم بشكل شبه كامل عن المشهد الإعلامي، فلم يعد هناك شخص يقيّم البيانات الرسمية... من المستحيل القول بأن المجتمع يحصل على ما يكفي من المعلومات. عندما ترون شعبية قنوات خبراء الاقتصاد على يوتيوب، أو مدوناتهم الشخصية على الإنترنت، يمكنكم أن تعرفوا إلى أي مدى يصل المهتمون بالاقتصاد إلى الأخبار".

ومع ذلك، فإنه وفقاً لمسح متروبول، تتساوى نسبة من يصدقون بيانات معهد الإحصاء التركي مع نسبة من لا يصدقونها.

إيمان دمير، وهي بائعة في كاراغومروك في فاتح، أحد من يصدقون تلك البيانات. تقول دمير إن "الأسعار طبيعية تماماً... أسعار الحكومة متطابقة مع أسعارنا".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-inflation/turks-puzzled-gap-between-official-inflation-figures-and-shop-prices
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.