ألمانيا أمام مهمة مستحيلة في تركيا

لا توجد هناك أي مؤشرات توحي بخفض التصعيد بين تركيا واليونان، مما يثير المخاطر المحتملة لمواجهة عسكرية خفيفة أو كبيرة في شرق البحر المتوسط.

وعلى الرغم من الدعوات والتوقعات وحتى بعد إعلانه مؤخرًا عن اكتشاف تركيا لموارد غاز كبيرة في البحر الأسود، أدهش الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، المحللين مرة أخرى، الذين توقعوا أن الاكتشاف سيخلق ذريعة للتراجع عن المسوحات الزلزالية وتدريبات الجيش أسفل الجنوب.

لكن الرجل القوي في تركيا لا يعطي أي مؤشر على رغبته في تخفيف التوترات في المنطقة.

ونتيجة لذلك، تواصل كل من تركيا واليونان تصعيد الأمور، من خلال الإعلان عن سلسلة من التحذيرات البحرية "نافتيكس"، بدعوى وجود أنشطة في نفس المنطقة. صدر أحدث إصدار من "نافتيكس" عن أثينا، ردًا على أنقرة، حيث قامت بحجز مناطق في مناطق جنوب شرق جزيرة كريت وكارباثوس ورودس وجنوب كاستيلوريزو، بين 25 و 27 أغسطس.

ولم تظهر تركيا أي علامات على وقف الأنشطة في المناطق حتى الآن.

تأتي حروب "نافتيكس" هذه خلال فترة حساسة. ومن المقرر أن يعقد الاتحاد الأوروبي اجتماعا غير رسمي "جيمنيتش" في 27 و 28 أغسطس. يتزامن موعد الاجتماع مع موعد انتهاء فترة صلاحية الطلب المقدم إلى وزارة الطاقة التركية من قبل شركة البترول التركية "تي بي آيه أوه" للحصول على تصريح للتنقيب في المناطق المحددة في اتفاق الحدود البحرية التركية الليبية.

وقد أوضحت اليونان يوم الاثنين أن أي استكشاف إضافي في جنوب وشرق جزيرة كريت هو "خط أحمر"، ويشكل "سبباً لشن الحرب".

ولكن هل الأزمة بهذه الخطورة؟ نعم كثيراً. حتى أكثر المراقبين حذرًا وترددًا يدقون الآن أجراس الإنذار، بما في ذلك إيان ليسر، نائب رئيس صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة، حيث يشير إلى عدة أسباب تجعلنا جميعًا نشعر بالقلق.

يقول ليسر إن تعقيد النزاعات في الحوض لم يكن أبدًا أعمق من ذي قبل، حيث شارك فيه عدد من الجهات الفاعلة، مشيرًا إلى أن احتمالية وقوع "الحوادث" عالية جدًا.

ويضيف أن هياكل التحالف تتعثر و"العلاقة الاستراتيجية بين أنقرة والشركاء عبر الأطلسي وصلت إلى نقطة الانهيار الفعلي".

نسي ليسر نقطتين أخيرتين – وهما أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد خلق فراغًا هائلاً في السلطة في المنطقة، وأن أردوغان، باعتباره أكثر الجهات السياسية مكراً، منشغل في إحداث الفوضى.

في هذه الأثناء، تواصل ألمانيا محاولاتها للعمل كوسيط لنزع فتيل التوتر، إلى حد كبير بسبب اللامبالاة الواضحة من ترامب، وأيضاً بسبب عدم الثقة في الرئيس الفرنسي ماكرون وفريقه.

ويزور وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، أثينا وأنقرة اليوم (25 أغسطس) لإجراء محادثات مع نظرائه.

وقد فشلت المشاركة الألمانية السابقة، لأن أثينا، التي لا تثق في كوكبة القوة الحالية في أنقرة، وقعت اتفاقية المنطقة الاقتصادية الخالصة مع مصر، في خطوة استجابة ضد الاتفاق التركي مع حكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها دوليًا.

وبالنسبة لأردوغان، لم تتغير اللعبة القائمة على "الأزمة المستدامة": فقد استخدم صفقة أثينا والقاهرة كذريعة لمواصلة الأنشطة التركية في شرق البحر المتوسط، وأظهر أيضًا قلة اهتمام كبيرة بإيماءات خفض التصعيد في المنطقة لحل النزاع، وهو أمر بعيد جدًا عن سلوك قيادته.

