Nesrin Nas
مايو 26 2019

الحيثيات المتأخرة وانتخابات 23 يونيو

عندما كتبت هذا المقال لم تكن اللجنة العليا للانتخابات أعلنت قرارها إلغاء انتخابات إسطنبول مشفوعًا بحيثياته بعدُ. وكانت الفقرة الأولى من مقالي تبدأ هكذا: "منذ 15 يومًا لم تستطع اللجنة العليا للانتخابات إعلان حيثيات إلغائها انتخابات إسطنبول".

وقد أعلن رئيس الجمهورية الرئيس العام لحزب العدالة والتنمية شخصيًا أنه سيتم إعلان الحيثيات في مطلع هذا الأسبوع. وبينما كان يُنتظر أن يتم إعلان الحيثيات في اليوم الأول من الأسبوع أجلت اللجنة العليا للانتخابات "دون مُبرّر" إعلان تلك الحيثيات المكونة من 200 صفحة.

ولكن وقبل أن يدخل مقالي حيز النشر أعلنت اللجنة العليا للانتخابات حيثيات الإلغاء المكونة من 250 صفحة. إلا أنها لم تُقدم تصريحًا واحدًا مُرضيًا يُزيل فضولي، ويوضح لماذا قامت بتحميل ملايين الناخبين خطأ لجان الصناديق التي تقع تحت مسؤوليتها المباشرة. على العكس من ذلك فإنها بحيثيات الإلغاء هذه جعلت انتخابات 24 يونيو مشبوهة.

كنت أعلم أنه لن يكون هناك أساس قانوني لتلك الحيثيات، ولكنني مع ذلك كنت لا أزال أتساءل عن كيفية معاقبة إسطنبول المدينة الكبرى والملايين من سكانها وإلى أي نوع من الذرائع تم اللجوء لفعل هذا أساسًا؛ لأن القرارات التي اتخذتها هيئة توصف بـ "العليا" مُبررة إياها بهذا السبب عكست على وسائل الإعلام أن سبعة من "كبار" القضاة أعضاء لجنة الانتخابات التي تمثل الفقه القانوني لم يتحدثوا قط بينما يجري اتخاذ قرار إلغاء انتخابات إسطنبول.

إن ما أثار فضولي بالطبع ليس هو الحيثيات التي سيكتبها القضاة الذين لم يتحدثوا قط بينما يُذبح القانون... في الوقت نفسه كنت أريد فهم السبب في أن هؤلاء القضاة -الذين يمارسون عملهم وفوق رؤوسهم عبارة "العدل أساس الملك"-صمتوا صمتًا عميقًا أثناء تقويض أسس "الملك".

في النسخة الأولى من مقالي كنت قلت "حتى السياسيين الذين ألزموا اللجنة العليا للانتخابات باتخاذ قرار معاقبة سكان إسطنبول لمجرد أنه لم تعجبهم نتيجة الانتخابات أدركوا مدى عبثية الأعذار التي وجدوها، وإنني متأكد من أن الحيثيات التي سيكتبها "كبار" القضاة لهذا القرار الذي حاولوا تمريره بقولهم "إنهم سرقوا" ستحدث ردة فعل كبيرة".

على ما يبدو أنهم كانوا سيشعرون بالحرج من منظر حزب الشعب الديمقراطي الذي انتظر أيامًا عدة حتى لا تُسرق الأصوات. حتى إن واحدًا مثل بن علي ييلدريم رأى أنه سيكون من العجيب اتهام حزب الشعب الجمهوري بسرقة الأصوات؛ فلم يتحدثوا عن "السرقة" في أي موضع قط من تلك الحيثيات.

"مراد سوينج" لا يُطلق على إعلان اللجنة العليا للانتخابات إعادة انتخابات إسطنبول "قرارًا"، وإنما يسميه ذلك "الشيء". إنه على حق تمامًا. إنه "شيء" يتعارض مع الدستور والقوانين والاجتهادات القانونية والعقل والمنطق. من الصعب اختلاق حيثيات لــ "شيء" ما. وهذا يتضح بصورة أفضل عند قراءة هذا الشيء الموصوف بالحيثيات والبالغ 250 صفحة.

