أحوال تركية
أغسطس 12 2019

الحكومة التركية ومحاولة محو" الذاكرة الاجتماعية" بحجب موقع بيانت

لا تزال ردود الأفعال تتوالى عقب قرار المحكمة الجنائية في أنقرة بحجب 15 موقعاً من بينها موقع بوابة "بيانت" Bianet الإخبارية (وكالة صحفية تركية مستقلة مقرها في إسطنبول، تُموَّل في الغالب من قبل المفوضية الأوروبية، وتنشر تقارير فصلية حول حرية التعبير في تركيا) ومنع الوصول لمحتواها، الذي يقرب من 200 ألف منشور؛ يتنوع بين التقارير الإخبارية والمقالات الصحفية، وكذلك إغلاق 135 حساباً على مواقع تويتر وفيسبوك وانستغرام وبنترست ويوتيوب، منها حساب النائبة عن حزب الشعوب الديمقراطي في إسطنبول أويا أرسوي.

وعندما ننظر إلى قرار المحكمة، الذي جاء استجابة لطلب تقدمت به القيادة العامة لقوات الدرك في وزارة الداخلية لحجب موقع "بيانت"، وفرض حظر على محتواه، ندرك أن هناك هدفاً آخر أكثر عمقًا من وراء هذا القرار، ويتأكد لدينا هذا الطرح بشكل أكبر عندما ننظر للأمر من زاوية الخدمة الصحفية التي كان يقدمها الموقع.

فإلى جانب الدور الذي كانت تقوم به وكالة "بيانت"، بوصفها إحدى أدوات نقل الأخبار اليومية منذ بداية عملها في تركيا عام 2000، فقد كان لها موقف متفرد بين وسائل الإعلام التركية الأخرى في كشف الحقائق في قضايا أكاديميين من أجل السلام (الذين وقعوا على طلب طالبوا فيه بإقرار السلام)، والأحداث التي تزامنت مع إصدار مراسيم القرارات، التي تسببت في عزل الآلاف من وظائفهم، بالإضافة إلى دورها المهم في الكتابة عن الظلم وسوء استخدام السلطة، التي ستظل عالقة بذاكرة المجتمع في تركيا، وأيضا دورها في فضح عصابات السلطة الحاكمة التي تسببت في إحداث جُرحٍ غائر في الضمير المجتمعي لتركيا.

لذلك يمكن القول إن فرض حظر على الوصول إلى المحتوى الذي ينشره موقع "بيانت" كان محاولة، ضمن محاولات أكثر شمولية تقوم به السلطة الحاكمة في تركيا، لمحو كافة الخطابات والأعمال غير القانونية التي قامت بها من الذاكرة المجتمعية لتركيا.

جاء في قرار المحكمة، بشأن حظر الوصول إلى المحتوى الذي يقدمه هذا الموقع..."يُمنح للرئيس، استناداً إلى الفقرة الأولى من المادة 8 / أ من القانون رقم 5651، صلاحية حجب محتوى أي من وسائل الإعلام المختلفة على الإنترنت أو حظر الوصول إليه أو كليهما معًا، تلبيةً لطلب يُقدم له من الوزارة المختصة؛ للحفاظ على الحق في الحياة، وحماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم، وللحفاظ على الأمن القومي، والنظام العام في البلاد، ومنع وقوع جرائم، والحفاظ على السلم العام في المجتمع. ويُخطر على الفور كافة موفري الخدمة، والمسؤولين عن المحتوى والموقع ذي الصلة بقرار الرئيس. ويتعين على السلطات المختصة تنفيذ القرار وإزالة المحتوى أو حظر الوصول إليه أو كلاهما معاً خلال أربع ساعات من التصديق على القرار".

لا شك أن الحظر الذي طال ما يقرب من 200 ألف مقال وخبر منشور على بوابة "بيانت" الإخبارية لم يكن المقصود منه منع المقالات الإخبارية، بقدر ما كان انعكاساً لرغبة لدى الحكومة في التخلص من كافة المقالات التي تسجل انتهاكات الحريات، وتلفت الانتباه إلى الذاكرة المجتمعية التي يريدون من الجميع نسيانها وتدميرها.

