الحكومة التركية ترفض التحرك بينما يسود العنف الجندري البلاد

تنطلق دراما العنف الجندري من جنوب غرب تركيا في بلدة صغيرة على الشاطئ. حيث سأل رجل كان حبيب امرأة متزوجة: "ماذا فعلت لك سوى أنني أحببتك؟"، وطعن بطنها معتقدا أنها حامل. لم يكن هناك دماء على سكينه لأن المرأة لم تكن حامل، بل كانت تدّعي ذلك بوضع بطن حامل مزور مصنوع من الاسفنج.

صرخ "أنت الشيطان بعينه!"، مرارا وتكرارا، وهو يطعنها مرة أخرى، متجنبا بطنها الزائف ومستهدفا أحشاءها. هنا، تتسلل امرأة أخرى من خلفه وتمرر سكّينها على رقبته.

يسقط على الأرض. وتسقط المرأة مثله. وينتهي المشهد.

كان المشهد من مقطع فيديو تشويقي قبل ساعات من بث الحلقة الأخيرة من مسلسل "إبنة السفير" ليلة الاثنين على ستار تي في. شاركت الشبكة مشهد القتل المزدوج هذا باستخدام هاشتاغ "أجمل لحظة" باللغة التركية.

رد أحد الحسابات على تويتر باشمئزاز: "بينما تتزايد عمليات قتل النساء كل يوم في البلاد، فإن أي شخص كتب وصوّر وأذاع هذا المشهد سيكون مسؤولا عن كل جريمة قتل تُرتكب". تدير الحساب نساء سعين لتحقيق العدالة لشول جيت، وهي امرأة تبلغ من العمر 23 عامًا تعرضت للاغتصاب والقتل على يد مديرها في 2018. وتطالب المجموعة بالعدالة لضحايا العنف القائم على الجنس.

هناك العديد من الحسابات مثل"العدالة لشول" إذ أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مكانا شائعا للنساء أو عائلات ضحايا القتل وأصدقائهم لإثارة الغضب لإجبار السلطات على اتخاذ إجراءات في هذا الصدد.

تقدمت غولاي مبارك بشكاوى ضد أردوغان كوبالي الذي كان يطاردها منذ سنتين. ولم يُعتقل إلا بسبب الضجّة التي أحدثتها مع صديقتها وانضمام آلاف النساء إليها. وعندما تلاشى الغضب على وسائل التواصل الاجتماعي قليلا، أطلق سراحه. كان هذا في 2018. في 2020، نجح كوبالي في قتل امرأة أخرى  تدعى توغبا كيليش بعد مطاردتها.

يبدو أن جرائم القتل تتصاعد كما لو أن النساء التركيات يعشن في الموسم الأخير من برنامج  "سي إس آي" الفرعي، حيث أصبحت جرائم القتل عاديّة مما أجبر الكتاب أن يكونوا مبدعين في سيناريوهات الجرائم.

قبل بضع سنوات، طُعنت امرأة في الشارع أثناء محاولتها تجنب زوجها السابق. كانت القصة وحشية بما يكفي. ثم دخلت أوزجيكان أصلان الوعي الجماعي التركي في 2015 عندما قتلها سائق الحافلة الصغيرة أحمد صوفي ألتيندوكين لمقاومتها الاغتصاب، وقطع يديها للتخلص من الأدلة، وحرق جسدها.

شهد هذا العام قيام جمال متين أفجي بقتل بينار غولتكين لرفضها له، ووضع جسدها في برميل، وحرقها، وصب الخرسانة على رفاتها.

لا يشارك وزير الداخلية سليمان صويلو هذا الشعور بالتصعيد، بل يعتقد أن الأمور تتحسن.

وفي حديثه في اجتماع تقييمي لجهود الدولة لمكافحة العنف المنزلي والعنف ضد المرأة، اتهم صويلو النساء اللاتي يدرن موقع "أنيت ساياج" الذي يعرض إرقاما وأسماء لكل النساء اللاتي قُتلن منذ 2008، "عبيد الأيديولوجيا والسياسة" واتهمهن بالتلاعب بالأرقام.

قال صويلو: "تخلق النتائج المستمدة من قصاصات الصحف ارتباكا لكامل تركيا من حيث الأرقام. هناك من لا يثقون بنا فيما يتعلق بالأرقام، ويجمعونها من الصحف بطريقة أيديولوجية وسياسية".

