المدخرون الأتراك العاديون سيقررون مصير الليرة المتعثرة

قد يقرر المدخرون في تركيا، وليس المستثمرون الأجانب، ما إذا كان قرار البنك المركزي برفع أسعار الفائدة يوم الخميس سيفتح مرحلة جديدة من الاستقرار لليرة.

عانى الأتراك من تضاؤل ​​قيمة مدخراتهم بالليرة على مدار السنتين الأخيرتين مع تراجع العملة إلى أدنى مستوياتها مقابل الدولار وارتفاع التضخم، مما ذكرهم بعقود من عدم الاستقرار المالي. لذلك، لجأ الكثيرون إلى الدولار واليورو والذهب لحماية رؤوس أموالهم، مما أدى إلى ما يسمى بدولرة الاقتصاد.

وأظهرت بيانات رسمية نُشرت يوم الجمعة أن الأتراك يمتلكون 225.8 مليار دولار من العملات الأجنبية والمعادن النفيسة حتى 13 نوفمبر، في زيادة قدرها 1.5 مليار دولار عن الأسبوع السابق. وتشير أرقام البنك المركزي إلى أن العملات الأجنبية تشكل حوالي 56 في المائة من الأموال في الحسابات الجارية وحسابات الودائع في تركيا مقارنة بالـ50 في المائة المسجّلة قبل سنة.

ويبيع الأتراك الليرة حتى بعد إعلان الرئيس رجب طيب أردوغان عن تعديل فريقه الاقتصادي قبل أسبوعين والتكهنات بأن البنك المركزي سيرفع سعر الفائدة القياسي. وفعل البنك ذلك في اجتماع يوم الخميس ورفع سعر الفائدة القياسي بمقدار 4.75 نقطة مئوية إلى 15 في المئة.

ويبدو أن المدخرين الأتراك لا يعتقدون أن إجراءات البنوك على الودائع بالليرة توفر حماية كافية لمدخراتهم. وقد ارتفع تضخم أسعار المستهلكين في تركيا إلى 11.9 بالمئة في أكتوبر، وفقا لبيانات رسمية.

ويتذكّر العديد من الأتراك عدم الاستقرار الاقتصادي الذي شهدوه قبل وقت طويل من أزمة العملة في 2018، والتي دفعت الاقتصاد إلى حافة أزمة مالية وأدت إلى ركود عميق.

في يناير 2005، نفذت حكومة رئيس الوزراء أردوغان تخفيضا جماعيا لقيمة الليرة، وحذف ستة أصفار من العملة. ووصف أردوغان انخفاض قيمة الليرة على مدى عقود بالعار وقال إن حكومته "تستعيد كرامتها".

قبل خمس عشرة سنة، كانت أصغر عملة معدنية في تركيا هي الخمسون ألف ليرة، أي ما يعادل 4 سنتات أميركية. وعكست هذه القيمة تضخما خارج نطاق السيطرة وسلسلة من الأزمات الاقتصادية. كان الدولار الواحد يساوي 2.8 ليرة في الخمسينيات. وخلال الأزمة المالية في 2001، بلغ معدل التضخم السنوي 70 في المائة. وتجاوزت الزيادات السنوية في الأسعار 30 في المائة عندما تولت حكومة أردوغان السلطة في نهاية العام التالي.

وبحلول نهاية عام 2004، احتاج الأتراك إلى 1.350.000 ليرة لشراء دولار واحد. ثم ارتفعت الليرة إلى 1.15 أمام الدولار قبل الأزمة المالية العالمية في 2008، إذ نفذت تركيا إصلاحات اقتصادية شاملة في إطار برنامج قرض صندوق النقد الدولي. ويحتاج الأتراك اليوم إلى 7.61 ليرة لشراء دولار واحد، أو 7.61.000 ليرة من الليرة القديمة.

وأعادت السياسة الاقتصادية على مدى العامين الماضيين إحياء ذكريات الأتراك عن ماضي الأزمات في البلاد. فقبل اضطراب العملة في أغسطس 2018، كانت حكومة أردوغان تستهدف القواعد الاقتصادية لبرنامج قروض صندوق النقد الدولي. وقوضت استقلالية البنك المركزي وعدد من المؤسسات المالية والاقتصادية الأخرى، بما في ذلك البنوك التي تديرها الدولة بعد إخراجها من الرقابة البرلمانية وتحويلها إلى صندوق ثروة سيادي.

منح الانتصار في الانتخابات الرئاسية في صيف 2018 لأردوغان سلطات تنفيذية جديدة واسعة مع تحول تركيا من نظام برلماني إلى رئاسي. وعند إعادة تنصيبه، عيّن أردوغان صهره على رأس وزارتي الخزانة والمالية المدمجتين، ومنح نفسه سلطة تعيين كبار مسؤولي البنك المركزي وفصلهم. كما أصبح رئيسا لمجلس إدارة صندوق الثروة السيادية التركي. وعلى مدى الأشهر التالية، استبدل العديد من كبار الأعضاء في مؤسسة كانت تديرها الدولة وكانت المسؤولة عن حساب التضخم والبيانات الاقتصادية الرئيسية الأخرى.

أردوغان في مسار الانتخابات مع صهره بيرات البيرق.
أردوغان في مسار الانتخابات مع صهره بيرات البيرق.

