المهدي أفيون الشعوب عند الأتراك والفرس

مع تأهب تركيا للبدء في نشر قوات في ليبيا أواخر ديسمبر الماضي، تناولت عناوين الصحف بشكل مكثف تصريحات لرئيس شركة سادات، قال فيها إن ظهور المهدي المنتظر بات وشيكاً. وسادات شركة أمن خاصة مرتبطة بالحكومة التركية، تقول تقارير إنها نشطة بالفعل في الصراع الليبي.

بعد ذلك بأيام، قال الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد إن المهدي المنتظر قادم "ليُنهي الظلم ويحقق أمانينا". لكن مقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس بعد ذلك أثار الكثير من الحديث عن المهدي المنتظر وغيره من القوى الدينية الخارقة.

وفي ظل حديث شخصيات عامة عن المسيح، والدجّال، والحروب المقدسة بين المسلمين والصليبيين، يبدو أن الخطاب أخذ منحى يُنذر بدمار العالم وفناء الإنسانية. لكن علماء الدين والكُتّاب يقولون إن مفهوم المهدي كان موجوداً منذ ما قبل ظهور الإسلام، وإن التاريخ شهد ظهور الكثير من المدّعين بأنهم ذلك المهدي المنتظر.

وقال الكاتب مصطفى إسلام أوغلو إن فكرة المهدي المنتظر واحدة من بين الكثير من الأفكار التي تحدّث عنها الإسلام كما تحدثت عنها المسيحية واليهودية.

وانتشرت تلك الفكرة بين المسلمين أيام الخلافتين العباسية والأموية، وهي فترة زمنية وصفها إسلام أوغلو بأنها كانت مأساوية، وقال إن الرعية الذين كانوا يعانون من القمع آنذاك، ركزوا إيمانهم على فكرة ظهور المهدي الذي سيخلصهم من ذلك الطغيان.

لكن إسلام أوغلو يقول إن هذا المفهوم المتوارث ما هو إلا حلم مؤجل لن يتحقق أبداً، مشيراً إلى مثال زيد ابن عليّ – حفيد صهر الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) ورابع الخلفاء الراشدين، عليّ بن أبي طالب.

يقول إسلام أوغلو إن زيداً قاد ألفاً من أتباعه في اليوم الذي بدأ فيه ثورته على الخلافة الأموية، لكن عندما حلّ الليل لم يكن قد تبقّ من أتباعه سوى 218 فرداً.

وقد كانت قصة عليّ وأتباعه، خاصة حفيده الذبيح الحسين، وقوداً للشقاق بين المسلمين السنة والشيعة، والذي يناقشه المحللون المعنيون بالصراع في منطقة الشرق الأوسط في الكثير من الأحيان حتى وقتنا هذا.

وفكرة المهدي المنتظر فكرة مهمة للمسلمين الشيعة، الذين يؤمنون بوجود إمام يحتجب في مكان غير معلوم، وخليفة لعليّ، سيظهر من جديد في يوم من الأيام لتخليص الإسلام وإنقاذ البشر، وفقاً لما يقوله الكاتب عبد الرحمن ديليباك.

أضاف ديليباك أن "هذه مسألة عقيدة بالنسبة للشيعة، وعندما كان أحمدي نجاد رئيساً، كانوا يؤمنون بالشيء ذاته. وعندما احتلت الولايات المتحدة العراق، وصف الجيش الإيراني بأنه جيش المهدي، بينما وصف القوات التي أرسلها الرئيس (جورج دبليو) بوش بأنها جيش الصليب".

لكن بينما أعادت الأحداث الجارية في العالم الإسلامي الحديث عن نهاية العالم إلى الواجهة من جديد، يشير ديليباك إلى أن هناك معتقدات مشابهة ما زالت منتشرة بقوة بين الطوائف المسيحية.

ويقول ديليباك إن "الإنجيليين يتحدثون عن تدخل يد الرب في هرمجدون. وفي بداية العام، يتحدث العالم المسيحي عن عودة المسيح. لقد صار هناك تشابك بين السياسة والإيمان بالنبوءات الدينية، وكل منهما يؤثر على الآخر، ويبدو أن كل طرف من الطرفين يستخدم الطرف الآخر".

