الفوارق الاقتصادية تقسم المجتمع التركي

تعد حرية التعبير واحدة من أهم حقوق الإنسان الأساسية بلا شك. بالطبع، لا يتبغي إجبار أحد على التفكير بنفس الطريقة. ويجب أن يكون الجميع قادرين على التصريح بأفكارهم دون إهانة بعضهم البعض. كما لا ينبغي لأحد أن يتردد أو يخشى التعبير عن آرائه. وكم هو غريب أن نستمر في الحديث عن أهمية حرية التعبير ونحن في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. لكن هذا الإعلان ضروري. وينطبق هذا بشكل خاص على تركيا حيث لا تتسامح الغالبية العظمى من المجتمع التركي مع الأشخاص الذين يتبنون رأيا مختلفا عنهم.

سرعان ما أصبح أولئك الذين لا يتصرفون مثل غالبية المجتمع أو أولئك الذين يمارسون حقوق الإنسان الأساسية في تركيا "الآخرين".

للتوضيح، هناك احتجاج مستمر ضد عميد جامعة البوسفور المرموقة في تركيا المعين حديثا، وقاده أعضاء هيئة التدريس والطلاب منذ 4 يناير 2021.  ويُذكر أن مليح بولو تقدم بطلب للترشح عن حزب العدالة والتنمية الحاكم بزعامة أردوغان في الانتخابات البرلمانية في 2015، وهو أول رئيس جامعة يختاره الرئيس من خارج الجامعة منذ الانقلاب العسكري في تركيا سنة 1980. وقد اشتكى الطلاب وأعضاء هيئة التدريس من هذا التعيين لتقويضه تقليدا دام عقودا من اختيار عمداء من داخل الجامعة. حيث يصبح المرشح الذي يحصل على أعلى عدد من الأصوات خلال الانتخابات الجامعية عميد جامعة البوسفور. وقد طالب أعضاء هيئة التدريس والطلاب بضرورة استمرار هذا التقليد الديمقراطي، وهم يطالبون باستقالة بولو.

يريد المتظاهرون اعتماد حقوقهم الأساسية، حيث يتمتع الجميع بحرية التعبير بموجب المادة 28 من الدستور. كما يعتبر تنظيم الاحتجاجات أحد الحقوق الدستورية الأساسية في تركيا. وتشير المادة 34 إلى أن " للجميع الحق في تنظيم اجتماعات ومسيرات تظاهر غير مسلحة وسلمية دون إذن مسبق".

لسوء الحظ، قوبل الطلاب وأعضاء هيئة التدريس برد فعل قمعي من الشرطة، واعتقلت السلطات أكثر من 600 شخص اعتبارا من 5 فبراير 2021. كما انتقدت الحكومة التركية المتظاهرين ووصفتهم بالإرهابيين. وألقى الرئيس التركي باللوم على الأستاذة الفخرية عائشة بوقرة، المختصة في السياسة الاجتماعية والاقتصاد في تركيا، لإثارة احتجاجات الطلاب في جامعة البوسفور. وقال الرئيس التركي إن "زوجة الشخص المسمى عثمان كافالا" هي من بين هؤلاء المحرضين. ولا يتطابق تجريم المتظاهرين الذين يستخدمون حقهم الدستوري أو اتهام عائشة بالتحريض مع قيم حقوق الإنسان الأساسية.

ومع الرد البوليسي المستمر على المتظاهرين الذين يطالبون بانتخابات ديمقراطية لمنصب عميد الجامعة الجديد، أتمنى رؤية يوم يمكننا التعايش فيه معا بسلام في تركيا، بغض النظر عن اختلافاتنا كبشر. ومن الأسباب الرئيسية التي تُثير لدي بصيص الأمل هي الأستاذة الفخرية الدكتورة عائشة بوقرة وعملها العظيم من أجل المساواة الاقتصادية والسياسة الاجتماعية ومقاومة الفقر. وقد ألّفَت العديد من الكتب والمقالات لتقديم حلول لتقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء. وتساهم منشوراتها في إثراء الأدب الخاص الذي يتناول هذه القضايا. كما يثني طلابها على كرمها وتواضعها.

سأحاول شرح قيمة عائشة من خلال قضية عدم المساواة الاقتصادية العالمية.

