أحوال تركية
سبتمبر 26 2019

الجمهور العربي خرج نهائياً من الحفرة التركية

أحوال (خاص) – لشهور طوال ظل الجمهور في العالم العربي مشدودا الى شاشات التلفزيون لمشاهدة المسلسل التركي الطويل ومتعدد الأجزاء الحفرة.

كان الجمهور العريض يجد في ذلك المسلسل جودة وصناعة درامية تختلف عن مثيلاته من المسلسلات التركية الكثيرة التي وصل بعضها الى مئات الحلقات واستمرت مواسمه لسنوات.

ميزة مسلسل الحفرة انه شق طريقه الخاص، مع ان القبول للمسلسل التركي كانت متحققة مسبقا لكن هذا المسلسل قدم للمشاهد العربي وغير العربي كثير مما يبحث عنه في مواصفات الدراما التلفزيونية المسلية.

هنالك ميلودراما وصراعات وقتل مجاني وهنالك مؤامرات ودسائس ورشاوى ومافيات وهنالك حب وغرام وانتقام وهنالك كوميديا وحكمة وهنالك آباء مبجلون وهنالك صعاليك هامشيون وهنالك فتيات جميلات ورجال طيبون يقابلهم شياطين، هنالك عصابات مخدرات واختطاف ودعارة وقمار وسمسرة وهنالك خمر مباح ومشاهد عناق وقُبَل.

هذا هو الخليط هو الذي قدمه المخرج التركي سنان اوزتورك في مسلسل الحفرة هو وفريقه وخاصة المؤلف جوكهام هورزوم في سلسلة من عشرات الحلقات يمتد زمن الحلقة الواحدة الى اكثر من ساعتين.

لا شك ان عناصر التشويق والاثارة كانت في اعلى مستوياتها في هذا المسلسل وكان العزف على اكثر المشاعر الإنسانية رهافة شغلا شاغلا في المسلسل.

في الجزئين الاولين وحتى الجزء الثالث الذي بدأ بثه خلال هذا الشهر ( سبتمبر 2019) كانت عائلة كوشوفالي هي محور جميع الاحداث تقريبا.

ادريس كوشوفاني ( قام بالدور الممثل ارجان كيصال) هو الشخصية الكارزمية الأقوى والاشد حضورا، فهو يمتلك قوة مؤثرة ويجيد استقطاب الاتباع من حوله، يمكن ان يكون مرهفا والدمعة لا تفارق عينه لكنه من الممكن ان يكون على النقيض طاغية متجبرا لا يرحم ولا يتوفر على العاطفة.

خيبة أمل مع عرض الموسم الثالث من مسلسل الحفرة بعد سنوات من النجاحات: ياماش يعجز عن احياء تلك الدراما
خيبة أمل مع عرض الموسم الثالث من مسلسل الحفرة بعد سنوات من النجاحات: ياماش يعجز عن احياء تلك الدراما

الرهبة من ادريس كوشوفالي هي التي بني عليها المسلسل وعلى فكرة مفادها انه هو الذي أسس تلك الحفرة على تخوم إسطنبول، ساهم في بنائها بيتا بيتا، وجمع من حوله الفقراء واواهم وساعدهم حتى دانوا له بالولاء وبما يشبه البيعة المطلقة حتى تحولت الحفرة الى بيئة مغلقة يتحكم بها ادريس كوشوفالي وأولاده.

وكأن ادريس تحول الى حاكم لتلك البقعة الجغرافية حيث لا يرد له كلام ولا موقف، وانى يا ترى يمكن ان تعيش تلك الحشود البشرية الفقيرة من سكان الحفرة؟

انها باختصار تعيش من تجارة السلاح بالدرجة الأولى وتبيع لعصابات او مشترين مجهولين ولا تكاد السلطات التركية تقترب من تلك البقعة فضلا عن ان المخبرين من أبناء الحفرة ينتشرون في كل ركن فلا يمكن ان يدخل الحفرة كائن غريب او مجهول وحتى ان دخلت الشرطة فسيتم تضليلها واخفاء الممنوعات عنها.

تنتقل الدراما بمهارة ملفتة للنظر الى ظهور منافسين وطامعين في ( مملكة آل كوشوفالي ) ابتداءا من بايكال وابناءه و فارتولو صالح سعد الدين ( الممثل اركان كولجوك) الى عصابة الحملان السوداء وصولا الى ازار تاجر المخدرات وعصابته.