ولكن هل ستؤدي جهود ماس إلى أي نتائج؟ من غير المرجح. أولاً، ليس لدى ألمانيا إرث من الوساطة الناجحة في أي صراع دولي، لا سيما بعد غرق عملية برلين للسلام في ليبيا في حالة من الفوضى.

ثانيًا، لدى ألمانيا مصالح هائلة في مواصلة استرضاء أردوغان ونظامه، بما في ذلك الدافع في الحفاظ على التجارة، والخوف من هجرة اللاجئين إلى الاتحاد الأوروبي، والمخاوف من أن مواجهة الرجل القوي التركي ستزيد من انقسام المجتمع التركي في ألمانيا.

وقد يكون السبب الثالث هو أن المفهوم الألماني "للتفكير المنطقي" يقترن بسذاجة أنه يمكن للمرء أن يتحدث بطريقة منطقية مع قوة، يعتمد نمطها على استخدام التهديد باستخدام القوة الغاشمة بلغة عسكرية وعلى أفعال غير عقلانية.

لم يمض وقت طويل منذ أن ألقى أردوغان ووزرائه سلسلة من الإهانات لميركل وفريقها، واصفين إياهم بـ "النازيين". وحيث أنهم لم يعتذروا منذ ذلك الحين، فهذا يعني أنهم يتمسكون بموقفهم.

ما الذي يمكن توقعه إذن من زيارات ماس؟

ومن المقرر أن يستكشف ماس أسباب "إعادة تعيين" اجتماع ثلاثي بين مستشاري ميركل، ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، وأردوغان (يان هيكر وإيليني سوراني وإبراهيم كالين).

وهذا يعد أكثر شئ منطقي، ولكن حتى هذه مهمة مستحيلة. لماذا؟ لأن إدارة السياسة الخارجية لأنقرة عانت لفترة طويلة من شذوذ مؤسسي، حيث يرتبط وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، مثل كالين، بسلسلة قيادة أردوغان.

وهذا يعني أن النمط السلوكي لتركيا في أزمة شرق البحر الأبيض المتوسط ​​- كما هو الحال مع الأزمات الأخرى الغارقة فيها - يتوافق تمامًا مع مزاج أردوغان والسياسة الداخلية وحسابات المصالح الشخصية.

ويقف الرئيس التركي الآن في مأزق، حيث انخفضت معدلات تأييده بين الجمهور، وفقًا لاستطلاع سيتم نشره في الأيام المقبلة.

ويحتاج أردوغان إلى تحقيق نوع من "الانتصار"، وينوي أن يتباهى بذلك النصر في 30 أغسطس، وهو يوم النصر التركي، الذي يمثل النصر في المعركة الأخيرة في الحرب اليونانية التركية.

نفدت ذخيرة "نجاحاته" المحلية ويحتاج إلى البحث عن تحقيق نجاح آخر خارج حدود تركيا.

إلى جانب ذلك، لا يعرف أحد بالضبط من الذي يقود التحركات في القضايا المتعلقة بشرق البحر الأبيض المتوسط. هل تحاول بعض القوى المعادية لأردوغان في أنقرة دفعه إلى حافة الهاوية من خلال الترويج للحرب؟ ربما وربما لا.

وبشكل منطقي، وحتى بعد زيارة ماس، يمكننا توقع عودة أردوغان إلى مزاج "اختراع الأزمة"، وتصعيد التوترات وإطالة أمدها طالما أنه يرى انقسامًا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

ولكن قد يكون بديهياً أنه تم توجيه ماس لكسب الوقت. ربما تكون ميركل قد أقنعت ماكرون في فورت دي بريجانسون أنه من أجل مواجهة أردوغان العدواني، يجب على المرء أن يبقيه مشغولاً بالزيارات والوعود قصيرة المدى والحشود العسكرية اللازمة من قبل قوات الحلفاء حتى انتخاب الولايات المتحدة المقبلة، وهي خطوة من شأنها أن تنقذ المهمة إلى حد ما. أما الباقي فهي مجرد مجموعة من الأوهام والتمنيات.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-greece/germanys-mission-impossible-turkish-capital
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.