شرع أردوغان وصهره بيرات البيرق في هندسة طفرة في الاقتراض على أساس أسعار الفائدة المنخفضة لانقاذ البلاد من ركود اقتصادي عميق. وأقرضت البنوك التي تديرها الدولة عشرات المليارات من الليرات وطُلب من المقرضين الخاصين أن يتبعوا نفس النهج.

في يوليو 2019، أقال الرئيس محافظ البنك المركزي لفشله في خفض تكاليف الاقتراض التي تحددت عند 24 في المائة للمساعدة في حماية الليرة. وفي مايو، أبقى البنك المركزي على سعر الإقراض القياسي ثابتا عند 8.25 في المائة منذ مايو حتى مع تسارع التضخم إلى 11.8 في المائة. كما شهد المدخرون انخفاض أسعار الفائدة على ودائعهم بالليرة.

أدى الازدهار في الاقتراض وسياسات الحكومة حول أسعار الفائدة المنخفضة إلى اضطرار البنك المركزي لبيع عشرات المليارات من الدولارات من احتياطياته من العملات الأجنبية لتحقيق الاستقرار في الليرة بدلا من زيادة تكاليف الاقتراض. وسرعان ما تراجعت احتياطياته إلى المنطقة السلبية.

على الرغم من تدخلات البنك في سوق العملات، هبطت الليرة إلى أدنى مستوياتها القياسية، ووصلت إلى 8.58 أمام الدولار في 6 نوفمبر. في اليوم التالي، أقال أردوغان محافظ البنك المركزي وعين بديلا له، مدركا أن مستقبله السياسي قد يكون تحت تهديد تبعات الانهيار المالي.

في 13 نوفمبر، أظهرت بيانات رسمية للبنك المركزي ارتفاع التضخم في تركيا في أكتوبر إلى 11.89 في المائة على أساس سنوي. وهذا غير كاف لتغطية تكلفة التضخم السنوي.  واستخدم البنك المركزي ما يسمى بممرّ أسعار الفائدة لتحديد متوسط ​​تكلفة التمويل للبنوك، والتي ارتفعت إلى حوالي 14.75 في المائة قبل أن يرفع البنك المركزي التركي سعر الفائدة الرئيسي إلى 15 في المئة يوم الخميس.

وقال المستشار الاقتصادي الرئيسي في "بي جي آي إم"، يورجن أودينيوس، في تقرير يوم الخميس، إنه لبدء عكس الدولرة، يجب أن تتجاوز أسعار الفائدة على الودائع في تركيا التضخم السنوي بمقدار 3 نقاط مائوية أو أكثر. وقال إنه على الرغم من رفع البنك المركزي لأسعار الفائدة، فقد تكون الأسعار الحقيقية أقل من المطلوب لعكس اتجاه الدولرة، وذلك اعتمادا على مسار التضخم.

وقرر الرئيس التركي إقالة محافظ البنك المركزي، مراد أويصال من منصبه، واستبداله برئيس الاستراتيجية الرئاسية والموازنة ناجي إقبال. ويواجه البنك المركزي والمحافظ إقبال ووزير الخزانة والمالية الجديد لطفي علوان، الذي عُيّن مكان البيرق خلال الأسبوع الماضي، مشكلة تسارع التضخم والتصورات العامة بشأن زيادات الأسعار ومعضلة استعادة مصداقية تركيا الاقتصادية والنقدية.

تاريخيا، لا يثق الأتراك في البيانات الرسمية. ورسخت تلك التي نشرتها الحكومة مؤخّرا هذه النظرة حيث شهدوا ارتفاع أسعار العديد من السلع الأساسية بمعدل أعلى. وزادت مزاعم وسائل الإعلام المعارضة حول اعتماد هذه الأسعار بناء على أوامر من المسؤولين الحكوميين من شكوكهم.

أظهرت دراسة نشرت في أكتوبر عن التضخم في تركيا، وأجراها أكاديميون وباحثون، أن الزيادات الشهرية في الأسعار كانت أكبر بأربعة أضعاف من البيانات الرسمية.

وارتفعت الأسعار بنسبة 3.61 في المائة الشهر الماضي مقارنة بشهر أغسطس مقابل الزيادة بنسبة 0.97 في المائة التي أبلغ عنها معهد الإحصاء التركي، وفقا لمجموعة أبحاث التضخم المستقلة التي تضم أكاديميين من عدة جامعات تركية.

ظل التضخم السنوي لأسعار المستهلك في تركيا مستقرًا بشكل مثير للفضول حتى مع انخفاض قيمة الليرة وأدى إلى قفزة في أسعار المنتجين.

وارتفعت أسعار المستهلكين في تركيا بنسبة 11.76 في المائة خلال شهر يوليو الماضي و11.75 في المائة في أغسطس، و11.75 في المائة في سبتمبر و11.89 في المائة في أكتوبر.

ومن المتوقع أن يرتفع معدل تضخم أسعار المستهلكين في تركيا إلى 12.5 في المائة قبل 2021، وذلك وفقا لمسح أجراه البنك المركزي وشمل مختصّين في الصناعة المالية وقادة الأعمال. ويتوقع العديد من الاقتصاديين زيادة أخرى في بداية السنة المقبلة، إلى ما يزيد عن 13 في المائة ثم أعلى.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/turkish-lira/ordinary-turkish-savers-will-decide-troubled-liras-fate
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.