المجلس التركي الأميركي يفقد مكانته

أربعة عقود من العمل المستقل للمجلس التركي الأميركي انتهت بإعلان الاندماج مع مجلس الأعمال التركي الأميركي، والذي تم الإعلان عنه في سبتمبر الماضي. ووفقا لتصريح مايرون بريليانت نائب الرئيس التنفيذي ورئيس الشئون الدولية في غرفة التجارة الأميركية، فإن الخطوة جاءت لتعميق تواجد مجتمع الأعمال الأميركي في تركيا.

رغم ذلك، يبقى الاعتقاد بأن المجلس التركي الأميركي فقد استقلاليته بسبب ارتباطه الوثيق بنظيره التركي الآخر، مجلس الأعمال التركي الأميركي.

وفي وثيقة بتاريخ الثالث من أبريل 2019، لشركة الضغط الأميركية للشؤون العامة ميركوري والتي تتعاون مع مجلس الأعمال التركي الأميركي موجهة لوزارة العدل الأميركية بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب، وضعت ميركوري مجلس الأعمال التركي الأميركي ضمن مهامها الرئيسية. كما اختارت ميركوري اتخاذ كل الاحتياطات قبل الموافقة على مساعدة المجلس التركي الأميركي.

"تقوم ميركوري بتسجيل هذه المؤسسة بكثير من الاحتياط. المجلس التركي الأميركي منظمة عضو مقرها الولايات المتحدة وهي تضم العديد من المنظمات المتعددة الجنسيات كأعضاء". وثيقة ميركوري أكدت أن تمويل المجلس التركي الأميركي يعتمد على هذه المنظمات كما أشارت أنها لا تستطيع التأكيد أن كل عضو في المجلس التركي الأميركي لا يرتبط بحكومة أجنبية أو بحزب سياسي.

المجلس التركي الأميركي اعتاد تقديم خدماته كمنظمة أعمال حيادية بعيدة عن إملاءات أي من الحكومة التركية أو الأميركية. يعمل المجلس بشكل يحمي استقلاله السياسي ويعزز الاستثمار ونمو الأعمال بين طرفيه.

وصفت مصادر، تعمل عن قرب مع المجلس التركي الأميركي، لجريدة أحوال ما يمكن القول إنه استحواذ من مجلس الأعمال التركي الأميركي عليه وهو ما يجعل الكيانين أقرب وأشمل. كما تحدثت هذه المصادر عن خلافات بين المجلسين وهو ما شكل تهديدا للشركات الأميركية في تركيا كما أثار تساؤلات بشأن انتهاكات للقانون الأميركي بما فيه قانون تسجيل الوكلاء الأجانب.

تعود بدايات هذا الجدل إلى تداعيات أحداث منتزه غيزي في إسطنبول عام 2013, والتي شهدت واحدة من أكبر التظاهرات التي شهدتها تركيا ضد حكومة رجب طيب أردوغان منذ توليه رئاسة الحكومة عام 2003. فقد انتقد جيمس هولمز السفير الأميركي لدى تركيا والذي كان رئيس المجلس التركي الأميركي آنذاك انتقد قمع أردوغان للمتظاهرين ودأب على الحديث عن وضع الديمقراطية في تركيا في أكثر من وسيلة. 

أبدى العديد من مسؤولي حزب العدالة والتنمية الحاكم الاستياء من انتقاد جيمس هولمز وشنوا حملة مستعرة استهدفت رحيله من منصبه. وفي عام 2014 استقال هولمز من منصبه كرئيس للمجلس التركي الأميركي بعد ما وصف آنذاك ما حدث بأنه نتيجة الضغط من الحكومة التركية من خلال مجلس الأعمال التركي الأميركي والضغوط على مستشار الأمن القومي الأميركي للرئيس باراك أوباما في ذلك الوقت جيمس جونز من قبل السفارة التركية في واشنطن.

