المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تخذل ضحايا تركيا

يخسر السجناء السياسيون في تركيا أمام النظام القضائي التركي والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي خذلتهم بعد أن كانت ملاذهم الأخير في سعيهم لتحقيق العدالة.

اعتُقل محمد وأحمد ألتان، الصحفيان الشقيقان، في 9 سبتمبر 2016 كجزء من عملية ضد ما يسمى بالجناح الإعلامي لحركة غولن، وهي جماعة دينية متهمة بتدبير محاولة الانقلاب في يوليو 2016.

وحوكم الاثنان ووجهت إليهما لائحة اتهام لنشرهما أعمدة وتصريحاتهما في وسائل الإعلام التي حلّتها الحكومة بموجب قوانين الطوارئ. وقدم الأخوان ألتان طلبات فردية منفصلة إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في يناير 2017. وعلى الرغم من حالتيهما المتشابهتين، استمعت المحكمة إلى قضية محمد ألتان في مارس 2018، بينما لا تزال قضية أحمد ألتان معلقة.

لا يقتصر فشل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان على رفض القضية أو سوء الحكم فيها أو تأخيرها. ولكن عندما تتحدى سياساتها مبادئ المساواة أمام القانون والشفافية وعدالة الإجراءات، فقد تفشل في إنجاز واجباتها الإيجابية، إذ تتحرّك تحت عبء ثقيل من القضايا المتراكمة مع قيود الموارد المالية والبشرية. لكن الفشل في أداء الواجبات السلبية يعدّ عيبا بالنسبة لأعلى محكمة استئناف في 47 دولة.

يتعلق هذا بالجزء الثاني من مقولة اللورد هيوارت التي تعود إلى قرن من الزمان: "ليس واجبك أن تطبق العدالة فقط بل واجبك أيضا أن تتحقق من أنها قد طُبّقت بالفعل".

تعدّ سياسة الأولوية التي تعتمدها محكمة ستراسبورغ واحدة من العديد من المجالات التي فشلت فيها المحكمة في إظهار عدلها وانصافها. ويصبح المبدأ القانوني "تأخر العدالة يعني إنكارا للعدالة" أكثر إثارة للقلق عندما يتولد شعور لدى مجموعة من ضحايا الظلم بأن دورهم في العدالة سيكون الأخير، إن جاء. وقد قال الكاتب جورج أورويل إن "جميع الحيوانات متساوية لكن بعضها أكثر مساواة من غيرها"، وهو ما يمثل إشكالية مماثلة في توزيع العدالة.

كان هذا شعور فيغن ألبوغا جاليكوشو، محامية الصحفي والكاتب التركي أحمد ألتان، عندما قالت: "تدرك المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان طلب موكلي أحمد ألتان من خلال قضية محمد ألتان، التي اعتبرتها قضية ذات أولوية. ومع ذلك، لا تقدم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان صورة جيدة عن نفسها بعدم النظر في طلب موكلي أحمد ألتان بعد 34 شهرا. يشكل هذا التقاعس في حد ذاته انتهاكا جديدا للحقوق. ويتساءل المرء ما إذا كانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مسيّسة هي الأخرى".

هل يمكن أن يكون هناك تفسير قانوني لاعتبار قضية محمد ألتان أكثر الحاحا من أحمد ألتان؟ لا نعرف.

يذكرنا المحامي البريطاني البارز توني فيشر، وهو عضو في لجنة حقوق الإنسان في نقابة المحامين في انجلترا وويلز، أثناء تعليقه على قضية عدالة الإجراءات، بأن للمحكمة سياسة أولوية منذ يونيو 2009. لكن هذه السياسة تعاني من نقص مؤسف في الشفافية فيما يتعلق بكيفية التعامل مع الحالات المختلفة التي تقع ضمن الفئة الأولى الأكثر إلحاحا.

وتابع فيشر: "يتم تتبع البعض سريعا بينما لا يتم الاستماع إلى البعض الآخر. ظل العديد من المتقدمين الأتراك مسجونين لسنوات عديدة في انتهاك لحقوقهم المنصوص عليها في الاتفاقية، بينما تم النظر في قضايا المواطنين الآخرين في غضون فترات زمنية قصيرة نسبيا."

ويزداد هذا الشعور بالتمييز تفاقما عندما ينتمي الضحايا إلى مجموعة عرقية أو فئة اجتماعية كانت خاضعة لتاريخ من التمييز أمام المحاكم المحلية. ويعرف الأكراد بالفعل أن العدالة التركية ليست معصوبة العينين. وسيكون لعدم اهتمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بالقضايا المتعلقة بالتمييز ضد الأكراد تأثيرا مدمرا على إيمانهم بسيادة القانون وثقتهم بالمحاكم.

