العملات الأجنبية بدأت تهرب من البنوك التركية

عملية نبع السلام التي شرعت تركيا في تنفيذها يوم التاسع من الشهر الحالي في الشمال السوري بعثت مجددًا المرض القديم الذي شهدته الأسواق التركية عقب عملية مشابهة في العام الماضي وترك أثره القوي على اقتصاد البلاد.

بشكل متزامن مع قرع طبول الحرب عقب تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان، بدأ النظام المالي التركي يشهد هروبًا كبيرًا للعملات الأجنبية. ففي غضون أربعة أيام فقط تبخرت العملات الأجنبية البالغة 2.6 مليارات، والتي كانت موجودة في البنوك التركية. وبالنظر إلى التدخلات الضمنية / الخفية التي قام بها البنك المركزي في السوق في نفس الفترة، فإنه من الأرجح أن مقدار الأموال الهاربة من النظام المالي أكثر من ذلك. 

وفقًا للبيانات الصادرة عن هيئة الرقابة وتنظيم المصارف المالية التركية، فإن حجم حسابات العملات الأجنبية المحتفظ بها في بنوك البلاد استمر في الارتفاع حتى الثاني من أكتوبر وحطم مستوىً قياسيًا بلغ 220.7 مليارات دولار. لكن بعد هذا التاريخ، سبّبت تصريحات أردوغان عن إمكانية إجراء عملية في شمال شرق سوريا صدمة في الأسواق. فشهدت العملات الأجنبية والفائدة ارتفاعًا، في حين انخفض سوق الأسهم. وفي الوقت الذي زاد فيه الطلب على العملات الأجنبية في الأسواق المالية، انخفض صافي النقد الأجنبي للبنك المركزي بمقدار 1.4 مليار دولار في أربعة أيام بسبب تدخلاته في السوق. وأعلنت وكالة رويترز الدولية وصول إجمالي مبيعات العملات الأجنبية للبنك المركزي وبنوك الدولة إلى 3.5 مليارات دولار.

على الرغم من هذه التطورات في الأسواق، إلا أنه عند تحليل الميزانية العمومية للنظام المصرفي يظهر أن أصحاب المدخرات الذين أخذوا العملات الأجنبية واستثمروها بالبنوك في الفترة السابقة أبدوا سلوكًا مختلفًا هذه المرة. وذلك لأنه على الرغم من العملات الأجنبية التي أدخلها البنك المركزي والبنوك العامة في السوق، شهدت ودائع العملات الأجنبية، التي يحتفظ بها المستثمرون في البنوك، انخفاضًا بدلاً من الزيادة.

انخفض إجمالي حساب ودائع العملات الأجنبية الذي بلغ 220.7 مليارات دولار في 2 من أكتوبر إلى 218.1 مليار دولار في 8 من الشهر ذاته. ولا يعرف أحد إلى أين ذهب 2.6 مليارات دولار بينهما. لأنه لو كان المستثمرون باعوا عملاتهم الأجنبية وحولوها إلى الليرة التركية، فكان ينبغي أن يؤدي ذلك إلى الزيادة في حسابات الإيداع في البنوك بالليرة التركية وبند الأوراق المالية أو تتحول إلى سوق الأوراق المالية بطريقة أو بأخرى لتتسبّب في ارتفاع الأسعار. 

لكن وفقًا لبيانات هيئة الرقابة وتنظيم المصارف المالية فإنه على الرغم من حصول انخفاض حادّ في ودائع صرف العملات الأجنبية بلغ 2.6 مليار دولار في أربعة أيام عمل لم تحدث زيادة في ودائع الليرة التركية أو بند الأوراق المالية. وبما أن الانخفاض في سوق الأسهم كان أكثر من 4 بالمئة في نفس الفترة، فإن ذلك يكشف أن المستثمر لم يتحول من العملات الأجنبية إلى الليرة التركية، بل على العكس من ذلك، توجه لتحويل الأموال إلى خارج تركيا عبر البنوك أو سحبها وحفظها تحت البلاطة. 

بينما كانت تركيا تمر بأحد أشد أزماتها الاقتصادية في العام الماضي، خرج مبلغ يعادل 2 في المئة من الودائع الموجودة في الحسابات المصرفية من النظام المالي التركي في غضون بضعة أسابيع، من خلال إخفائها تحت البلاطة أو تحويلها إلى الخارج.

ولا شك أن هذه الإجراءات تعتبر مؤشرًا هامًا على خوف المستثمرين وعدم ثقتهم في النظام.

جهود الإدارة الاقتصادية الرامية إلى إنعاش الأسواق وإنهاء الركود المستمر أكثر من عام من خلال الائتمان الرخيص باءت بفشل ذريع. في إطار هذا المشروع المتمثل في إقراض السوق بأسعار فائدة منخفضة تحت قيادة البنوك العامة، تم تخفيض أسعار الفائدة في قطاع القروض الاستهلاكية والتجارية، لا سيما في مجال الإسكان، إلى نقطة الخسارة أو التعادل منذ منتصف أغسطس. 

بعد الأسبوع الأخير من أغسطس، تم توزيع قروض تبلغ حوالي 40 مليار ليرة تركية ضمن هذا المشروع. ومع ذلك، توقف التوسع الائتماني منذ بداية شهر أكتوبر، وبدأ إجمالي مخزون الائتمان لدى البنوك في الانخفاض في الأسبوع الأول من شهر أكتوبر، وفقًا لبيانات البنك المركزي. 

عند تحليل التوزيع الفرعي للقروض التي قدمتها البنوك، يتبين أن البنوك العامة قدمت 33.2 مليار ليرة من أصل 39 مليار ليرة تركية تم تقديمها بعد أسبوع الـ23 من أغسطس. وفي نفس الفترة، زاد رصيد القروض للبنوك الخاصة بمقدار 6.2 مليار ليرة تركية، فيما انخفض إجمالي قروض البنوك الأجنبية. ويقول أحد المصرفيين إن ركود الائتمان، رغم عدم وجود تغيير في أسعار الفائدة على القروض ومواقف البنوك من الائتمان، راجع إلى عدم الرغبة في الطلب. 

من ناحية أخرى، نرى أن الإدارة الاقتصادية التي تتوخى تحقيق نمو بنسبة 5 في المائة عام 2020، وتجري حسابات الميزانية وفقًا لذلك، لا يبدو أنها وضعت خطة واضحة المعالم وقادرة على تعويض هذا الانخفاض في أداء القروض. ومع أن الحكومة تتوقع زيادة بنسبة 17.5 في المائة في عائدات الضرائب خلال العام المقبل، بما يتماشى مع هدف النمو البالغ 5 في المائة، إلا أن تحقيق هذا الهدف  يتوقف على إحياء أسواق الائتمان بلا شك.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/bankacilik/bankalardan-hizli-mevduat-kacisi-basladi