ويقول الكاتب إنه بينما لم يتحدث القرآن عن المهدي المنتظر، فإن هناك أحاديث نبوية تحدثت عنه. لكن الآيات أو المفاهيم القرآنية التي تتحدث عن نهاية العالم لا تتشابه مع المفاهيم المسيحية، بما في ذلك مفهوم عدو المسيح، المعروف عند المسلمين باسم الدجّال.

ويعتقد إحسان إلياتشيك، وهو ناشط وعالم لاهوت، أنه يمكن استخدام التركيز على تلك الشخصيات الدينية الغيبية وفكرة نهاية العالم كوسيلة لتحقيق السيطرة السياسية.

وقال إنه "يجب على المسلمين ألا يُضيّعوا وقتهم في مثل هذه الأمور، فالإيمان موجود بين السنّة والشيعة... في حقيقة الأمر إنها النظرة الرسمية للجمهورية الإسلامية الإيرانية. هم يؤمنون بأن مهمتهم هي إعداد العالم لقدوم المهدي المنتظر".

غير أن غوكهان باجيك، صاحب الإسهام في موقع أحوال تركية، يقول إن هذا الرأي ليس مسلّماً به عند جميع الشيعة، مشيراً إلى أن الكثيرين يعتقدون أن المسلمين يجب أن يبقوا بعيدين عن السياسة حتى عودته. لكن عندما يتعلق الأمر بالكيانات الدينية الشعبوية، يمكن إيجاد تشابهات بين العقائد المختلفة.

أضاف أن "المسيحيين الإنجيليين والإسلاميين غير متطورين على المستوى النظري. إنهم كيانات شعبوية... هذا الأمر ملازم لحركات دينية في تركيا أيضاً، مثل النقشبندية والجعفرية.

"هذه الشعبوية موجودة في الولايات المتحدة أيضاً. البعض يقولون إن الرئيس دونالد ترامب هو الشخص المختار". ويقول إلياتشيك إن الحديث عن يوم القيامة يميل إلى الهيمنة على الأجندة في أي مكان تتزايد فيه التوترات، مضيفاً أن الحديث في الآونة الأخيرة عن حرب بين الولايات المتحدة وإيران، جعل هذا الخطاب يصل إلى أوجه.

أضاف "البعض يقولون إنه ستكون هناك معركة حاسمة بين المسلمين والمسيحيين، وإن هذا سيقود إلى ظهور المهدي المنتظر. لهذا السبب يهيمن هذا الخطاب على الأجندة عندما تتوتر الأمور، لكنه لن يستمر طويلاً... فقد ادّعى آلاف من قبل على مر التاريخ أنهم المهدي المنتظر، وفي كل مرة كان ينتهي الأمر بانكشاف زيف الادعاء".

وقال باجيك إن أتباع رجل الدين التركي فتح الله غولن، الذي تتهم الحكومة حركته الدينية بالتغلغل في الدولة التركية والتخطيط لمحاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في عام 2016، هم الآخرون يسبغون على زعيمهم الروحي بعض صفات المسيح المخلّص، بينما يستخدم بعض أعضاء حزب العدالة والتنمية الحاكم الخطاب ذاته للحديث عن زعيمهم أردوغان.

أضاف "إنه أمر أشبه بالفكر السرطاني الذي يظهر ويدمر الفكر العقلاني".

لكن حسين سيابند آيتمور، وهو كاتب يركز على الأمور الدينية، يرى أن هذا الخطاب قد يكون جزءاً منطقياً جداً من الحياة السياسية في هذا القرن من الزمان.

وأوضح أن "فكرة المهدي المنتظر في زمننا تمثل خطاباً يهدف إلى تبرير السياسات والأيديولوجيات التي تتبناها القوى السياسية. إنها جزء من العلاقة بين الدين والدولة".

أضاف "المهدي هنا هو أساس الدولة، هو أحد المحددات التي تفسّر موروثات الأتراك والفرس وأرستقراطيتهما. إنه أفيون للشعوب. الدين الرسمي هو العقيدة التي تؤمن بها الدولة، والمهدي أحد عناصر تلك العقيدة".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-religion/apocalyptic-rhetoric-returns-middle-east-conflict-heats
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.