ولا تزال طلبات نواب حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد في تركيا، الذين ألغيت حصانتهم البرلمانية بشكل غير قانوني في مايو 2016، معلقة أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان منذ أكتوبر من نفس السنة. ولا تساعد كفية اصدار المحكمة الأوروبية لحكم في قضية صلاح الدين دميرطاش، الزعيم السابق لحزب الشعوب الديمقراطي، أيضا. فقد ظل قرار الدائرة الكبرى بشأن القضية معلقا منذ أكثر من سنة.

وأشارت مديرة منظمة "هيومن رايتس ووتش" في تركيا، إيما سينكلير ويب، إلى أن هذه التأخيرات تأتي بنتائج عكسية على تنفيذ تركيا لأحكام المحكمة.

وتابعت: "نظرا إلى تجاهل تركيا لأحكام المحكمة الأوروبية وإيجادها لطرق للالتفاف على الأحكام، كانت الخطوات الأكثر جرأة لتسريع إصدار الأحكام سترسل رسالة أوضح إلى تركيا حول الالتزام بتنفيذ قرارات المحكمة، وكانت ستثبت أن تركيا تنتهك الاتفاقية الأوروبية بشكل أكثر وضوحا".

اليوم، أصبح أنصار حركة غولن في أدنى مستوى من النظام الطبقي التركي، أو كما أسماهم غونتر والراف، إنهم في كوكيتوس، في أدنى المستويات من جحيم أردوغان، وقد عوقبوا بتهمة الخيانة المزعومة ضد أولئك الذين ربطتهم بهم علاقات خاصة.

مهما كان مستوى تواطؤهم في الخطايا التي حددها أردوغان، نراهم يلجؤون إلى محكمة ستراسبورغ باعتبارها أملهم الأخير في تحقيق العدالة. وهم يشعرون بالخيانة أيضا.

تعتبر حالة أكين إيبيك مثالية. كان رجل الأعمال وفاعل الخير إيبيك شريكا في مجموعة إيبيك الاعلامية ​​التركية، التي استولت عليها الحكومة في نوفمبر 2015 ، قبل سنة من محاولة الانقلاب الفاشلة. كان هذا الاستيلاء علامة فارقة في تاريخ الحملة على الإعلام الحر في تركيا. وعندما قُبض على إيبيك في منزله في إسطنبول، كان محاموه يستعدون لرحلة إلى ستراسبورغ لتقديم طلب للاستيلاء غير القانوني على شركاته الـ 18. كما صودرت ملفات القضية التي كانت ستُقدم إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وأعيد إيبيك إلى السجن في انتظار المحاكمة.

وصل محاموه إلى المحكمة بعد سنة لانتهاك حقوق إيبيك نفسه. وكانت قضيته من الفئة الأولى. لكن، بعد أربع سنوات من تقديم الطلب، لم يتلق محاموه رد المحكمة بعد.

ويقول محاميه باتريك دوريس: "إن تناقض المحكمة في هذا المجال لا يمكن تفسيره، ويقوض سلطتها، مما يجعل الاستبداد أكثر جرأة"، مرددا خيبة الأمل في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

وفقا للدكتور إمره تركوت، وهو باحث في معهد القانون الدولي بجامعة خنت، كان هناك العديد من العيوب في تصميم سياسة الأولوية للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وشفافيتها وسرعتها. وكشفتها تعاملات المحكمة مع حالات تركية حديثة.

وووفقا لتوركوت: "لا تقدم المحكمة أية معلومات عن سبب وضع قضية معينة ضمن فئاتها السبع للأولوية بما يتجاوز التفسير العام. وحتى في أكثر الظروف "مثالية"، تأخذ المحكمة وقتها في الفصل في القضايا ذات الأولوية، مما يتسبب في تأخيرات كبيرة".

هل تتمتع المحكمة بقدرة على دحض تصورات للضحايا الذين من المفترض أن تحقق العدالة في قضاياهم؟ وهل يمكن أن تتجاهل المحكمة هذه المشاعر باعتبارها أوهاما سببها جنون الارتياب أو السخط العام؟ بالطبع لا. إذ يقوض هذا التصور مصداقية المحكمة والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. ولا تخدم العدالة الإجرائية فقط متلقي خدمات المحكمة، ولكن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان نفسها.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/echr/echrs-priority-policy-failing-turkeys-human-rights-victims
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.