الخلافات تسبق ولادة أول حكومة توافق ليبية

طرابلس - ينتظر المجتمع الدولي ومعه الليبيون ولادة أول حكومة انتقالية جرى التوافق على رئيسها ورئيس المجلس الرئاسي خلال آخر جولة لملتقى الحوار الليبي في جنيف وحظيت بدعم جميع الفرقاء، إلا أن مهمة رئيس الوزراء المكلف عبدالحميد دبيبة تبدو أشبه بمن يسير في حقل ألغام بالنظر لطبيعة صراعات النفوذ والتدخل التركي وميليشيات مسلحة يصعب كبحها ولجم سلاحها.

وتنتهي الجمعة مهلة الـ21 يوما التي منحها ملتقى الحوار لدبيبة للإعلان عن تشكيلة فريقه الحكومي، فيما تسود خلافات حول مكان انعقاد اجتماع البرلمان لمنح الثقة للحكومة الجديدة التي بدأ رئيس الوزراء المكلف عرضها على المجلس الرئاسي في مرحلة أولى ثم يعرضها لاحقا على مجلس النواب لنيل الثقة وهي مرحلة مفصلية في مسار العملية السياسية.

ولا يحظى المكان الذي سيعقد فيه البرلمان جلسته للتصويت على الثقة بتوافق، فالمستشار عقيلة صالح رئيس البرلمان (مقره طبرق) وعدد من النواب يريدون أن تعقد جلسة منح الثقة في سرت في منتصف الطريق بين الشرق والغرب، فيما يفضل أكثر من 140 نائبا أن تعقد في صبراته في الغرب.

وقد يتم تجاوز هذا الخلاف إلا انه يشكل مؤشرا سلبيا في بداية العملية السياسية ورسالة إنذار لدبيبة وهو يخطو خطواته الأولى لإرساء مرحلة انتقالية تنتهي في 24 ديسمبر القادم بإجراء انتخابات عامة.

ويرى عماد الدين بادي الخبير في المبادرة العالمية التي يوجد مقرها في جنيف أن مهمة دبيبة ستكون شائكة موضحا أنه "إذا كان تعيينه قوبل مؤقتا بتوافق واسع في أنحاء البلاد، فإن الخاسرين الذين سيظهرون حتما حين يعلن حكومته سيحشدون صفوفهم بدون شك لعرقلة أي دعم لحكومته".

وهذا الراي صحيح في جانب منه، إذ تشير كل التوقعات أن أصحاب النفوذ في غرب ليبيا او حتى في شرقها لن يبقوا مكتوفي الأيدي إذا تم المساس بمصالحهم ومواقعهم ومن غير الوارد أن يتخلوا بسهولة عن مكاسب سياسية انتزعوها في السنوات القليلة الماضية.

كما أن سلاح الميليشيات والميليشيات التي تقلب ولاءاتها بحسب مصالحها، يعتبر معضلة أخرى في طريق دبيبة الذي وعد بانجاز المهمة في اقرب وقت ولكنه لوح ايضا بأنه في حال ظهور عراقيل فإنه سيعود إلى ملتقى الحوار لفض تلك الاشكاليات.

وقد أعلن في الفترة الأخيرة أنه في حال عدم تأمين النصاب المطلوب للتصويت على الثقة في البرلمان، فسيعود الأمر إلى الموفدين الليبيين الـ75 إلى جنيف لمنح الثقة للحكومة.

وعبر تخصيص زيارته الأولى إلى الخارج إلى مصر الداعمة للمشير خليفة حفتر، وليس تركيا الداعمة الرئيسية لحكومة الوفاق الوطني، أراد دبيبة إظهار أنه يريد أن يضع التحالفات الماضية جانبا.

لماذا زار دبيبة مصر في أول جولة خارجية له ولم يزر تركيا
لماذا زار دبيبة مصر في أول جولة خارجية له ولم يزر تركيا

وهذه الخطوة تعتبر محاولة للنأي بحكومته عن التجاذبات الإقليمية وصراع النفوذ في الساحة الليبية، لكن السؤال الملح في خضم هذا المشهد هو مدى قدرة رئيس الوزراء الليبي المكلف وكذلك رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، على تحصين العملية السياسية من التدخلات الخارجية.

