اللعب على الجيوبوليتيك الأوروبي وصناعة الفوضى

أردوغان مولع بترسيخ سلطته من خلال ركوب المشاعر المعادية للغرب، انتقد الرئيس التركي مرارا الدول الأوروبية وأدانها وهددها.

كان اللاجئون السوريون ورقة مساومة له لأن أي تدفق محتمل للاجئين هو أكبر مصدر قلق للاتحاد الأوروبي.

بدا الرئيس التركي مستعدًا للشراكة مع الدول الأوروبية ابتداءا من مطلع هذا العام ، لكن أردوغان يريد استبعاد القيم الأوروبية هذه المرة - على عكس الحالة خلال العقد الأول من حكمه.

مع الافتقار إلى الشفافية، وانعدام سيادة القانون، وعدم اعتراف المحاكم المحلية بأوامر المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، فإن عضوية تركيا التي طال انتظارها في الاتحاد الأوروبي ليست مطروحة للنقاش والتفاوض. لكن التزام تركيا باتفاق اللاجئين لعام 2016 أظهر أن حرق الجسور مع أكبر مستورد للبضائع التركية لم يكن حقا خيارا صحيحا.

عدم وجود أصدقاء باستثناء روسيا - الشريك الذي يقوض باستمرار مكانة تركيا كضامن في سوريا - أصبح أمرا لا يطاق لتركيا المتضررة اقتصاديا.

 تسعى اليونان وإسرائيل ومصر، من بين دول البحر الأبيض المتوسط ​، لاحتواء تركيا، معتمدين على عزلة انقرة عن شركائها الغربيين، والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

دعم الرئيس أردوغان علنا حكومة طرابلس الليبية حيث كانت الحرب الأهلية الليبية تقترب من نهايتها مع حصار قوات خليفة حفتر لطرابلس. أعطت الصفقة المزدوجة الموقعة بين أنقرة وطرابلس حكومة الوفاق الوطني الليبية فرصة للبقاء بينما دعمت تركيا، في المقابل، اتفاقية الحدود البحرية التي تدعم مطالبها في البحر المتوسط.

نظرت القوى الأوروبية، غير الفعالة منذ الإطاحة بمعمر القذافي، إلى الجهود الروسية والتركية في ليبيا على أنها دعوة للاستيقاظ فيما يتعلق بأمن أهم طريق للمهاجرين إلى أوروبا.

وحاولت ألمانيا، من خلال تنظيم مؤتمر برلين ، التوسط في هدنة بين الفصائل الليبية المتحاربة بعد سنوات من عدم الفعالية. ها هي المفوضات الليبية – الليبية قطعت شوطا بينما ما يزال اردوغان يثبت اقدامه في ذلك البلد ولا يريد لأي اتفاق ان يزيح مخابراته وقواته العسكرية عن مناطق استراتيجية في ذلك البلد.

إن استعداد تركيا لبدء العمل مع القوى الأوروبية مرة أخرى واضح. ولكن من الواضح أن القيم الأوروبية، وحرية التعبير وسيادة القانون، لن تكون جزءا من هذه الشراكة الجديدة، وتلك معضلات اخرى تقف في مسار العلاقات التركية – الأوروبية.

وتبدو القضية اعقد وأعمق بكثير من منظور الجيوبولتيك الأوروبي اذ بدا ان تركيا تريد المزاوجة بين اطماعها التوسعية والغاء وجود وصوت بلدين اوروبيين هما اليونان وقبرص وبين سعيها لما سماه اردوغان طي صفحة الماضي.

ويبدو أن بوصلة اردوغان بدأت تتجه مع بداية العام الجديد نحو العودة للتشبث بأذيال أوروبا.
اذ قال أردوغان أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من الأولويات السياسية لأنقرة التي ترى مستقبلها في الأسرة الأوروبية.
جاء ذلك في لقاء مع رئيس المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، عبر دائرة تلفزيونية مغلقة، حسب بيان دائرة الاتصال في الرئاسة التركية.
وشدّد أردوغان على أهمية استئناف القمم الدورية بين تركيا والاتحاد الأوروبي مبيناً أنّ الاجتماعات رفيعة المستوى ستعود بالفائدة على الطرفين.
وأعرب عن رغبته في فتح صفحة جديدة في علاقة أنقرة بأوروبا مع بداية العام الجديد.
وعزا أردوغان تراجع العلاقات بين الجانبين في 2020 إلى "نزوات بعض أعضاء الاتحاد الأوروبي وافتعالهم لمشاكل مصطنعة"، مبينا أنّ هذا الأمر لا يؤثر على مستقبل العلاقات الثنائية فحسب، بل على مساحة جغرافية واسعة ومشتركة بين الجانبين.
وبيّن أنّ أول خطوة يجب البدء منها في العلاقات، هي تحديث الاتفاق التركي الأوروبي (اتفاقية إعادة القبول) الموقع في 18 مارس 2016، موضحاً أنّ عام 2021 يهيئ فرصة لتعاون مثمر بين الجانبين بخصوص الهجرة.

كان الطرفان يعلمان أن العقوبات لن تساهم في دفع العلاقات الثنائية الى أمام بحسب الكاتب طلحة كوش في صحيفة ديلي صباح التركية، حيث أضاف انه "وعلى الرغم من الخلل الوظيفي للعقوبات، الا ان اليونان وقبرص وفرنسا والنمسا أصرت على فرض عقوبات على تركيا".

وفي نظر الكاتب، إن معاقبة أنقرة لن ترضي سوى اليونان والقبارصة اليونانيين وتجعلهم أبطالا في ساحاتهم المحلية.

ويقول الكاتب ايضا، في الواقع، دفع هؤلاء أجندتهم بدعم من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

العقوبات المعتدلة التي فرضت على تركيا بعد القمة خيبت آمال السياسيين اليونانيين وأحبطت أنقرة.

وينتقل الكاتب الى جوهر العلاقة بين الطرفين قائلا، ان  تركيا قررت اتخاذ خطوات أكثر جرأة لتطبيع علاقاتها مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

 أصبح تحفيز أجندة الاتحاد الأوروبي واتخاذ خطوات ملموسة نحو تطبيع العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي أولوية لخطط السياسة الخارجية لأنقرة لعام 2021.

وبحسب الكاتب وخلال الأسابيع العديدة الماضية، قدمت أنقرة إشارات ودية لنظيراتها في بروكسل وعواصم الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

أنقرة تتنافس على مياه اقليمية وأراض وثروات اوروبية وهي تضرب في الصميم الجيوبوليتك الأوروبي وتتغاضى عن ذلك بعبارات دبلوماسية منمقة تارة والصراخ في وجه الاوروبيين وتعجيجهم بورقة المهاجرين وصناعة الفوضى التي تجيدها انقرة.

* بالإستفادة من مقال الكاتب برهان يوكسيكاس في موقع آسيا تايمز.