الهجرة من سواحل ليبيا كابوس يؤرق أوروبا

تونس/طرابلس - يبدي الاتحاد الأوروبي مخاوف متزايدة من تنامي موجات الهجرة السرية إلى إيطاليا ومنها إلى أراضيه عبر السواحل الليبية ويسعى جاهدا لإيجاد صيغة تكبح طوفان المهاجرين عبر هذا المسار البحري على غرار  ما فعل قبل سنوات قليلة حين توصل لاتفاق مع تركيا في مارس 2016 لمنع الهجرة السرية عبر مسار بحر ايجه والحدود البرية مع اليونان.

وباتت الهجرة انطلاقا من السواحل الليبية المنفلتة كابوسا يؤرق أوروبا. وعلى الرغم من أن الاتفاق مع تركيا كبح إلى حد كبير موجات الهجرة السرية إلا أن التوظيف السياسي للاتفاق ومحاولات أنقرة ابتزاز أوروبا وإشهار ورقة اللاجئين والمهاجرين في كل مرة تتعرض فيها تركيا لضغوط أوروبية على خلفية النزاع في شرق المتوسط أو التدخلات التركية الخارجية، أرخى بظلاله على جهود بروكسل في مكافحة الهجرة، خاصة مع انفتاح بوابات سرية من السواحل الليبية يصعب ضبطها.

وقالت المفوضة الأوروبية للشؤون الداخلية إيلفا يوهانسون الجمعة إن الاتحاد الأوروبي يأمل بالتفاوض مجددا مع السلطات الليبية في ملف الهجرة غير القانونية وذلك بعد تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين إلى السواحل الإيطالية قادمين إليها من ليبيا.

ولقي مئات المهاجرين حتفهم منذ يناير الماضي في البحر الأبيض المتوسط، بينما وصل 26 ألفا إلى السواحل الأوروبية حسب إحصاءات الأمم المتحدة، من بينهم 9 آلاف أبحروا من ليبيا حيث يتجمع المهاجرون القادمون من دول إفريقيا جنوب الصحراء سعيا لعبور البحر نحو أوروبا.

وتشكلت حكومة وحدة وطنية في ليبيا في مارس الماضي في محاولة لإرساء الاستقرار في هذه الدولة والخروج من الأزمة متعددة الرؤوس.

وقالت المسؤولة الأوروبية "لدينا فرصة جديدة في ليبيا وأنا مستعدة للبدء في مفاوضات مع الحكومة الليبية الجديدة حول طريقة تطوير تعاون أفضل بما في ذلك مسألة الهجرة".

وفي ردّها على سؤال حول مواصلة التعاون بين الاتحاد الأوروبي وخفر السواحل الليبي المكلف باعتراض المهاجرين ومن بينهم من يواجه تهما بالاتجار بالبشر، أفادت المسؤولة الأوروبية أن دورهم "مفصلي".

وأوضحت أنه "من المهم أن يقوم خفر السواحل بعمليات بحث ونجدة من أجل منع الأشخاص من الموت في البحر. كما من المهم أيضا التأكد من أن الذين تم إيصالهم إلى ليبيا يعاملون بطريقة سوية وفي مراكز جيدة وهذا سيناقش".

ويطالب ناشطون حقوقيون بالتوقف عن نقل المهاجرين الذين يتم اعتراضهم أو نجدتهم في البحر إلى ليبيا حيث يقولون إنّه يتم اعتقالهم بطريقة غير قانونية ودون مرجع قانوني.

وأكدت المفوضة الأوروبية للشؤون الداخلية أن الاتحاد الأوروبي يدعم بالموازاة مع ذلك الهجرة القانونية التي تقلصت جرّاء تفشي جائحة كورونا.

وقالت إن "الاستثمار في السبل القانونية هو جزء من الحل. الاتحاد الأوروبي يحتاج الهجرة، لكن الرغبة في استقبال أشخاص أكثر بطريقة قانونية، رهن أيضا بإمكانات ترحيل الذين ليس لهم وضع قانوني".

مستقبل العمال المهاجرين المعلق تحت جسور طرابلس
مستقبل العمال المهاجرين المعلق تحت جسور طرابلس

واضطر مئات المهاجرين الذين فشلوا في الوصول إلى أوروبا من السواحل الليبية هربا من الفقر، للبقاء في طرابلس رغم الوظائف والأعمال منخفضة الأجر وبالتالي قنعوا بالمزيد من الهشاشة الاقتصادية.

إنهم مئات من العمال المياومين القادمين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والذين يتقاطرون في ساعات الصباح الأولى إلى جسور طرابلس التي تضربها رياح شرق البحر الأبيض المتوسط.