بالإضافة إلى هذا، كانت بوابة "بيانت" الإخبارية تنشر مقالات أيضاً باللغتين الكردية والإنكليزية؛ لذلك كانت "بيانت" تساهم في إثراء الذاكرة المجتمعية بما تنشره من أخبار قائمة على المتابعة الفكرية لقضايا مثل قضيا المثليين من الجنسين والأطفال. مثال ذلك:

كان موقع "بيانت" هو القناة الإخبارية ربما الوحيدة التي أفردت مساحة واسعة لموضوع عزل ما يزيد عن ألف أكاديمي من وظائفهم بسبب دعوتهم إلى السلام، تزامناً مع حروب الخنادق بين عامي 2015-2016، وتعرضهم للاعتقال بعد ذلك، كما كانت من المواقع الإخبارية القليلة التي دافعت عن هؤلاء أثناء محاكمتهم.

وفي حين سجلت صفحات التاريخ بعض المحاكمات والاعتقالات بوصفها "عار" من ناحية الثقة في القضاء، كان نموذج البروفيسور فوسون أوستونيل، التي أفرجت السلطات التركية سراحها في الأيام الماضية، واحداً من أبرز الحالات التي جسدت هذه الفكرة بشكل واضح. 

وفي السياق نفسه، قامت بوابة "بيانت" الإخبارية بتوثيق كافة إجراءات الاحتجاز وحالات الاعتقال والمحاكمات الخاصة بالأكاديميين الداعين للسلام تحت الرابط التالي: 
الذين https://bianet.org/konu/baris-icin-akademisy

من ناحية أخرى، أصدرت المحكمة الدستورية مؤخرًا قرارًا بانتهاك حقوق عشرة من الأكاديميين الداعين للسلام، الذين عوقبوا بسبب توقيعهم على بيان بعنوان "لن نكون شركاء في هذه الجريمة".

بالإضافة إلى انتهاكات الحقوق التي تستهدف الأكاديميين، تركت "بيانت" بصمتها في عرضها للقضايا التي تُعد واحدة من الجروح الغائرة التي نزف منها المجتمع مثل العنف ضد المرأة والجرائم التي تتعرض لها النساء.  

مرة أخرى، كان لبوابة "بيانت" الإخبارية السبق في تناول عدد آخر من القضايا، التي لم يجرؤ أحد على التعرض لها مثل حقوق المثليين والظلم الذي تواجهه هذه الفئة داخل المجتمع التركي.
ويمكن لجميع القراء الوصول إلى كافة المعلومات والمقالات الخاصة بموضوع النساء والمثليين في المجتمع التركي عن طريق تصفح الرابط التالي (يتعذر الآن الوصول إلى محتوى هذا الرابط بعد دخول قرار حظر الموقع حيز التنفيذ): https://m.bianet.org/kadin

احتلت بوابة "بيانت" الإخبارية مكانةً خاصةً لدى الرأي العام في تركيا بما نشرته من أخبار تناولت قضية العنف ضد المرأة وجرائم القتل التي تعرض لها العديد من النساء، وأصبحت وسيلة أقارب الضحايا والنساء اللاتي تعرضن للقتل من أجل البحث عن حقوقهن.

برزت بوابة "بيانت" الإخبارية كذلك كمنصة أسمعت أصوات المنتقدين لنظرة حزب العدالة والتنمية إلى المرأة ودورها في المجتمع.

ربما خلق خبر مثل "لا يمكن للمرأة الالتحاق بطاقم قصر الرئاسة الخاص بأردوغان" حالة من عدم الارتياح لدى السلطة الحاكمة. أفرد الخبر مساحة لتعليق مهم للسيد قراخان أوغلو، وهو من جمعية دعم المرشحات السيدات، أكد فيه خلو قرار التعيينات في الفريق العامل في القصر الرئاسي وفي الوزارات من أية سيدة، وأشار إلى تعليق مهم له قال فيه "لا يزال الذكور يهيمنون على التعيينات وعلى الانتخابات كذلك".  

كانت "بيانت" من المواقع القليلة التي تناولت  موضوع  حقوق الطفل، بوصفه أحد أكثر العناصر المهملة في المجتمع.

لفتت "بيانت" الانتباه كذلك، ربما في كل مقالاتها تقريباً المنشورة على الرابط https://m.bianet.org/cocuk إلى حقوق الأطفال، وتطرقت إلى مشكلة عمالة الأطفال كذلك.

سبقت بوابة "بيانت" الإخبارية الكثير من المواقع الإخبارية الأخرى بمقالاتها عن "الخط الأحمر الذي تضعه السلطة الحاكمة للأكراد". 

