الغموض ما زال يكتنف مؤامرة الانقلاب في تركيا

مرت ثلاث سنوات على محاولة انقلاب الخامس عشر من يوليو 2016، وشهدت تركيا اعتقال عشرات الآلاف ومحاكمات مستمرة لآلاف الأشخاص من كل مناحي الحياة. ومع ذلك، ما زالت الصلات السياسية بين مدبري الانقلاب، والجناح السياسي لمحاولة الانقلاب، يكتنفها الغموض.

وحتى الآن، رفض حزب العدالة والتنمية الحاكم جميع الاقتراحات التي قدمتها المعارضة في البرلمان للتحقيق في هذه الصلات السياسية. وفي الآونة الأخيرة، تقدم حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي بطلب للتحقيق في مزاعم الرشوة والابتزاز في النظام القضائي بعد إطلاق سراح عدد من المشتبه بهم في المحاكمات المرتبطة بمحاولة الانقلاب. مرة أخرى، اعترض على الطلب حزب العدالة والتنمية وشركاؤه في التحالف من اليمين المتطرف، حزب الحركة القومية.

التقرير الذي يتم إعداده والذي صدر تكليف بإعداده بعد أيام من محاولة الانقلاب عقب تقديم اقتراح من جميع الأحزاب الأربعة في البرلمان، كان معضلة. نظراً لتأخر حزب العدالة والتنمية في اختيار أعضاء اللجنة، لم تتمكن من عقد اجتماعها الأول حتى أكتوبر 2016، ولم تعمل اللجنة إلا لمدة ثلاثة أشهر.

وفي حين تم استدعاء العديد من الأشخاص، من رؤساء الأركان السابقين إلى رؤساء الاستخبارات السابقين للإدلاء بشهادتهم، فشلت اللجنة في الحصول على إفادات من شخصيتين رئيسيتين في ليلة الانقلاب وهما هاكان فيدان، مدير وكالة الاستخبارات الوطنية، الذي قالت تقارير إنه علم بالمحاولة قبل ساعات من خروج القوات إلى الشوارع، ووزير الدفاع خلوصي أكار، رئيس الأركان العامة في ليلة محاولة الانقلاب والذي احتجزه مدبرو الانقلاب.

وقلة ما هو معروف علناً بشأن التقرير أثار المخاوف. فقد تم تسريب مسودتين من التقرير، وقد وصلت المسودة الثانية إلى 1097 صفحة. حتى الآن، تم تقليص التقرير إلى 637 صفحة ولم يتم تقديمه بعد إلى البرلمان أو نشره للجمهور.

وتريد المعارضة إجابات. لقد ضاعفت الفترة التي أعقبت الانقلاب من سلطة أردوغان فحسب، وبات أول رئيس تنفيذي للبلاد بسلطات لم يسبق لها مثيل بعد الانتخابات التي أجريت في العام الماضي، وبعد استفتاء أجري في العام السابق تحت حكم الطوارئ.

وقد وصف حزب الشعب الجمهوري محاولة الانقلاب بأنها "انقلاب محكم متوقع كان بالإمكان الوقاية منه وقد تم استغلال نتائجه"، وتم استخدام العبارة كعنوان لتقرير الأقلية عن الانقلاب وما تلاه، بما في ذلك التقرير البرلماني بعيد المنال.

ويقولون إن رشاد بيتيك رئيس اللجنة الذي عينه حزب العدالة والتنمية منع أعضاء اللجنة من عملية كتابة مسودة التقرير. وأشار تقرير الأقلية لحزب الشعب الجمهوري إلى حذف 293 صفحة من المسودة الأخيرة، ويقول إنها تضمنت معلومات عن حركة غولن، حلفاء حزب العدالة والتنمية السابقين الذين تقول الحكومة إنهم وراء المؤامرة.

المقابلات التي تتناول هذا الموضوع مع شخصيات مهمة، بمن فيهم رؤساء الأركان العامة السابقون إلكر باشبوغ وحلمي أوزكوك وايشيك كوشانر، بالإضافة إلى مدير وكالة الاستخبارات الوطنية آمري تانر ووزير الداخلية السابق إفكان آلا والصحفيين نديم شينير وفهمي كورو، تم استبعادها تماماً من التقرير.

وتقول المعارضة إن كل هذه النقاط تشير إلى جهد منسق من قبل الحزب الحاكم لإخفاء مسؤوليته هو نفسه عن صعود حركة غولن.

وكما يقول حزب الشعب الجمهوري في تقرير الأقلية، لم يتم تعريف الحركة للمرة الأولى على أنها منظمة إرهابية بعد أن خرج صراعها مع الحزب الحاكم للعلن عندما بدأ ممثلو الادعاء المرتبطون بحركة غولن إجراء تحقيقات مع وزراء في الحكومة في عام 2013، ولكن في اجتماع لمجلس الأمن القومي في عام 2004، وهو العام الثاني عقب تولي حزب العدالة والتنمية السلطة.

في ذلك الوقت، كان الجنرالات في مجلس الأمن القومي قوة موجهة في السياسة التركية، لكن ذلك تغير خلال السنوات العشر التالية.

وفيما يعتبر في تركيا أحد أكثر حلقات الإدانة المرتبطة بحركة غولن، استهدفت الشرطة وممثلو الادعاء المرتبطون بأنصار غولن المئات من ضباط الجيش العلمانيين والمدنيين البارزين في محاكمات حصلت على موافقة ضمنية من حكومة حزب العدالة والتنمية.