تصدر منظمة أوكسفام الحقوقية الدولية، ومقرها لندن، تقريرا كل سنة تقريبا حول عدم المساواة في الثروة العالمية. وفي 25 يناير 2021، نشرت مقالا بعنوان "فيروس عدم المساواة". ويكمن أحد أهداف هذا التقرير الرئيسية في لفت الانتباه إلى كيفية توسيع النظم الاقتصادية الحالية للفجوة بين الأغنياء والفقراء. ويعدّ هذا التقرير قيما لأنه يلفت الانتباه إلى عدم المساواة الاقتصادية، كما يوفر حلولا ممكنة لتحسين الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية.

وذكر تقرير أوكسفام أنه في الفترة ما بين 18 مارس و31 ديسمبر 2020، ضاعف أغنى عشرة أشخاص في العالم ثرواتهم بمقدار 540 مليار دولار. ووفقا لبيانات صندوق النقد الدولي لسنة 2019، يعدّ الناتج المحلي الإجمالي أعلى من 540 مليار دولار في 23 فقط من أصل 196 دولة. بعبارات أخرى، وفقا لبيانات صندوق النقد الدولي، يبقى حوالي 90 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلدان أقل من أرباح العشرة الأغنى المسجّلة خلال الأزمة الصحية.

خلال أزمة تضاعفت فيها ثروة أغنى عشرة أشخاص في العالم، عُثر على طالبة اللجوء الأوغندية ، ميرسي باغوما، ميتة بجوار رضيعها الجائع، البالغ من العمر 16 شهرا، في المملكة المتحدة. وأفادت منظمة خيرية أن ابنها كان يعاني من سوء التغذية وتطلبت حالته العلاج في المستشفى. ويوضح هذان المثالان المتناقضان الواردان في الفقرات القصيرة أعلاه عدم المساواة الاقتصادية بين الأغنياء والفقراء.

توسّعت فجوة التفاوت الاقتصادي الحالي في جميع أنحاء العالم خلال الأزمة الصحية العالمية، بما في ذلك في تركيا. ويظهر تقرير أن عدد المليونيرات ارتفع بمقدار 32232 من مارس إلى يونيو 2020، بينما فقد ما يقرب من مليون شخص وظائفهم في تركيا. وبالتالي، عندما خسر الغالبية دخلهم الأساسي، كانت هناك زيادة قياسية في ثروة الأغنياء خلال الأزمة. وترتبط هذه النتيجة غير العادلة وتزايد عدم المساواة خلال الأزمة الصحية العالمية بعدم كفاية السياسات الاقتصادية الحالية في تركيا وفي جميع أنحاء العالم. وقد نشر الاقتصادي توماس بيكيتي كتابا بعنوان رأس المال في القرن الحادي والعشرين، حيث درس تاريخ عدم المساواة وادعى أن عدم المساواة الاقتصادية الحالية متجذرة في الأيديولوجيا والسياسة.

عائشة بوقرة هي واحدة من الباحثين الرئيسيين الذين يحققون في عدم المساواة الاقتصادية والفقر والسياسة الاجتماعية. وكرست حياتها للدراسات التي تتناول الفقر وعدم المساواة في الدخل، وكانت محاضرة في جامعة البوسفور لمدة 36 عاما. ووفقا لمؤشر غوغل سكولار المُحَدّث، بلغ عدد الاستشهادات للأعمال التي نشرتها عائشة 5787 اعتبارا من 19 فبراير 2021. أي أن عائشة، التي ورد اسمها في 5787 دراسة منفصلة، كرّست حياتها للدراسات العلمية. وسلطت الضوء على مشاكل المجتمع الاجتماعية والاقتصادية المزمنة واقترحت الحلول. ويعد كتابها "حول الاقتصاديين والسلوك البشري" أحد أفضل المصادر المكتوبة باللغة التركية في أدبيات هذا المجال، فهو يستكشف العلاقة بين السلوكيات البشرية والنظريات الاقتصادية.

نتيجة لذلك، لن يؤدي استهداف كرامة عائشة بوقرة واتهامها إلا إلى الإضرار بالسلام الاجتماعي بين الأتراك. وبدلا من تجريم المتظاهرين وعائشة، يجب على الحكومة التركية التركيز على سياسة اجتماعية واقتصادية جديدة لتقليص الفجوة بين الفقراء والأغنياء. وسيكون هذا الجهد أفضل للبشرية.

أخيرا، يجب أن أقول إنني أشعر بالفخر بالوقوف إلى جانب عائشة بوقرة التي لا ينبغي أبدا أن تترك لوحدها. نعم، من الممكن أن نتعايش في سلام كبشر. دعونا نقف جنبا إلى جنب مع عائشة بوغرة، و"دعونا ننظر جميعا إلى السماء، وليس لأسفل".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/ayse-bugra/human-rights-economic-inequality-and-ayse-bugra
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.