ويتدفقون مجهزين بأدوات بالية وجالسين على إطارات شاحنات ثقيلة أو على حافة الرصيف، يراقب هؤلاء السيارات ويسارعون باتجاه تلك التي تتوقف في انتظار أن يستخدمهم أحد لعمل يومي في ورشة.

وكثر منهم، ممن قدموا من النيجر والسودان وإريتريا، فروا من بلدانهم المبتلية بالنزاعات والفقر والفساد في محاولة لعبور البحر الأبيض المتوسط على متن قوارب مطاطية من ليبيا، التي تعد مركزا للهجرة غير القانونية على الطريق إلى أوروبا.

لكن بعد اعتراضهم من قبل خفر السواحل وإعادتهم إلى هذا البلد الغارق في الفوضى منذ عقد، صاروا وافدين جددا على سوق العمل غير الرسمي.

وقال مختار محمد (27 عاما) وهو سوداني من دارفور التي مزقتها الحرب "جئت قبل ست سنوات للذهاب إلى أوروبا. حاولت العبور إليها في العام 2016، لكن تم اعتراض قاربنا ووضعت في مركز احتجاز" في إحدى ضواحي طرابلس.

وبقي محبوسا في ذلك المركز في ظل "ظروف صعبة جدا" حتى يوليو 2019 عندما أسفرت غارة جوية على المكان عن مقتل عشرات الأشخاص، فيما كانت المدينة هدفا لهجوم شنته قوات المشير خليفة حفتر، رجل الشرق القوي الذي كان يتنافس على السلطة مع الحكومة المعترف بها من المجتمع الدولي.

وقال مختار "أنا أحد الناجين"، ملوحا ببطاقة اللجوء الخاصة به التي منحته إياها مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين التي "أخرجته من المركز"، مضيفا "منذ ذلك الحين، أعمل تحت الجسر عامل نقل".

إلا أن هناك نقصا في فرص العمل، ازداد خلال الجائحة، لذلك، يبقى كثير من المياومين بلا مصدر رزق. وروى مختار بخيبة أمل "في الأيام الجيدة، يمكننا أن نكسب 100 دينار (18 يورو) لكن تمر أيام لا نحقق فيها أي دخل".

وقبل قدومه إلى طرابلس "عبر الصحراء سيرا على الأقدام، استغرق الأمر أسبوعا للوصول من دارفور إلى الحدود الليبية". وهو يشغل الآن غرفة صغيرة في شقة مشتركة مع رفاق طريق و"ما زال يأمل في المغادرة" يوما ما.

وخلفه، ينتظر عشرات الرجال بصبر. وقال إبراهيم (39 عاما) وهو دهّان وبناء من النيجر "ليس هناك فرص عمل كثيرة. وكوفيد زاد الأمر سوءا".

وقد أحبط خفر السواحل ثلاث محاولات للعبور قام بها إبراهيم بعد أن دفع أموالا للمهربين للوصول إلى إيطاليا الواقعة على مسافة 300 كيلومتر إلى الشمال. وقال بحزن "لقد خسرت تسعة آلاف دولار كسبتها بعرق جبيني".

وبدأت الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا في عهد معمر القذافي الذي حكم ليبيا لمدة 42 عاما حتى عام 2011. ولم يتردد العقيد الراحل في الضغط على الدول الأوروبية مطالبا بمبالغ مالية منها لوقف تدفقات الهجرة.

وعبر فتح أبوابه للعديد من المهاجرين الأفارقة، أصبح هذا البلد الغني بالنفط والذي كان عدد سكانه يبلغ قبل الحرب نحو سبعة ملايين نسمة، وجهة نهائية لبعض هؤلاء.

إلا أن الفوضى التي أعقبت ثورة فبراير التي أطاحت بنظام معمر القذافي بدعم من حلف الناتو، عرقلت هذه الهجرة وشجعت ظهور عمليات الاتجار بالبشر وزيادة عمليات العبور غير القانونية.

وفي ظل هذا الوضع الجديد أصبح "الذين يعملون في وظائف غير مستقرة تحت رحمة المتاجرين أيضا" كما حذر مايكل نيومان مدير الدراسات في مركز أبحاث أطباء بلا حدود.

ولكن مع انتهاء القتال في صيف 2020 وتشكيل حكومة وحدة وطنية في مارس، هل تصبح ليبيا مجددا وجهة نهائية؟

وبحسب تقدير نيومان الذي وثق عام 2020 "الظروف المعيشية المروعة السائدة في مراكز الاحتجاز" فإن "ليبيا في عهد القذافي كانت منفتحة جدا على الهجرة، خصوصا من دول جنوب الصحراء وكانت تشجعها، قد تعود كذلك مجددا، لكن ينبغي أن تملك القدرة والوسائل".