ولم تعلق تركيا على زيارة دبيبة الأخيرة إلى مصر في أول جولة خارجية له حتى لا تثير اي انتقادات وحتى لا تلفت الأنظار مجددا إلى وجودها العسكري ونفوذها في الساحة الليبية بينما تعمل على إعادة ترتيب أوراقها وتنتظر مآلات الوضع بعد الإعلان عن الحكومة الليبية الجديدة

وكان دبيبة قد وعد باختيار الوزراء "وفق معايير الكفاءة مع مراعاة التنوع والمشاركة الواسعة"، مضيفا في تغريدة "لن نخيب الآمال المعقودة علينا بإذن الله، فالشعب الليبي يستحق الأفضل دائما".

وبحسب خارطة الطريق التي أعدتها الأمم المتحدة فان "30 بالمئة على الأقل من المناصب في رئاسة الحكومة والوزراء ونواب الوزراء" يجب أن توكل إلى نساء لكن أيضا إلى الشباب الذين كانوا مستبعدين لفترة طويلة عن دوائر السلطة.

وأعلن رئيس الوزراء المكلف على تويتر الخميس أنه تحادث مع وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان الذي أعرب عن "دعمه لخريطة الطريق الجديدة وتشكيل الحكومة". وقال "نأمل أن يساعدنا هذا الدعم في تحقيق الاستقرار والتنمية في القريب العاجل".

وبحث المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا ورئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا يان كوبيش في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء المكلف "التقدم المحرز في عملية تشكيل الحكومة والجهود المبذولة لعقد جلسة لمجلس النواب لمنح الثقة للتشكيلة الحكومية لرئيس الوزراء المكلف".

ويعرض دبيبة الخميس تشكيلة حكومته تمهيدا لنيل ثقة البرلمان وهي المحطة الأولى من مرحلة انتقالية تنص على إجراء انتخابات في ديسمبر لإنهاء عقد من الفوضى.

وأعلن المكتب الإعلامي لدبيبة مساء الأربعاء أن التشكيلة الحكومية ستسلم "الخميس إلى المجلس الرئاسي قبل تقديمها لمجلس النواب لاعتمادها"، مضيفا أن رئيس الحكومة يؤكد أن "المهلة لكي تعطى لها الثقـة فترة محدودة جدا".

وأمام دبيبة مهلة حتى 19 مارس للحصول على ثقة مجلس النواب قبل أن يبدأ المهمة الصعبة المتمثلة بتوحيد المؤسسات وقيادة المرحلة الانتقالية حتى الانتخابات في 24 ديسمبر.

والهدف النهائي هو محاولة الاستجابة لتطلعات الليبيين الذين يعانون من نقص في السيولة والوقود وانقطاع في التيار الكهربائي وتضخم كبير.

وليبيا التي احتفلت الأسبوع الماضي بالذكرى العاشرة للثورة التي أنهت نظام معمر القذافي في 2011، لا تزال غارقة في الفوضى على خلفية الانقسامات السياسية.

وانتخب المهندس عبدالحميد محمد دبيبة (61 عاما) في 5 فبراير رئيسا للوزراء للفترة الانتقالية في ليبيا وذلك من جانب المشاركين في الحوار الذي أطلق في نوفمبر بين الفرقاء الليبيين في سويسرا برعاية الأمم المتحدة. وسبق أن شغل مناصب مسؤولية خلال عهد القذافي.

واختار الحوار بين الليبيين هذا الشهر سلطة تنفيذية جديدة بقيادة رئيس الوزراء المكلّف دبيبة ومجلسا رئاسيا من ثلاثة أعضاء وذلك بدعم رسمي من كل من المشير خليفة حفتر وحكومة الوفاق الوطني المنتهية ولايتها.

ومنذ ذلك الحين كثف لقاءاته وتنقلاته من أجل تشكيل فريق يحل محل حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج التي تشكلت في 2016 في طرابلس (غرب) والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة.

وبذلك تطوى صفحة مرحلة انتقالية بدأت مع اتفاق الصخيرات في المغرب عام 2015 برعاية الأمم المتحدة، الذي أفضى إلى تشكيل حكومة الوفاق الوطني.

لكن لم تنل هذه الحكومة قط ثقة البرلمان في الشرق المدعوم من المشير خليفة حفتر ولم تتمكن من فرض سلطتها على القوى السياسية والعسكرية في البلاد.

والنزاعات على السلطة أغرقت البلاد في الحرب في ابريل 2019 على خلفية تدخل عسكري تركي مع هجوم أطلقه المشير خليفة حفتر في محاولة لتطهير طرابلس من الإرهاب ومن ميليشيات متشددة موالية لجماعة الاخوان المسلمين التي تحكم قبضتها على غرب ليبيا.