إن اللجنة العليا للانتخابات التي رفضت اعتراضات مماثلة تقدمت بها المعارضة في ولايات أخرى في الانتخابات نفسها لم تستطع في هذه الحيثيات أن تقدم إجابة على سبب إقرارها إعادة الانتخابات في إسطنبول التي لم تتعطل أساسًا بسبب كارثة طبيعية أو عطل فني... هذا الشيء شبيه الحيثيات لا يجيب كذلك لماذا كانت 3 من بين 4 بطاقات اقتراع خرجت من ظرف واحد وعدّها نفس الأشخاص سليمة ونظيفة بينما 1 بطاقة مشبوهة. وبتعبير أدق إنها تُهين عقولنا ومنطقنا مُدعية أنها أجابت على ذلك.

باختصار لم يستطيعوا إخفاء الحقائق؛ ذلك أن "سعدي غوفن" رئيس اللجنة العليا للانتخابات قال إنه لا يوجد على الإطلاق شيء يؤثر على نتيجة الانتخابات.

القضية الحقيقة هي أن السلطة التي حطمت دفة سفينة تركيا، وتركتها وحدها مع الأمواج في عُرض البحر، وتلجأ كلما تقع في أزمة إلى مقولة "نحن في سفينة واحدة" علمت أنها لن تستطيع الفوز بأية انتخابات متكافئة وصادقة وعادلة بعد ذلك. إنها تفعل ما تفعله السلطات التي تشبهها تمامًا.

إنها لا تعترف بالانتخابات التي تخسرها، وهكذا تضطلع اللجنة العليا للانتخابات وكل الأجهزة القضائية بدور رئيسي هنا. لأن موقف السلطة واضح وصريح: تقول إنني لا أعترف بالانتخابات التي أخسرها. وما يقع على عاتق اللجنة العليا للانتخابات هو أن تجعل السلطة تفوز بالانتخابات، حتى وإن لم يكن عدد الأصوات كافيًا.

إن وضع اللا مشروعية القانونية، وهذه السلطة التي ترى الظلم أهم وسائل القوة، وكذلك وضع المعارضة مع اللجنة العليا للانتخابات الأسيرة في يد السلطة ليس سهلًا في الواقع. وهذا أمر يعلمه أكرم إمام أوغلو أيضًا. إنه يدرك تمامًا أن هذه الانتخابات ستكون انتخابات تفتح الباب للسلام والعدالة والأمل أكثر ما تحتاج إليه تركيا، وأنها أكثر من مجرد كونها انتخابات رئيس بلدية إسطنبول للمرة الثانية. ولكنه يعلم أن أردوغان سيستخدم حتى النهاية أدواته الدعائية ووسائل العنف التي يمتلكها. لذلك فإنه يرجع إلى الشعب ويقول "نفسي أمانة لديكم".

حسنٌ، هل ستركض المعارضة بنفس الحماس والاشتياق إلى صناديق الاقتراع في هذه الانتخابات التي تتم إعادتها؟ هل يكفي لهذا جهود إمام أوغلو فحسب التي تحطم الجليد وتفتح السُبل؟ هل يتسنى الحفاظ على الأمل في أن "كل شيء سيكون جميلًا" حتى ليلة 23 يونيو؟ أم أن وعدًا بإسطنبول أكثر تناغمًا وسعادة سيكفي لأن يأخذ الناخبين في صفه؟

أن يكون كل شيء جميلًا يمكن أن يتحقق بأن تعرف تركيا كلها وليس سكان إسطنبول فحسب أن هذه الانتخابات هي الإجابة الأكثر فاعلية والتي يمكن الإدلاء بها على بحث تركيا عن الحق والقانون والعدالة. فهذه الانتخابات متعلقة بالعدالة في المقام الأول. لذلك من يفوز بهذه الانتخابات هو لغة تستخدمها المعارضة تلفت بها الانتباه إلى الظلم وعدم المساواة والشر في تركيا، وتقنع الناخبين بأن كل صوت في إسطنبول سيعني "يكفي هذا القدر من الظلم وعدم المساواة".

صندوق الاقتراع الذي هو وسيلة للسيطرة بالنسبة للسلطة يجب أن يكون وسيلة لخلق عالم أكثر عدلًا وحرية وسلامًا وسعادة بالنسبة للمعارضة.

