المأزق الفرنسي في ليبيا

بدد وقف إطلاق النار شيئا من التوتر الفرنسي بشأن ليبيا. استمرار الحرب كان سيصب في كل الحالات في غير مصلحة باريس بعد دخول روسيا وتركيا على خط المعركة، لكن من غير المعروف ما إذا كانت جهود التسوية ستنجح في إرساء استقرار في البلاد في ظل استمرار التحشيد العسكري.

تأمل باريس الآن في وصول سلطة جديدة صديقة لها قد تساعدها في تحقيق جزء من طموحاتها الاقتصادية في البلاد، والتي عجزت عن تحقيقها خلال عقد أعقب الإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي.

أبدى المسؤولون الفرنسيون ترحيبا بوقف إطلاق النار، رافقه رهان على رئيس البرلمان عقيلة صالح مقابل إرسال رسائل تتملص من دعمها لقائد الجيش المشير خليفة حفتر، وهو التملص الذي يعود لسببين: السبب الأول فشل حفتر في الخيار العسكري الذي دعمته فرنسا في البداية، وهو ما عكسه التصدي الفرنسي لإصدار بيان أوروبي يدين هجوم الجيش على طرابلس، بالإضافة إلى عثور ميليشيات حكومة الوفاق على صواريخ “جافلين” التي تعود إلى فرنسا، أما السبب الثاني فيتمثل في دخول روسيا على الخط.

شاركت فرنسا مع مصر والسفارة الأميركية في ليبيا، بالإضافة إلى البعثة الأممية خلال الأشهر الماضية، في الدفع بعقيلة صالح إلى الواجهة وتهميش خليفة حفتر الذي فرضت عليه نوعا من المقاطعة، حيث تقلصت الزيارات الخارجية إلى مدينة الرجمة القريبة من بنغازي.

عقيلة صالح هو أحد المرشحين لرئاسة المجلس الرئاسي الجديد مقابل تولي وزير الداخلية فتحي باشاغا رئاسة الحكومة، لكن هذه الصيغة تعارضها أنقرة بقوة، خاصة بعد الزيارات التي أجراها باشاغا إلى فرنسا ومصر.

كانت فرنسا قبل شهر من بين الأطراف الدولية التي تدفع نحو وصول مقترح عقيلة-باشاغا، لكن الآن تبدو المهمة قد ازدادت تعقيدا بعد التصريحات التركية المتتالية، التي أكدت إرسال عقيلة لمبعوثه عبدالسلام البدري إلى أنقرة واستقباله في مدينة القبة مسؤولا تركيا.

يعني ذلك، إذا صدقت التصريحات التركية، أن عقيلة يكون قد قدم ضمانات لتركيا بعدم التعرض لمصالحها في ليبيا، والأهم من ذلك طمأنتها بعدم مراجعة اتفاقية ترسيم الحدود البحرية المثيرة للجدل، وهو ما قد يكون وراء استدعاء باريس لعقيلة الأسبوع الماضي.

اضطر عقيلة لنفي التصريحات التركية قبل يوم من زيارته إلى فرنسا، لكن تزايد الحديث عن سيناريو بقاء رئيس المجلس الرئاسي الحالي فايز السراج مقابل تعيين رئيس حكومة من الشرق، عزز الشكوك بشأن صحة التصريحات التركية.

تحدثت وسائل إعلام الشهر الماضي عن وساطة إيطالية بين السراج وحفتر، حيث قالت صحيفة “لاريبوبليكا” الإيطالية، إن رئيس الحكومة الإيطالي جوزيبي كونتي ووزير خارجيته لويجي دي مايو أبلغا حفتر خلال زيارتهما بنغازي، بمقترح السراج الذي ينص على بقائه مقابل تعيين رئيس حكومة من المنطقة الشرقية.

نفت حكومة الوفاق ما نشرته الصحيفة الإيطالية، لكن تزايد التنافس بين السراج وباشاغا يزيد من حدة الشكوك بشأن صحة الخبر، وفي الأثناء تجري المبعوثة الأممية بالإنابة ستيفاني ويليامز في جنيف، محاولة ثانية لتشكيل سلطة تنفيذية جديدة بعد فشل محادثات تونس، وهو الفشل الذي يحمل بصمات تركيا خاصة بعد تعليق أعضاء من ملتقى الحوار مقربين منها مشاركتهم في المحادثات، وهو الأمر الذي حال دون الوصول إلى نصاب للتصويت على مقترحات آلية التصويت لاختيار أعضاء السلطة الجديدة.

ورغم الأنباء التي انتشرت السبت، بشأن نجاح ويليامز في إقناع اللجنة الاستشارية لملتقى الحوار بشأن التوصل إلى اتفاق على اختيار سلطة تنفيذية جديدة، فإن إمكانية عرقلة تنفيذ التفاهمات تبقى واردة لصالح الإبقاء على السراج، وهو ما يهدد بخسارة فرنسا رهانا مهما لاستعادة البعض من نفوذها المهدد بالضياع في ظل استمرار وجود تركيا وروسيا.

كما أن انسحاب المرتزقة يبدو أمرا بعيد التحقق، خاصة في ظل استمرار تركيا في التحشيد من خلال إرسال شحنات من الأسلحة، ما يهدد باندلاع حرب جديدة ستكون هذه المرة بين روسيا وتركيا.

لم يكن ينقص فرنسا، التي كانت أول المتحمسين لإسقاط النظام السابق، مدفوعة بطموحات اقتصادية كان القذافي يعيق تحقيقها، سوى دخول روسيا على الخط وهو ما يهدد بخسارتها ما تبقى لها من نفوذ شرق وجنوب البلاد، وهو ما يبدو أنه دفعها إلى تحسين علاقتها مع حكومة الوفاق، أملا في تحقيق بعض المصالح في المنطقة الغربية لعل أهمها على الإطلاق إحياء صفقة التنقيب عن الغاز في حوض نالوت التي تم توقيعها وإلغاؤها أيضا، في عهد القذافي والرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي.

وتشير تقارير إلى انتشار عدد من مرتزقة فاغنر في قاعدة براك الشاطئ جنوب البلاد، بالإضافة إلى سيطرتها على قاعدة الجفرة، في حين تتضارب الأنباء بشأن تواجد روسي في سرت.

لسرت أهمية استراتيجية بالنسبة للفرنسيين الذين يطمحون للسيطرة على مينائها، بهدف إنشاء خط تجاري يربط بين أفريقيا وأوروبا. تواترت هذه الأنباء كثيرا عقب الإطاحة بنظام القذافي وسط حديث عن وجود خطة فرنسية لجعل سرت إقليما مستقلا تحت اسم إقليم سرت الكبرى.

لكن ذلك المخطط قوبل على ما يبدو برفض السلطة في طرابلس، التي كان يهمين عليها الإسلاميون حينئذ والذين يدينون بالولاء لدول منافسة لفرنسا كالولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا.

عن صحيفة العرب اللندنية