الجغرافيا السياسية النهمة لتركيا

لفهم كيف يتصرف الخصم، من الأهمية بمكان أ) أن تضع نفسك في مكانه و ب) أن تتخيّل نظرته اليك.

والأمر هنا يتعلق بعلاقة تركيا باليونان، فلقد تغيرت الطريقة التي تنظر بها تركيا إلى اليونان كثيرا في السنوات العشر الماضية.

في المقابل لم يتمكن أحد أن يستوعب كيف يمكن لجزء من الإمبراطورية العثمانية أن ينمو كثيرا ويدخل الاتحاد الأوروبي ويُعتبر جزءًا أساسيا من الغرب.

لقد كان النجاح الباهر الذي حققته المدرسة الواقعية اليونانية، وهو دخول قبرص إلى الاتحاد الأوروبي. بدا من غير المعقول بالنسبة لتركيا أن تتمكن دولة "يونانية" ثانية من دخول النادي الأوروبي المغلق، لا سيما عندما كانت تركيا تبذل المستحيل لغرض التقرّب من أوروبا واستمرار التفاوض على العضوية ولكن من دون جدوى ولا انجاز يذكر.

ما يؤسف له خلال ذلك ان تركيا عاشت دائما مع نظريات المؤامرة الخاصة بها ومع شياطينها.

 لهذا السبب تعتقد أن الخطة التالية التي يتم وضعها في الخفاء نكاية بأنقرة هي تقسيم شرق البحر الأبيض المتوسط ​​بين قبرص ومصر وإسرائيل واليونان، مع حشر تركيا في الزاوية.

في غضون ذلك، بدا أردوغان أيضا وهو يتصرّف بشكل مختلف، لأنه بدأ أيضا ينظر إلى نفسه بشكل مختلف. إنه في نظره "مساوٍ" للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الأميركي جو بايدن، والرئيس الصيني شي جين بينغ، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. وهذا كل ما في الأمر.

ربما يتخيل اردوغان أن العديد من الأشخاص الآخرين، مثل مفوض السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، معجبون بأدائه وأفكاره بينما هي مسألة مسلية وبعيدة عن ان تكتسب طابع الجد.

اليونان

تواصل اطماع تركيا في المتوسط الى وضع اليد على الثروات الطبيعية اينما كانت

يرى أردوغان تركيا قوة عظمى صاعدة وتحولا للإمبراطورية العثمانية، ومن الواضح أنه يرى اليونان بشكل مختلف أيضا.

بما أننا نعرف كل هذا، فإن السؤال الآن هو ماذا يمكننا أن نفعل.

الجواب الواضح هو ما نحاول القيام به الآن، وسط الجائحة. أن نقف على قدمينا مالياً، وأن نجلب اليونانيين الذين انتقلوا إلى الخارج والمواطنين الأوروبيين الآخرين هنا للعيش والاستثمار، وتقوية دفاعاتنا بسرعة. هذه المبادرات، إلى جانب التحالفات الإقليمية، ستضاعف قوتنا.

لكن من المهم أيضًا بالنسبة للمعادلة الجيوسياسية في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​أن يفهم بعض المسؤولين الأوروبيين والأمريكيين ما أدركته إسرائيل تماما: أنه بدون اليونان القوية، ستكون أوروبا والغرب عرضة للخطر على جانبهم الجنوبي لمجموعة من التهديدات، والتي تتراوح بين الإرهاب إلى هيمنة قوة معادية للغرب.

 لفهم هذا، يجب أن يبدأوا في التفكير جيوسياسيا، وليس "لوجستيا". سيكون الخطأ الأكبر هو ترك اليونان وحيدة في مواجهة خصم لا يشبع من الناحية الجيوسياسية.

واذا عدنا الى الماضي القريب فإن تركيا أصبحت لبضع سنوات، أكثر إحراجا للغرب.

عدوانيتها لا تعني ليبيا فقط. بل ان مداها اوسع وذلك ما تؤكد عليه اليونان، إن أردوغان على استعداد لزيادة قوة تركيا والإنفاق على الدفاع الى ابعد مدى من أجل توسيع مجال نفوذ تركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط.

دورتركيا في ليبيا يريد أردوغان من ورائه ترسيخ هيمنته على المنطقة. جاذبية النفط وحقول الغاز في البحر تدفع الى  استعداد تركيا للجوء إلى قوتها العسكرية اذا اقتصى الأمر.

 في 27 نوفمبر 2019 ، أبرمت أنقرة وطرابلس اتفاقية من شأنها منح 40٪ من شرق البحر الأبيض المتوسط ​​للأتراك، على حساب اليونان وقبرص. انحرفت بوصلة الجغرافيا السياسية بالنسبة الى اليونان وهي اول من استشعر بالخطر الداهم لأنها لن تكون الا البداية لجشع اردوغان الذي لا ينتهي.

ليبيا

اليونان كانت أول من حذر من التطورات في الجغرافيا السياسية في ظل الاطماع التركية في ليبيا

 في الواقع، لم تقبل تركيا معاهدة لوزان لعام 1923 التي حددت الحدود البحرية بين اليونان وتركيا، ولم توقع على اتفاقية خليج مونتيغو لعام 1982 بشأن قانون البحار. لذلك، فإن أردوغان يجد نفسه حرا في التصرف كما يشاء، دون خوف من المواجهة مع اليونان وقبرص وفرنسا بشأن قضية حقول الغاز، قبالة السواحل اليونانية.

  في 10 أغسطس 2020، أرسل الرئيس التركي سفينة المسح الزلزالية بحثا عن حقول الغاز، على بعد كيلومترين من جزيرة كاستيلوريزو ​​اليونانية، وبالتالي دخول المنطقة الاقتصادية الخاصة باليونان.

وردا على ذلك، أرسل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سفينتين حربيتين وطائرتين حربيتين باتجاه ردع اطماع أنقرة.

في يونيو، استهدفت سفينة تركية فرقاطة فرنسية تحت قيادة الناتو، في الواقع ، تدهورت العلاقة بين ماكرون وأردوغان منذ مدة لكنها تأزمت بشكل واضح ابتداءا من أغسطس 2018 ، تحدث الرئيس الفرنسي عن السياسة التركية على أنها "مشروع إسلامي شامل يتم تسويقه بانتظام على أنه مناهض لأوروبا". يُعرف أردوغان بكونه مؤيدًا للإخوان المسلمين، ويستخدم الشتات التركي الأوروبي كذراع لبث مبادئه الايديولوجية الإخوانية.

وفي وسط هذا التوتر في الجيوبوليتيك تجد اليونان وحلفاؤهما في وضع المواجهة مع اردوغان وايديولوجيته النهمة التي لا يمكن أن تتوقف عند حد إلا بإحياء الميّت من إرث الأمبراطورية العثمانية الغابرة.

بالإشارة الى مقال اليكسيس باباجيلاس في موقع ايكاثيميرني – اليونان.