منذ يومين تم إقصاء 9 نواب في المجلس أعضاء في حزب الشعوب الديمقراطي من وظائفهم في بلدية "تاتوان". لقد رُفضت إرادة الشعب في إسطنبول على يد القضاء، وفي تاتوان على يد الوزير. وإن إسطنبول لمضطرة للرد على هذا في انتخابات 23 يونيو. كما يجب أن تتم في هذه الانتخابات أيضًا المحاسبة والمساءلة عن سبب عدم تسليم وثيقة الانتخابات إلى رئيس بلديتهم الذي انتُخب بنسبة 70 في المائة من الأصوات.

لذلك ينبغي أن يُسمع وقع الأصوات التي ستمنح في إسطنبول في كل من تاتوان وديار بكر وفي خلفتي في أورفة.

يجب أن تكون هذه الانتخابات انتخابات الأمهات اللائي يُسحلن ويُضربن لمجرد أنهن نادين بألا يموت أولادهن في السجون، وآلاف الطلاب المسجونين، ومئات الرُّضع والأكاديميين والسياسيين. لأن تركيا كلها هي الضحية، هي المنتهك قانونها، هي المسروق قوتها منها، هي المحكوم عليها بالظلم والفقر..

لم يعد أكرم إمام أوغلو مرشحًا عن إسطنبول فحسب. إنه مرشح كل شخص تركيًا كان أو كرديًا يتعطش للعدالة. وعليه أن يتصرف هكذا.

يقع على عاتق إمام أوغلو والناخب الإسطنبولي التذكير بأن السياسيين الذين يستخدمون ضرائبنا ضدنا ثم يقولون "إنك تُشبع بطونهم، ولا يصوّتون لصالحك" لا ينتمون لهذا العصر، بل للعصور الوسطى. الفرصة أمام أكرم إمام أوغلو ليجعل المجتمع التركي مجتمع "نحن" ثانية، مجتمعًا ينتمي إلى القرن الـ 21.

تعلم السلطة أنها خسرت، وهذا الشيء شبيه الحيثيات يفصح عن ذلك أساسًا. لذلك فإنها تتشبث بالحلول الأقصر مدة؛ فتضع يدها على موارد جميع البنوك العامة والبنك المركزي أيضًا، وتُعيد الانتخابات التي خسرتها. أما انخفاض ثقة المستهلك إلى أدنى مستوياتها خلال السبع سنوات الماضية ليصبح 55.3 في المائة فدليل واضح على أن الشعب أدرك أن هذه السلطة لن تستطيع إدارة أية أزمة على الإطلاق.

إن إلغاء انتخابات إسطنبول وعدم تسليم وثائق الانتخابات لبلديات حزب الشعوب الديمقراطي الفائزة هو رقصة الموت الأخيرة لسلطة ترى أن مسيرة الفوز قد انتهت حيث تحشد خلفها كل قوى الدولة ومواردها، وتقسم المجتمع وتجزِّئه، وتجعله أعداء وتحوله إلى إرهابيين. بعد ذلك سيتم استخدام جميع أنواع العنف بتهور؛ لأنه تم استهلاك جميع الأدوات والحلول الأخرى.

أما المعارضة فإنها منذ الاستفتاء وهي تنهض على قدميها ثانية، حيث تزداد قوة في كل مرة... وهذه قوة مهمة. وقد اختارت هذه القوة إمام أوغلو باعتباره حامل الإصرار والتصميم على أن تكون هذه الانتخابات السبيل إلى العدالة والمساواة والحياة الإنسانية والحرية والسلام، وقد حملته مهمة تاريخية هي أن ينقل هذا الشعب الذي يقف على شفا التفكك ليكون مجتمعًا من جديد.

وقد حمل إمام أوغلو هذه المهمة بجدارة وأوفاها حقها في 31 مارس، وسيكون ناجحًا بقدر إيمانه بأن انتخابات 23 يونيو ليست انتخابات إسطنبول فحسب، بل المظلومين في تركيا كلها.

بالطبع بغض النظر عما ستفعله اللجنة العليا للانتخابات هذه المرة...

 

هذا المقال يعكس آراء المؤلف، وليس بالضرورة أن يكون متوافقًا مع سياسة التحرير في موقع "أحوال تركية".
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ysk/gec-gelen-gerekce-ve-23-haziran-secimleri
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.