هذا وقد أكسب الموقع أهمية كبيرة كذلك قيامه بترجمة الأخبار التي تتناول جميع المشكلات الاجتماعية تقريبًا إلى اللغة الكردية.

 وفي هذا السياق، يتابع الأكراد الرابط https://m.bianet.org/kurdi  بعناية كبيرة من أجل الوصول إلى الأخبار الصحيحة، بعيدًا عن الدعاية الكاذبة لحكومة العدالة والتنمية.

وبالمثل، اعتمد موقع "بيانت" اللغة الإنكليزية أيضاً لنشر أخباره، حتى أنه صار في مقدمة المصادر الموثوقة، التي يلجأ إليها الرأي العام العالمي عند الرغبة في معرفة معلومات تتعلق بتركيا. 

أطلعت بوابة "بيانت" الإخبارية الرأي العام العالمي على انتهاكات الحقوق والحريات الموجودة في تركيا على الرابط https://m.bianet.org/english  

ومع هذا، فلم يقتصر محتوى "بيانت" على مجرد عرض هذه الأخبار فحسب، بل أصبح المنصة الرئيسة التي هاجمت الإجراءات التعسفية غير القانونية التي قامت بها حكومة حزب العدالة والتنمية في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو؛ لذلك جاء قرار الحظر ليقطع على المجتمع طريق الوصول إلى الأخبار الصحيحة.

لا تزال ردود الأفعال تتوالى على قرار حجب موقع بوابة "بيانت" الإخبارية. ومن ناحيته، وصف رئيس التحرير في موقع "أحوال تركية" ياووز بيدر قرار الحظر بأنه محاولة لفرض حالة من "التعتيم الجماعي".

وقالت رئيسة حزب الشعب الجمهوري في إسطنبول جانان قفطانجي أوغلو على حسابها على موقع تويتر "هل أصابتنا الدهشة؟ ولكن حتى لا يتحول عدم الاندهاش إلى حالة من السأم لا يمكن القبول بها".

أثار القرار حفيظة ممثل منظمة "مراسلون بلا حدود" في تركيا  أرول أوندر أوغلو كذلك، وكتب عن ذلك على حسابه قائلاً "إن القرار الذي اتخذته المحكمة الجنائية في أنقرة بحجب موقع bianet_org تحت زعم الحفاظ على "الأمن القومي"، هو إجراء تعسفي خطير من شأنه استهداف الصحافة الحرة في تركيا. ومن ثم، فنحن ندعو الحكومة التركية بتطبيق القرار الذي اتخذته هيئة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في 16 يوليو ".

 وجاء رد فعل النائب عن حزب الشعب الجمهوري سيزجين تانري كولو على النحو التالي:
"إن قرار محكمة الجنايات بحجب موقع bianet_org، الذي قدم خدماته الإخبارية طوال 19 عاماً، دون تحيز، حتى صار ركناً أصيلاً من أركان الصحافة على الإنترنت، هو فضيحة قانونية بكافة المقاييس". 

وفيما يلي جانب آخر من التعليقات على قرار حجب موقع bianet_org

تمر حرية التعبير واستقلالية القضاء في تركيا اليوم بمخاض ولادة عسيرة؛ إذ لم تترد السلطات في حجب مواقع bianet وetha وfersude ، بالإضافة إلى 136 حساباً آخرين لها علاقة بحساب النائبة عن حزب الشعوب الديمقراطي أويا أرسوي، دون أن تكلف نفسها عناء إبداء الأسباب! 

منع كافة سبل الوصول إلى المحتوى الذي قدمه موقع bianet منذ عام 2000 هو في حقيقة الأمر نوع من أنواع الرقابة الوحشية على حرية الصحافة في تركيا، واغتصاب لحق الشعب في الوصول إلى المعلومة. 

منظمة العفو الدولية: قرار الحظر الجماعي لمواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية هو اعتداء على حرية التعبير في تركيا.

هجمات مستمرة لا يتصورها عقل على حرية التعبير والصحافة ... وإذا أردنا أن نسمي الأمور بمسمياتها الصحيحة، فإن ما يحدث هو انتهاك كامل للقانون. تحرك القضاء هذه المرة بطلب من قيادة حرس الدرك، وقرر حجب موقع @bianet_org الذي يعد أكبر بوابة إخبارية تركية على الإنترنت.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/medyaya-baski/iktidarin-toplumsal-bellegi-sildirme-cabasinda-bianetin-haberleri-ne-anlama-geliyor