مصادر سابقة داخل المجلس التركي الأميركي أكدت أن تهديدات وجهت للشركات الأميركية العاملة في تركيا وأنها ستتوقف فقط في حالة استقالة هولمز، وهو الأمر الذي لعب دورا في اتخاذ جيمس هولمز قراره بالاستقالة من أجل مصلحة أعضاء المجلس.

نفت السفارة التركية ما سمته هذه الادعاءات في 2014، وقالت إنه لم تحدث أية ضغوط على أي شخص داخل المجلس التركي الأميركي. ولم يكن مستشار الأمن القومي الأميركي جيمس جونز متاحا للتعليق الفوري آنذاك.

وبعد استقالة هولمز، تولى المصرفي السابق والضابط في البحرية الأميركية هوارد بيزي رئاسة المجلس التركي الأميركي خلفا لهولمز. وفي تصريحات لوسائل الإعلام أثناء توليه منصبه أكد بيزي أن تركيزه منصب على شمولية العمل مع الأتراك، وعلى عكس سلفه كان أقل انتقادا لحكومة أردوغان.

ورغم ذلك تزامنت فترة تولي بيزي منصبه مع تصاعد للتوترات في العلاقات التركية الأميركية. فقد تزامن ذلك مع محاولة الانقلاب ضد أردوغان عام 2016 واتهام الحكومة التركية للمعارض فتح الله غولن بتدبيره من الأراضي الأميركية. كما أن اعتقال القس الأميركي أندرو برونسون، والدعم الأميركي لوحدات حماية الشعب الكردية والتي تعتبرها أنقرة مجموعات إرهابية، وشراء تركيا لمنظومة إس 400 الصاروخية من روسيا ساهمت أيضا في مزيد من تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا.

في عام 2018 ونتيجة لتأثر العلاقات فإن ذلك ساهم في التأثير على المؤتمر السنوي للمجلس التركي الأميركي في واشنطن والذي استضافه مجلس الأعمال بين البلدين. وقد تأجل المؤتمر لخريف ذلك العام "لإتاحة مزيد من التسهيلات لحضور أكبر من البلدين".

استقال بيزي من منصبه العام التالي، لكن التاريخ المحدد لذلك لم يكشف عنه. وقد أشارت وكالة الأناضول الحكومية له في يوليو من عام 2019 كرئيس سابق للمجلس. لكن صفحة بيزي على لينكد إن وضعت تاريخ استقالته في أكتوبر من عام 2019 وذلك بعد شهر من الاندماج بين مجلس الأعمال والمجلس التركي الأميركي.

وحين سؤاله، رفض بيزي التعليق عن فترة تواجده في المجلس التركي الأميركي.

أشارت مصادر أنه منذ تلك الفترة والتي كان يشوبها التوتر بين البلدين، بدأ مجلس الأعمال التركي الأميركي يحاول تعزيز سيطرته على المجلس السابق. وقد اهتم كثيرون بمتابعة انتهاك المجلس التركي الأميركي قوانينه المنظمة إضافة لانتهاك القوانين الأميركية وبينها قانون تسجيل الوكلاء الأجانب.

طبقا للقانون المنظم للمجلس التركي الأميركي فإن نسبة 51% من المشاركين في مجلس إدارته يجب أن يكونوا من الشركات الأميركية. وشكك البعض في وفاء المجلس بهذا الشرط رغم أن مصدر سابق رفيع المستوى أكد التزام محامي المجلس بدقة خلال السنوات السابقة بهذا البند.

حظي انتهاك قانون تسجيل الوكلاء الجانب بمزيد من الاهتمام بعد تعيين أكرم ألبتكين رئيسا لمجلس الأعمال التركي الأميركي في 2014. وقد تم التطرق لذلك بشكل واسع في سياق المؤتمر السنوي للمجلس التركي الأميركي حين أكدت مصادر في ذلك الوقت أن المجلس بحث المسألة وساقها في مذكرة تفاهم. ونتيجة لدعم أنقرة وداعميها الحكوميين لميزانية مجلس الأعمال بين البلدين، فقد تطلب تسجيل المجلس التركي الأميركي كممثل أجنبي حال توقيع مذكرة التفاهم.