في وسط هذه الدراما المتصاعدة التي يحضر فيها السلاح بكثافة ويتفشى العنف تحضر شخصية إنسانية مرهفة من بين أبناء ادريس كوشوفالي هو نجم المسلسل من دون منازع ياماش ( الممثل اراس بولوت اينميلي) فهو عاشق للموسيقى بعيد عن العنف والقتل وهو الابن الأصغر للعائلة ولهذا يترك الحفرة بكوارثها وينأى بنفسه عنها لكنه ما يلبث ان يعود من اجل عائلته.

تحضر العائلة بقوة في هذا المسلسل  فهي الأساس الذي تتحرك فيه هذه الدراما حتى ان عائلة كوشوفالي التي لديها قوانينها الخاص في منأى عن قوانين الدولة التركية ترفع شعارا لها يتطور الى علم ورمز.

مات ادريس كوشوفالي وبموته مات مسلسل الحفرة وتم دفنه معه
مات ادريس كوشوفالي وبموته مات مسلسل الحفرة وتم دفنه معه

قاع إسطنبول غير المرئي تختصره الحفرة، هنا تختلط الجريمة بالعنف بالتهريب بالقتل بالسرقة بالدعارة بالمخدرات ويغيب القانون بشكل شبه كامل الا قانون ادريس كوشوفالي والسلطات راضية بأن يخفف عنها أعباء حراسة الحفرة.

في المقابل كان الحب الشاعري عنوانا جانبيا جذابا في علاقة ياماش وحبيبته الفاتنة سناء وفي حب صالح لسعادت منذ أيام الطفولة وحب جيلاسون لآكشن، حفيدة ادريس، حب عميق يثير الشجون بل ان مشاهدين ومشاهدات كثر في العالم العربي كانوا يذرفون الدموع من ضراوة الحب المشتعل وفقدان الاحبة وخاصة طريقة قتل سناء وقتل الحمامة البيضاء آكشن، مشاهد درمية مأساوية تثير الكدروتضغط على المشاعر.

كل هذا تدفق بغزارة في دراما محكمة البناء واحترافية عالية في اختيار الشخصيات والسرد والبناء الدرامي والحوار والتصوير والمونتاج والتمثيل وجعل مسلسل الحفرة يتربع على عرش ارقى المسلسلات التركية على الاطلاق بنسب متابعة مليونية.

لكن هذا الجمهور العريض احبط بشدة من جراء مقتل رأس العائلة الكوشوفالية ادريس ميتة بشعة ومأساوية عندما يقتله ابنه ياماش مضطرا وهو ما ابتدأ به الجزء الثالث، لقد تحول ذلك المسلسل برحيا ادريس كوشوفالي الى دراما بلا زعيم كارزمي احتل مساحة لا يستطيع غيره ان يملأها وما عسى الشخصيات الأخرى ان تفعل؟

العنف الجماعي والجريمة بكل اصنافها في قاع اسطنبول
العنف الجماعي والجريمة بكل اصنافها في قاع اسطنبول

أبناء ادريس كلهم في السجون وياماش شبه مجنون وتم الزج بشاب حقود وبلا حضور قوي على الشاشة  هو حفيد ادريس ليحل محله في مفارقة هزيلة للغاية.

الحلقات الأولى من الموسم الثالث أخرجت الجمهور العربي العريض من الحفرة وايقظتهم من ذلك السحر في الدراما والأداء الذي ساد الموسمين الأولين ببراعة قل نظيرها، بدا كاتب السيناريو والمخرج وكأنهما متحيران في كيفية ملء فراغ الشخصيات الدرامية القوية التي تم تغييبها وصناعة احداث جديرة بالمشاهدة واستحداث شخصيات جديدة بدت قزمية أمام شخصيات الجزئين الأولين.

لا شك ان وجهات نظر كثير من المشاهدين للمسلسل في العالم العربي تصدق تماما، وخلاصتها، انه بموت ادريس كوشوفالي مات مسلسل الحفرة وكان على المخرج والجهة المنتجة ان يتوقفوا عند نهاية الموسم الثاني بدل الانحدار الذي الت اليه تلك الدراما المتميزة.