وساعدت المحاكمات على إنهاء وصاية الجيش التي شكلت السياسة التركية على مدى عقود، وعززت سلطة حزب العدالة والتنمية على البلاد. لكن تبين أن كثيراً من الأدلة غير صحيح، وبعد تغير كبير في شبكة حلفاء الحكومة وبدء الصراع مع حركة غولن في عام 2013، تم إطلاق سراح المشتبه بهم وتبرئتهم في نهاية المطاف.

ويقول تقرير الأقلية لحزب الشعب الجمهوري إن حكومة حزب العدالة والتنمية في سنواتها السابقة كانت تحمي أنصار غولن في الدولة على الرغم من تحذيرات مجلس الأمن القومي في عام 2004، وإن مسودة التقرير عن محاولة الانقلاب كانت تحاول إخفاء هذه الحقيقة، ووصف محاولة الانقلاب بأنها تشبه الكارثة الطبيعية أكثر من الحدث السياسي.

وقال تقرير الأقلية المعد من المعارضة "طوال صفحات تقرير الانقلاب البالغ عددها 320 صفحة، يصف التقرير حركة غولن بأنها التي نفذت المحاولة، بمعنى أنه يحولها إلى اسطورة".

وأضاف التقرير "من هذه الزاوية، ما زالت محاولة انقلاب الخامس عشر من يوليو في الظلام، يُزعم أن المنظمة حاولت الاستيلاء على الدولة على نطاق واسع من رؤساء الأركان إلى المطربين، ومن الجنرالات إلى الأكاديميين. ومع ذلك، لا يحتوي التقرير على أي نتائج تتعلق بالجناح السياسي للمنظمة".

في تقرير الأقلية لحزبه، قال ميثات سانكار، وهو نائب ينتمي لحزب الشعوب الديمقراطي المعارض المؤيد للأكراد، إن اللجنة انحرفت عن هدفها الأصلي لتركز بدلاً من ذلك على تعزيز رواية حزب العدالة والتنمية بشأن محاولة الانقلاب، وتركت قائمة طويلة من الأسئلة الحاسمة بشأن الخامس عشر من يوليو دون إجابات.

وتساءل سانكار كيف تلقى مجلس الأمن القومي نبأ محاولة الانقلاب في الساعة السادسة مساءً، ولم يتم إخطار الرئيس على الفور؟ لماذا لم يتم إبلاغ رئيس الوزراء ووزير الداخلية؟ لماذا لا يوجد حتى الآن معلومات واضحة عن كيف ومتى علم الرئيس عن الانقلاب؟ لماذا أدلى بالكثير من التصريحات المتناقضة بشأن ما حدث في تلك الليلة؟ لماذا لم يتمكن كل من أردوغان ورئيس الوزراء آنذاك بن علي يلدريم من الوصول إلى مدير جهاز المخابرات فيدان بعد أن بدأت محاولة الانقلاب في الساعة التاسعة والنصف مساءً؟

وجاء في تعليق سانكار "جعلت حالة الطوارئ من الشائع بعض المخالفات التي يمكن مشاهدتها فقط أثناء انقلاب. علاوة على ذلك، أصبحت حركة غولن متغلغلة في جميع مفاصل الدولة واستخدمت السلطة القضائية للدخول في مرحلة حاسمة ومواصلة أجندتها وبلغت قمة قوتها خلال فترة حزب العدالة والتنمية".

وأثار فشل تقرير اللجنة في تقديم إجابات حقيقية عن محاولة الانقلاب تصريحات قاسية من حزب الحركة القومية، الحزب القومي اليميني المتطرف الذي دخل في تحالف انتخابي رسمي مع حزب العدالة والتنمية في عام 2018.

وفي تقرير الأقلية الخاص به في عام 2017، قال حزب الحركة القومية إن مجلس اللجنة "أثار الشكوك" من خلال عرقلة محاولاته إلقاء الضوء على العلاقات السياسية للمتآمرين.

علاوة على ذلك، قال الحزب إن اللجنة قد فشلت في التحقيق في مصادر التمويل التي تقف وراء المؤامرة، وإن أعضاء حزب العدالة والتنمية في اللجنة صوتوا ضد استدعاء بعض العناصر الفاعلة الأكثر أهمية من بين المتآمرين للإدلاء ببيانات، بمن فيهم الجنرالات محمد ديشلي ومحمد بارتيجوك وأكين أوزتورك.

وطلب تقرير الأقلية لحزب الحركة القومية، مثلما فعلت الأحزاب الأخرى، إجابات على الأسس السياسية لمحاولة الانقلاب، مؤكداً على أنه يجب إلقاء الضوء على ما إذا كان نواب حزب العدالة والتنمية ورؤساء البلديات قد لعبوا دوراً فيه أم لا.

وتشير أرقام وزارة العدل التي نُشرت هذا الشهر إلى أن ما يربو على 155 ألف شخص يخضعون للتحقيق بسبب صلاتهم بحركة غولن وإن 69 ألفاً تجري محاكمتهم، مما يعكس مدى أهمية الأسئلة التي أثيرت في تقارير الأقليات.

واحتفل ملايين الأتراك يوم الاثنين بالشجاعة التي أظهرها مواطنو تركيا الذين واجهوا الدبابات في الخامس عشر من يوليو 2016. لكن العدالة لن تتحقق من أجل 248 قتيلاً وآلاف الجرحى في ليلة محاولة الانقلاب إلى أن يتم تقديم الإجابات على النطاق الكامل لمحاولة الانقلاب وصلاتها بالطبقة السياسية في تركيا.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/failed-coup/political-wing-turkeys-coup-plot-still-shrouded-mystery
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.