الفنانون لم يسلموا من التشدد التركي

مع مرور عقدين من حكم حزب العدالة والتنمية، أظهر الإتلاف الحاكم الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب أردوغان عدم رغبته في قبول النقد مرارا وتكرارا. وأصبحت تركيا واحدة من أكبر الدول التي تسجن الصحفيين في العالم. كما أن أحزاب المعارضة مهددة بالحل، وضاقت مساحة حرية التعبير، سواء على الإنترنت أو خارجها.

ولم يسلم الفنانون الأتراك من القمع. فوفقا لمنظمة فري ميوز الدولية، تعدّ تركيا أكبر منتهكي الحقوق الفنية في أوروبا. حيث سجل تقرير فري ميوز السنوي 254 "تقييدا غير شرعي للحرية الفنية" في أوروبا، 72 منها في تركيا وحدها. ولا يزال سبعة فنانين مسجونين في البلاد، وقد حوكم 17 فنانا بموجب مجموعة من القوانين القاسية والغامضة. ومن بين الدول الست المسؤولة عن الجزء الأكبر من القيود المفروضة على الموسيقى، كانت تركيا في المقدمة أيضا.

قالت منسقة الحملات في فري ميوز، بيج كولينغز، لموقع أحوال تركية في تدوينة صوتية، إن تركيا تظل جزءا من اتجاه أوسع للبلدان التي تعاني من تقلص شامل في التعبيرات البديلة التي تتعارض مع تلك التي تروّج لها السلطات. ويتعرض الفنانون لضغط نظام قانوني قمعي مثل نظرائهم في المجتمع المدني، حيث أصبحوا ضحايا تعريفات غامضة للإرهاب والجرائم الأخرى. وبحسب كولينغز، اشتد قمع الحرية الفنية في ظل حالة الطوارئ التي سُنَّت بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016، واستمر بعد تقنين العديد من الصلاحيات غير العادية رسميا في يوليو 2018.

وقد تأثر كل شكل من أشكال الفن بهذه القوانين، وكافح الفنانون في جميع أنحاء البلاد لتجنب التعارض معها. لكن كولينغز قالت إن الوضع يمثل تحديا فريدا للفنانين الأكراد في تركيا. فغالبا ما يتحدثون عن السياسات والأعراف الاجتماعية القمعية أو التمييزية المفروضة عليهم. وأضافت أنه نتيجة لذلك، غالبا ما يتم إسكاتهم بموجب تشريعات مكافحة الإرهاب، واتهامهم بدعم حزب العمال الكردستاني، الذي شارك في نزاع داخلي مع الدولة التركية منذ 1984.

وهناك أمثلة عديدة على تعرض الفنانين الأكراد للاضطهاد من السلطات التركية. حيث قُبض على هوزان كين، الفنانة الألمانية الكردية، في 2018 لحضورها فعاليات استضافها حزب الشعب الديمقراطي التركي المؤيد للأكراد، وأفرج عنها في سبتمبر الماضي.

كما استُهدف المغني الشعبي الكردي فرحات تونج، واتُهم ببث المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي أثناء حصار تنظيم الدولة الإسلامية لمدينة كوباني ذات الأغلبية الكردية في سوريا خلال سنة 2014. ويقول ممثلو الادعاء إن هذا يشكل دعما لجماعات إرهابية مثل حزب العمال الكردستاني. ومنذ ذلك الحين انتقل المغني إلى ألمانيا، حيث رفضت المحاكم المحلية الطلبات القانونية المقدمة من المدعين العامين الأتراك على أساس أنها تنتهك حريته في التعبير.

كما يخضع الفنانون من مجتمع الميم للقمع، حيث تتخذ السلطات نبرة معادية تجاه المجتمع، وغالبا ما تتهمهم بإهانة القيم العائلية أو الأخلاق الدينية بفنونهم.

وخلال الشهر الماضي، أثار الطلاب الذين احتجوا على تعيين شخصية مؤيدة للحكومة لعمادة جامعة البوسفور في اسطنبول غضب المسؤولين الحكوميين بتصوير الكعبة المشرفة، أهم موقع مقدس في الإسلام، مزينة بعلم المثليين بلون قوس قزح. وقُبض على أربعة طلاب بسبب الصورة.

لسوء الحظ، لا يقتصر تهديد الحرية الفنية على تركيا. إذ يُظهر تقرير فري ميوز أنه في جميع أنحاء العالم، تضيق مساحة التعبير الفني في الديمقراطيات التقليدية والدول الاستبدادية على حد سواء. وتتقدم تركيا على دول مثل روسيا في اضطهادها للفنانين وفقا لبعض المعايير. لكن الدولة تتبعها دول أخرى في أوروبا بما في ذلك بولندا.

ليست تركيا وحدها التي تنتهك الحرية الفنية. وقالت كولينغز: "للأسف هناك العديد من الدول التي تفعل نفس الشيء. وربما ليس الأمر واضحا كما هو الحال في تركيا، مع قوانينها ضد الإهانة والتجديف، إذ تعتمد هذه الطرق في جميع أنحاء العالم لإسكات التعبير الفني".

يقدم تقرير فري ميوز عدة توصيات للحكومات للبدء في معالجة اضطهادات الفنانين.

وفي حالة تركيا، يشمل ذلك توضيح التعريف القانوني للإرهاب وإلغاء المادة 299 من قانون العقوبات التي تجرّم إهانة الرئيس. حيث اعتُمدت لرفع دعاوى قانونية ضد فنانين ومجموعات أخرى تنتقد أردوغان في السنوات الأخيرة. وحذرت كولينغز من أن الفنانين الأتراك سيواصلون فرض الرقابة الذاتية أو المخاطرة بحياتهم باسم أعمالهم دون تغييرات. وقالت: "الفنانون يموتون حرفيا بسبب حراسة السلطات في تركيا للحرية الفنية".