ينشر "أنيت ساياج" ومنصة "سنوقف عمليات قتل النساء" بيانات من التقارير الواردة في وسائل الإعلام، إذ لا توجد وزارات في تركيا تنشر الإحصاءات المتعلقة بالعنف ضد المرأة أو العنف القائم على الجنس. ويذك ر النشطاء هذه الحقيقة على الموقع. لكن صويلو قال إن "الجميع يعملون بدقة". وتابع: "للأسف، نحن محكومون من مجموعة عبيد أيديولوجية بسبب الأعداد الخاطئة". تنظم النساء المسيرات ويلمن الدولة "كأن الدولة تقوم بكل عمليات القتل". وقال إن النساء لا يفعلن شيئا سوى "ارتكاب العنف السياسي".

وقال صويلو إن العدد الرسمي للنساء القتلى في 2020 هو 234. وأشار عداد "أنيت ساياج" إلى 353 وقت كتابة هذا المقال. ويأتي التناقض من الأسماء الأقل تفضيلا من الحكومة: النساء غير المواطنات في تركيا، مثل المواطنة الأوزبكية نادرة كاديروفا التي وجدت ميتة العام الماضي في منزل زميلة صويلو ونائبة حزب العدالة والتنمية شيرين أونال حيث كانت عاملة نظافة. ولم يشمل المتحولات للجنس الآخر مثل هاندي شاكير، التي قُتلت العام الماضي على يد ضابط شرطة بعد أن رفض الضابط وصديقه دفع تكاليف خدماتها الحميمية.

كانت فيدان أتاسليم، وهي الأمينة العامة لـ"سنوقف عمليات قتل النساء"، تصرخ خلال مظاهرة الأسبوع الماضي، ووقفت العشرات من النساء حولها صامتات. وقالت: "يبدو الأمر وكأنهم يسخرون منا". وتساءلت: "أين غولستان دوكو؟".

فُقدت غولستان في محافظة تونجلي الشرقية في 5 يناير. وكان المشتبه به الرئيسي زينال أباركوف، وهو مواطن روسي تركي مزدوج الجنسية ووالده ضابط شرطة.

"ماذا حدث لألينا شاكر؟" سألت أتاسليم.

كانت ألينا تبلغ من العمر 21 عاما عندما تم العثور عليها معلقة بحزام رداء الحمام. نقلت وسائل الإعلام بوفاتها على أنها انتحار، لكن تقرير تشريح الجثة أظهر إصابات غير متناسقة وحمضا نوويا لرجل تحت أظافر أصابعها. واكتشفت عائلة شاكر فيما بعد مقاطع فيديو ونشرتها. يظهر الفيديو ألينا تتعرض للضرب من قبل شريكها أوميتكان أويغون.

هدد الرجل في مناسبات عديدة بقتل ألينا علنا. وكانت تعمل في ملهى ليلي. وتساءلت أتاسليم عن السبب الذي يمنع السلطات من اعتقاله.

وتساءلت عن سبب بقاء موسى أورهان حرّا.

واجه الرقيب موسى أورهان قاضيا في قضية اتهم فيها بدفع فتاة كردية تبلغ من العمر 17 سنة للانتحار. وقالت إيبك إير في رسالة انتحارها إن أورهان اعتدى عليها جنسيا، لكنه لم يدخل السجن. ومن المقرر أن تعقد الجلسة المقبلة في فبراير.

وتساءلت أتاسليم عما حدث لربيعة ناز.

كانت ربيعة ناز تبلغ من العمر 11 سنة عندما قفزت من سطح مبنى، وفقا للسجلات الرسمية. وقال الشهود إنهم رأوا سيارة تصدم طفلة وتهرب من مكان الحادث، وأظهر تقرير تحقيق في مسرح الجريمة أنه لكي تسقط الفتاة الصغيرة بتلك الطريقة، كان عليها أن تركض أسرع مما كان ممكنا لها  قبل القفز. وواجه والدها شعبان تحقيقات ومضايقات في سعيه لتحقيق العدالة لابنته.

سألت أتاسليم: "أولئك الذين يجلسون على كراسي السلطة، والذين يقولون إن لديهم كل الموارد في البلاد... ألا يمكنهم معرفة مكان هؤلاء النساء، ومن قتلهن؟" ، وأجابت: "بالطبع يمكنهم ذلك. هذا ما نعنيه بالإرادة السياسية ."

قال صويلو: "العنف المنزلي، قتل النساء، هذه أشياء حرمها ديننا. إن الأمر بهذه البساطة. "يقول ديننا أنه لا يستحق أحد أن يفقد حياته أو يتعرض للعنف، ويأمرنا بحل هذا الأمر."

وسألت أتاسليم في تغريدة على تويتر ، مشيرة إلى القانون التركي رقم 6284 لحماية الأسرة ومنع العنف ضد المرأة: "تقول وزارة الداخلية إن التشهير بالرجال سيحل مشكلة قتل النساء. إليكم المشكلة الحقيقية: لماذا لم نسمع من قبل عن ضابط إنفاذ القانون الذي عوقب لفشله في تنفيذ 6284؟"