ديميتار بيشيف
سبتمبر 13 2019

الخلاف لا يزال يدب بين أميركا وتركيا حول سوريا

هل تُقبل العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا على فترة انفراج؟ لقد بدأ تسيير الدوريات الأميركية التركية المشتركة هذا الأسبوع على مشارف بلدة تل أبيض السورية، على الجانب الآخر من الحدود التركية. ويجري نشر مركبات عسكرية ومروحيات تركية في شرق نهر الفرات، بعدما بدأت طائرات تركية بدون طيار التحليق فوق المنطقة في منتصف شهر أغسطس.

يبدو أن المنطقة الآمنة التي يدعو إليها الأتراك قد بدأت تتبلور. وربما يعتقد المرء أن واحدة من نقاط الخلاف بين تركيا والولايات المتحدة قد تلاشت.

ولكن ذلك ليس بالضرورة. فإذا حكمنا على هذه المسألة انطلاقا من خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لن يأخذ المرء انطباعا بأن الخلافات قد سويت.

"نحن نتفاوض مع الولايات المتحدة بخصوص المنطقة الآمنة، لكننا نرى في كل خطوة أن ما نريده وما يفكرون فيه ليس بالشيء نفسه"؛ هكذا وصف أردوغان تطورات الأمر في كلمة ألقاها يوم الأحد.

وقال: "يبدو أن حليف تركيا يبحث عن منطقة آمنة في شمال شرق سوريا، ليس لتركيا ولكن للجماعة الإرهابية"، مشيرا إلى أن "تحليق ثلاث إلى خمس مروحيات وتسيير خمس إلى عشر مركبات في دوريات" ليس كافيا. وجدد أردوغان تهديده المعتاد بأنه إذا لم تستجب الولايات المتحدة لمطالب تركيا فإنه سيرسل القوات لإلحاق الهزيمة بالقوات الكردية السورية في شرق الفرات.

هذا الحديث المصطبغ بصبغة الحرب يلقي الضوء على استراتيجية الرئيس التركي. فيبدو أن أردوغان يعتقد أن الضغط المستمر سيساعده في انتزاع المزيد من التنازلات من الولايات المتحدة. بادئ ذي بدء، ما من شك أنه يتطلع إلى احتمال دخول القوات المسلحة التركية إلى البلدات الواقعة على طول الشريط الممتد لمسافة خمسة كيلومترات جنوبي الحدود السورية حيثما تجوب الدوريات المشتركة. يريد أدروغان ضمان إمكانية الوصول برا وجوا إلى منطقة عمقها 32 كيلومترا. لذلك، فإن تطورات يوم الأحد في رأيه هي مجرد البداية وليست نهاية الطريق.

ثمة شيء واحد يريد الأتراك تجنبه، ألا وهو سابقة منبج؛ فالاتفاق المبدئي يتضمن تسليم المدينة الواقعة غرب الفرات إلى تركيا وحلفائها العرب. وقد أوضح وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو ذلك في إفادة صحفية يوم الاثنين.

وقال الوزير: "الولايات المتحدة لم تف بوعدها في شمال سوريا، بما في ذلك خريطة طريق منبج، بسبب تعاونها مع حزب العمال الكردستاني/وحدات حماية الشعب". وانتقد جاويش أوغلو ما وصفها بأنها خطوات تجميلية لم تقدم شيئا يذكر لتبديد المخاوف التركية إلا التشدق بكلام أجوف.

ذلك يعد تغييرا في اللهجة، فحتى أوائل العام 2019، كانت وزارة الخارجية التركية تعطي انطباعا إيجابيا عما يُعرف باسم خريطة طريق منبج، متجاهلة حقيقة أن مجلس منبج العسكري الذي تسيطر عليه وحدات حماية الشعب لا يزال يمسك بزمام الأمور. ولعل السبب في ذلك أنهم كانوا يتوقعون أن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب المفاجئ بسحب قواته من سوريا، والذي اتخذه في شهر ديسمبر من العام 2018، سيتم تنفيذه. فبمجرد خروج قوات مشاة البحرية الأميركية، كان من الممكن أن تنتقل منبج إلى السيطرة التركية، شريطة أن تبارك روسيا ذلك وتضحي بالأكراد المحليين. ولكن بعد أن تبين أن القوات الأميركية ستظل باقية هناك، أدركت تركيا أن هذا الاتفاق ليس سوى اتفاق أجوف. غير أنها غضت الطرف عن هذه المسألة بعد ذلك في ظل وجود قضايا أخرى أكثر إلحاحا، ومن بينها أزمة إدلب ومنطقة شرق الفرات.

سواء في حالة منبج أو في حالة المنطقة الآمنة، كان العامل الحاسم هو كيفية تصرف الولايات المتحدة. فإذا ثبتت الإدارة الأميركية على موقفها ولم ترضخ لمطالب أردوغان، فمن المستبعد أن يخاطر بمواجهة شاملة. ما من شك أن الرئيس التركي سيلجأ لخطاباته الرنانة ضد "ما يسمى بالحليف"، تلك العبارة التي استخدمها جاويش أوغلو. ذلك أن تكلفة انتقاد الولايات المتحدة أقل من تكلفة استعراض القوة العسكرية ومواجهة خطر تصعيد غير مرغوب فيه. والربط بين الخيانة الأميركية واللاجئين السوريين، الذين قد يتم إدخالهم إلى المنطقة الآمنة إذا تولت تركيا المسؤولية، يضرب مثالا آخر على سعي أردوغان لكسب نقاط سياسية على الساحة المحلية وفي نفس الوقت يتجنب التحرك على صعيد التهديدات.

غير أن ذلك لا يعني أن الأمر كله مجرد جعجعة. فليس من المستبعد أيضا أن يشن المسلحون العرب المتحالفون مع أنقرة هجمات على القوات الأميركية. وثمة سابقة لذلك في منبج، حيث قتل مهاجم انتحاري أربعة أميركيين وجنديين وموظفا مدنيا وضابط مخابرات. لا شك في عدم وجود أي دليل على صلة تركيا بالتفجير الانتحاري، لكن مثل تلك الحوادث ستضفي المصداقية على كلام أنقرة التي تقول إن الولايات المتحدة يجب أن تسلم مسؤولية شمال شرق سوريا.

خلاصة القول هي أن كلا من تركيا والولايات المتحدة ليستا راضيتين عن بعضهما البعض. فكلتاهما تؤثران التعاون، ولكنهما تحاولان تطويع الاتفاق لما يحلو لهما. بيد أنه في حين تظل الاستراتيجية التركية تجاه شرق الفرات واضحة ومتسقة، لا تزال الولايات المتحدة مشوشة فيما يتعلق بنهاية مشوارها.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/us-turkey/us-and-turkey-remain-odds-over-syria
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.