هذا الموضوع كان حاضرا أثناء رئاسة بيزي للمجلس التركي الأميركي. تسريب ويكيليكس لوثيقة من البريد الخاص بزوج ابنة أردوغان وزير الخزانة والمالية التركي بيرات ألبيراق بأن مسؤولين من مجلس الأعمال التركي الأمريكي نقلوا رسالة من بيزي لـ البيراق تتعلق بمسألة خاصة بقانون تسجيل الوكلاء الأجانب بما له علاقة بالمؤتمر السنوي.

"مؤسسة أرنت فوكس القانونية تناولت هذا الموضوع من ناحية المؤتمر وليس العلاقة التقليدية بين المجلسين. المجلس التركي الأميركي لن يستطيع أيضا الاحتفاظ بعلاقات مميزة مع مجلس الأعمال التركي الأميركي و مجلس العلاقات الخارجية الاقتصادية التركي طبقا للقانون الأميركي" هذا ما كتبه بيزي إلى سيرف إجليم والذي كان حينها رئيس إدارة مجلس الأعمال التركي الأميركي.

السعي للتوصل لمذكرة تفاهم لم ينته منذ ذلك الوقت. في المؤتمر السنوي في أبريل من عام 2019 كان المجلس التركي الأميركي مدرجا كشريك أجنبي أساسي لأي من شركات الضغط وهو ما لم يستمر طويلا حيث عدلته شركة ميركوري مع وزارة العدل بعد أسبوع لتؤكد أن المجلس التركي الأميركي ألغى العقد.

لم يكن هناك أي مسألة تتعلق بقانون تسجيل الوكلاء بين مؤتمر أبريل ومؤتمر سبتمبر اللاحق والذي شهد الاندماج حيث تواصل المجلس التركي الأميركي كشريك أساسي أجنبي لجماعات الضغط.

وخلال فترة رئاسته لمجلس الإدارة حدد ألبتكين ضرورة أن يتجنب المجلس التركي الأميركي الخوض في السياسة بقدر الإمكان وهو ما تناقض لاحقا مع إجراءات من جانبه. مسؤول سابق في المجلس التركي الأميركي أبلغ جريدة أحوال أن ألبتكين حث أعضاء من الكونغرس على التبرع لهدف محدد وهو الوقوف ضد التصويت بشأن مذابح الأرمن. وأكد مسؤول أن هذه الإجراءات من أعضاء مجلس الأعمال التركي الأميركي لا تتوافق مع قانون تسجيل الوكلاء الأجانب وقوانين تمويل الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة.

مسألة جماعات الضغط الأجنبية لاحقت ألبتكين حين اتهمه روبرت مولر المحقق الخاص السابق لدى وزارة العدل الأميركية بالكذب بشأن تقديم أموال لمايكل فلين, مستشار الأمن القومي السابق للرئيس الأميركي دونالد ترامب. فقد وجهت له اتهامات بأنه عميل تركي أجنبي يعمل بشكل غير قانوني. ظل ألبتكين في منصبه على رأس إدارة مجلس الأعمال التركي الأميركي حتى خلفه رجل الأعمال التركي محمد علي يالجين تاغ والمعروف بصلاته القوية بعائلة ترامب.

كل هذه المسائل التي تشير لالتزامات مشكوك فيها، وانتهاك للقانون الأميركي إضافة إلى اتساع نفوذ مجلس الأعمال التركي الأميركي وتأثيره على المجلس التركي الأميركي تركت تأثيرا على التداخلات والعلاقات الأوسع مع غرفة التجارة.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/us-turkey/american-turkish-council-loses-its-status
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.